عمل جاك بيرليوز ـ كورليه، مؤلف هذا الكتاب، في جهاز الشرطة الفرنسية لمدة 33 سنة. كان قد سافر إلى الولايات المتحدة كي يكتسب خبرة مهنية في آليات عمل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي والشرطة الأميركية.

يعيش اليوم في مدينة «لا روشيل» الفرنسية على شاطئ الأطلسي حيث تفرغ لكتابة عدد من الروايات. «اف.بي.آي» FBI : ثلاثة أحرف لها صداها الكبير في العالم كله. وقد اشتهر المكتب الذي يمثلها بتدخله في كل القضايا، صغيرها وكبيرها، التي تجري فوق الأراضي الأميركية ولها علاقة بمسائل الأمن أو عالم الجريمة أو الإرهاب أو تجارة المخدرات أو مكافحة التجسس أو ما دار في هذه الأطر كلها. من غير المشكوك فيه أن شهرة هذا المكتب الأسطورة قد اجتازت كثيرا حدود الولايات الأميركية.

لكن هذا لا يمنع واقع أن أسئلة كثيرة تدور في الأذهان حول مكتب التحقيق الفيدرالي الأميركي. فمن هم رجال شرطته المشاهير؟ وكيف يتم تجنيدهم؟ وما هو التكوين والتدريب الذي يتلقونه؟ كيف نشأ هذا المكتب؟ وكيف تطور؟ ومن أين جاءت شهرته؟ الخ.هذا الكتاب يشكل محاولة للإجابة هذه الأسئلة كلها والأسئلة الأخرى التي تتفرع عنها. ويدرس المؤلف كيف أن مكتبا «متواضعا» تأسس عام 1908 قد تطور ليصبح «امبراطورية بوليسية» حقيقية يصل بها الأمر أحيانا إلى تحدي السلطة السياسية رغم أنها تعمل لحسابها.

ما يؤكده المؤلف منذ البداية هو أن «حياة مكتب التحقيقات الفيدرالي وبناه قد امتزجت، منذ الأصل وحتى اليوم، بالأحداث الاجتماعية وبأشكال نجاح وفشل وخوف أميركا». وإذا كانت الولادة الرسمية لهذا المكتب هي في عام 1908 فإن جذوره التاريخية تعود إلى فترة ما بعد الحرب الأهلية مباشرة. ففي عام 1871 خصص الكونغرس الأميركي لوزارة العدل الوليدة مبلغ 000 50 دولار من أجل القيام بعمليات بحث واستقصاء حيال الجرائم ذات الطابع الفيدرالي.

وكانت الوزارة قد استخدمت عامة تلك الاعتمادات في تكليف أشخاص من خارجها للقيام بالعمل المطلوب. بكل الأحوال بعد عمليات شد وجذب عديدة بين الكونغرس ووزارة العدل الأميركية. وعلى خلفية البحث عن إمكانيات مراقبة آليات امتلاك الأراضي أنشأ وزير العدل الأميركي، شارل ج.

بونابرت، سليل الإمبراطور نابليون الأول، يوم الأول من يوليو 1908، وبمباركة الرئيس الأميركي آنذاك تيودور روزفلت ـ وضد توجيه أصدره مجلس الشيوخ ـ «جهاز شرطة» تابع له شخصيا حمل اسم «مكتب التحقيقات»، والذي خذ تسميته النهائية بعد 27 سنة أي يوم الأول من يوليو 1935، ليصبح «مكتب التحقيقات الفيدرالي». كانت مهمات المكتب في البداية متواضعة وتقتصر على الميادين غير المتعلقة بمصالح الشرطة الأخرى التابعة للإدارات المركزية.

ثم شيئا فشيئا قام الكونغرس نفسه، رغم معارضته الأولية القوية، بتوسيع صلاحيات المكتب لتشمل التحقيقات حول التجارة غير المشروعة بين الولايات الأميركية. الأمر الذي شكل «شرخا» في الاستقلال الذاتي الذي يمنحه الدستور الأميركي لكل ولاية من ولايات الاتحاد. وكان نشوب الحرب العالمية الأولى التي اندلعت نيرانها في أوروبا خلال شهر أغسطس 1914 مناسبة لمكتب التحقيقات الفيدرالي كي يعاظم من دوره حيث كان الأميركيون منقسمين بين مؤيد لهذا الطرف المحارب أو ذاك، بينما كانت الحكومة الأميركية حريصة آنذاك على أن تبقى محايدة.

وفي الوقت الذي كانت فيه جيوش هتلر تجتاح بلجيكا وصلت إلى ميناء نيويورك باخرة قادمة من أوروبا وكان من بين ركابها سفير ألمانيا لدى الولايات المتحدة والملحق التجاري في السفارة. وبفضل الحصانة الدبلوماسية أدخل السفير حقيبة تحتوي على ما يعادل مائة وخمسين مليون دولار.

وكان هذا المبلغ مكرّسا للتجسس والتخريب ومنع تزويد الحلفاء بالأسلحة. في هذا السياق نشط رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي في ميدان مكافحة الجاسوسية وصولا إلى فتح ثغرة بجدار القنصلية الألمانية للعثور على وثائق بداخلها. ومع دخول أميركا الحرب أصبح للمكتب مهمات في التجسس هذه المرة. ثم عند نهاية الحرب أنشئت إدارة الاستخبارات العامة (عام 1919) لتعزيز عمل المكتب الفيدرالي وتمثلت مهمتها في ملاحقة الفوضويين والماركسيين في الولايات المتحدة.

وقد عرف مكتب التحقيقات الفيدرالي صعود نجمه في ظل إدارة الرئيس «كالفن كوليدج» الذي عيّن في عام 1924 صديق دراسته «هارلن فيسك ستون» وزيرا للعدل الذي قام بدوره بتعيين المحامي الشاب جون إدغار هوفر وكان هوفر هذا قد قال عند عرض المنصب عليه: «أقبل بكل سرور عرضكم، يا سعادة الوزير، لكن مع بعض الشروط».

وكانت الشروط هي: «ينبغي أن يقطع المكتب نهائيا مع ممارسات النفوذ السياسي، وأن تجري التعيينات فيه على أساس الكفاءة الشخصية فقط. ثم أن لا تجري الترقيات سوى على أساس الكفاءة الشخصية فقط. وأخيرا لن يقدم المكتب أي حساب سوى لكم، سعادة الوزير». لقد أدار هوفر مكتب التحقيقات الفيدرالي لسنوات طويلة وحقق الكثير من الإنجازات كما يشرح المؤلف في فصل كامل يحمل عنوان «السيد هوفر».

ويتم وصفه بأن «رجل التناقضات» الذي استطاع أن يحكم قبضته على مكتب التحقيقات الفيدرالي. ووصل من القوة إلى حد أنه عندما كان وزير العدل أو حتى الرئيس الأميركي نفسه يثير حنقه لا يفعل سوى التهديد بالاستقالة. لكن هذا كان كافيا، كما يبدو، لتراجع المتحدث إليه. أما عن كيفية تعامله مع مرؤوسيه فينقل المؤلف عن «سام نوازيل» خادمه الأسود قوله عن كيفية تفاهمه مع هوفر: «هذا سهل فإذا كان الثلج يتساقط والرياح تعصف عند وصول المدير وقوله: ما هذه الشمس المشرقة وهذا الطقس الرائع. فأجيب ببساطة بأن الطقس رائع والشمس تلمع في كبد السماء، هكذا بكل بساطة».

لكن مهما كانت الانتقادات المقدمة حيال هوفر فإنه استطاع أن يحافظ على مكتب التحقيقات بعيدا عن الفساد. لكن مع مرور الوقت وتعزز مواقعه أعفى نفسه، هو شخصيا، من التقيد بالسلوك الحازم الذي حدده ولم يظل بعيدا عن صراعات النفوذ السياسي. إن مؤلف هذا الكتاب يقدم العديد من الأمثلة على ذلك مثل تساؤله كيف يمكن قبول معاقبة أحد رجال المكتب لأنه سمح لنفسه بالاحتفاظ بسيارة الخدمة الرسمية طيلة الليل في منزله بينما يمتلك المدير نفسه خمس سيارات «ليموزين» فخمة مصفّحة قيمة كل منها 000 30 دولار؟!

لم يكن عدد خصوم هوفر أقل من عدد «حملة المباخر» أمامه.

وقد أعاب هؤلاء الخصوم عليه عدم تصدي المكتب بشكل فعال تحت إدارته للجريمة في الولايات المتحدة وأنه لم يدخل فعليا في مكافحة المافيات والجريمة المنظّمة إلا بفترة متأخرة، بل ولم يهتم إلا بمجرمين من الدرجة الثانية بينما كانت شبكات الإجرام الحقيقية في أوج نشاطها الخفي. وفي الواقع كانت فترة من العنف قد بدأت تتصاعد لتبلغ أوجها في نهاية عقد العشرينات، مع بروز الأزمة الاقتصادية الشهيرة.

وعندما خلف هاري ترومان «فجأة» فرانكلين روزفلت الذي توفي قبل أن يعرف خبر انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، فوجئ بالتنوع الكبير في الآراء الخاصة بتحديد أفضل وسيلة لإعادة تنظيم عالم الاستخبارات، كما فوجيء بحالة عدم الاتفاق، بل وأحيانا بالخلاف، بين مختلف الأجهزة المعنية. لذلك قرر في شهر يناير 1946 إيجاد سلطة وطنية للاستخبارات. هكذا أنشئت «مجموعة الاستخبارات العامة» التي كانت النواة الأولى لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وتحددت مهمتها في تخطيط وتطوير وتنسيق العمليات الاستخباراتية في الخارج.

لكن لمكتب التحقيقات الفيدرالي نشاطاته و«فروعه» في الخارج تتمثل مهماتها الأساسية في إقامة علاقات «مهنية» مثمرة مع أجهزة الشرطة الأجنبية وجمع المعلومات المفيدة بالنسبة للمركز. وكان الرئيس فرانكلين روزفلت قد قرر تكليف مكتب التحقيقات بمهمة جمع المعلومات «غير العسكرية» في بلدان غرب الأطلسي. هكذا قام مدير هذا المكتب، بعد أخذ الموافقة الصريحة من رئيس الولايات المتحدة، بإنشاء «مديرية الاستخبارات الخاصة» في أهم بلدان أميركا الجنوبية لرصد نشاط المهاجرين الألمان المؤيدين للنازية.

وبعد فترة الازدهار والمجد جاءت فترة الانحطاط مع الكشف عن العديد من القضايا ـ الفضائح والتي بدا أن «أيادي» مكتب التحقيقات الفيدرالي ليست بعيدة عنها، مثل اكتشاف قيامه بإعداد «قائمة أمنية» تضم أسماء عدة آلاف من الأشخاص الذين تحوم حولهم الظنون ويمكن اعتقالهم بتهمة أن لهم أفكارا تخريبية. هنا يسوق المؤلف العديد من الأمثلة والروايات التي تشير إلى أشكال الخلل في عمل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي.

لقد انخفضت مصداقية مكتب التحقيقات وتضاءل دوره في فترة «حمّى سنوات الستينات» التي هزّت جميع المؤسسات الأميركية. إن المكتب ورئيسه العجوز هوفر بذلوا طاقاته لمواجهة مشكلة «حقوق السود». ورغم محاولة اتخاذ موقف وسط بين مناوئي مناهضي العنف العنصري وبين مناصري المحافظة على التقاليد الأميركية، فإن اللجنة الأميركية للحقوق المدنية اتهمته ب«عدم الحماس للتحقيق فيما يخص الشكوى من شدة القمع البوليسي». وفي هذا السياق توفي إدغار هوفر بعد سنوات «سلطته» الطويلة، لتظهر على السطح أشياء كثيرة كانت مخبوءة، جعلت المكتب ملفوفا ب«الفضائح» مما استدعى إعادة بنائه.

عند الساعة العاشرة وخمس دقائق من صباح 11 سبتمبر 2001 انهار برج التجارة الدولي الشمالي في نيويورك، وعند الساعة العاشرة و28 دقيقة انهار البرج الجنوبي. لقد كان هناك قبل 11 سبتمبر وغدا هناك ما بعد 11 سبتمبر.

في «ايلول الأسود» ذلك اهتزت «إمبراطورية» مكتب التحقيقات الفيدرالي بقوة وبتاريخ 3 ديسمبر 2001 أعلن «روبرت مويلر»، مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي، أمام الكونغرس عن إجراء «إصلاحات بنيوية قد شرع بها تحت اسم الخطة الاستراتيجية لإعادة التنظيم»، بعد الفشل الذريع في الكشف عن تفجيرات 11 سبتمبر قبل حدوثها.

وعلى مكتب التحقيقات الفيدرالي أن يواجه تحديات طمأنة مجتمع يعاني اليوم من الخوف والقلق.

* الكتاب: مكتب التحقيقات الفيدرالي تاريخ امبراطورية

* الناشر: كومبليكس بروكسل 2005

* الصفحات : 414 صفحة من القطع المتوسط

FBI, histoire d'un empire

Jacques Berlioz- Curlet

Editions Complexe- Bruxelles 2005

P.414