ساهم في تأليف هذا الكتاب العديد من الباحثين وأشرفت عليه جاكلين مارينا المختصة بالفكر الألماني عموما ومؤلفات الفيلسوف فريديريك شليرماشير خصوصا. فمن هو هذا الفيلسوف يا ترى؟ إنه أحد كبار المصلحين الدينيين في ألمانيا في النصف الأول من القرن التاسع عشر.

وقد كان زميلا لهيغل في جامعة برلين ويحظى باحترامه وتقديره على الرغم من الاختلاف حول بعض المسائل الدينية أو الفلسفية. ولد شليرماشير في مدينة بريسلو الألمانية عام 1768 ومات في برلين عام 1834، عن عمر يناهز السادسة والستين. وقد تربى تربية دينية في البداية وسوف يحمل في أعماقه الطابع الأخلاقي لهذه التربية طيلة حياته كلها.

وبعد أن درس العلوم الدينية المسيحية في جامعة «لاهال» اشتغل مربياً للأطفال في إحدى العائلات الغنية الارستقراطية. ومعلوم أن هذه العادة كانت سائدة في ألمانيا آنذاك. فهيغل نفسه اشتغل مربياً لأطفال في إحدى العائلات لكي يكسب رزقه ويستطيع كمال دراساته الجامعية. وكذلك فعل هولدرلين أيضا وآخرون عديدون.

وكانت تلك الوظيفة تمثل مرحلة إجبارية قبل الوصول إلى منصب جامعي ومرتب يضمن للمثقف عيشه.

ثم تردف المؤلفة قائلة: وبعد ذلك عين شليرماشير أستاذا لعلم اللاهوت والفلسفة في جامعة «لاهال» التي تخرج منها سابقا. ولكن غزو نابليون لألمانيا أجبره على العودة إلى برلين حيث اشتغل مع الفيلسوف الكبير فيخته كمساعد له. وقد ساهم عندئذ مع هذا الفيلسوف في بلورة مبادئ القومية الألمانية كرد فعل على القومية الفرنسية الغازية.

ومعلوم أن فرنسا كانت قد أصبحت ذات رسالة خالدة بعد اندلاع الثورة الفرنسية. وقد أرادت تصدير الثورة حتى ولو بقوة السلاح كما فعل نابليون بونابرت. ولكن ذلك أيقظ عند أبناء الشعوب الأخرى العاطفة القومية. فالألمان أخذوا يشعرون بأنهم أمة واحدة من حيث التاريخ واللغة والجغرافيا والتراث المشترك. ولذلك راحوا يفكرون بتوحيد أنفسهم منذ ذلك الوقت.

وعندما تأسست جامعة برلين عام 1810 عينوا شليرماشير أستاذا لعلم اللاهوت المسيحي. وقد ظل يشغل هذا المنصب حتى نهاية حياته عام 1834. وفي الوقت ذاته راح يعطي دروسا حرة عن تاريخ الفلسفة. وهكذا جمع شليرماشير منذ البداية بين تعليم الدين وتعليم الفلسفة وأصبح أكبر مصلح ديني في ألمانيا بعد مارتن لوثر.ثم تردف المؤلفة المشرفة العامة على الكتاب قائلة:

لقد ساهم هذا المفكر الكبير في مصالحة الدين المسيحي مع الحداثة: أي في انفتاح كليات الشريعة المسيحية على الفلسفة والعلم الحديث. ومعلوم أنها كانت منغلقة على كل ذلك من قبل. وكانت تدرس الدين على طريقة القرون الوسطى الأصولية والظلامية. وبالتالي فإن العمل الذي قام به فريديريك شليرماشير كان مهما جدا. لقد ساهم في بلورة التفسير الليبرالي أو العقلاني للدين لكي يحل محل التفسير المتحنط: أي التفسير الطائفي والمذهبي.

ومعلوم أن ألمانيا كانت منقسمة آنذاك مذهبيا إلى قسمين كبيرين: كاثوليكي وبروتستانتي مع بعض الغلبة العددية للبروتستانتيين. وهذا الانقسام أشعل الأحقاد الطائفية في ألمانيا ومنعها من توحيد نفسها أو قل عرقل عملية التوحيد.

ولذلك نهض المفكرون الكبار من أجل مكافحة التفسير الطائفي والمتعصب للدين وإحلال التفسير الليبرالي والعقلاني محله. وهو التفسير الوحيد القادر على محاربة الطائفية والانقسامات الداخلية.

وفي عام 1811 فتحت أكاديمية العلوم في برلين أبوابها لهذا المفكر الفذ الذي ذاعت شهرته بفضل أبحاثه العلمية الجادة. وفي عام 1817 ترأس الاجتماع الكبير الهادف إلى تحقيق التقارب والمصالحة بين المذاهب المسيحية والمتعادية. ولم يكن الانقسام حاصلا بين البروتستانتيين والكاثوليكيين فقط وإنما أيضا داخل المذهب البروتستانتي نفسه.

فقد كان ينقسم إلى قسمين كبيرين: قسم تابع لكالفن، وقسم تابع للوثر. وقد حاول شليرماشير إقامة التقارب بينهما. ولكنه لاقى مقاومة عنيفة من طرف المحافظين والمتعصبين في كلتا الجهتين كما يحصل عادة. فكل طرف أصولي يعتبر نفسه على حق والآخر على ضلال. والأصوليون المتطرفون لا يؤمنون بالحوار وإنما بالضرب والإكراه القسري فقط.

يضاف إلى ذلك أن السلطة البروسية وقفت ضده لأنها رأت في أفكاره الليبرالية خطرا على وحدة العقيدة المقدسة للمذهب البروتستانتي. ولكنه على الرغم من كل ذلك راح يمارس تأثيرا كبيرا على حركة الأفكار في عصره. وربما لم يكن يضاهيه في هذا المجال إلا هيغل.

ثم تردف المؤلفة قائلة: إن شليرماشير يعترف بتأثير أفلاطون عليه ويقول بأنه المفكر الأكبر الذي حسم مساره الفكري والفلسفي. ولكنه يعترف أيضا بتأثره بأفكار سبينوزا، ولايبنتز، وكانط، وفيخته، وشيلنغ...وكان أول كتاب نشره شليرماشير بعنوان: مقالة عن الدين. وهو أهم كتبه بحسب رأي البعض.

وفيه يعلن اتفاقه مع كانط الذي حاول المصالحة بين الدين والعقل في كتابه الشهير: الدين ضمن حدود العقل فقط. فقد رفض شليرماشير على أثر كانط أن تكون للعقائد الدينية أية قيمة علمية. وكان يقصد بذلك أنها قائمة على الاعتقاد والإيمان لا على البرهنة والمنطق والتجريب.

ولكنه كان يعتقد بأنه يوجد في الإنسان ميل عاطفي أو روحي لتحقيق وحدة الأنا مع اللانهائي أو لانصهار الأنا في اللانهائيات. فالإنسان مشكل من المعرفة والممارسة ولكن توحيد كل فعالياته لا يتم إلا عن طريق العامل العاطفي الروحي الذي يشكل جوهر الدين.

ثم تردف المؤلفة قائلة: وبالتالي فإن شليرماشير يفرق بين جوهر الدين وقشوره، بين العمق والسطح، بين ما هو أساسي وما هو شكلاني خارجي تتعلق به العامة عادة. ثم يرى هذا الفيلسوف أن الإنسان الديني أو الروحاني غير مقطوع عن التعالي اللانهائي على عكس الإنسان المادي أو الدنيوي المحض.

وينتج عن ذلك أن الحداثة الحقيقية لا تعني القضاء على الدين وإنما تنويره وإعادة فهمه بشكل جديد.فالإنسان الديني بالمعنى العميق للكلمة، أي الروحاني، يشعر بشكل عفوي مباشر أن المحدود يعثر على مبرر وجوده في اللامحدود، أي في اللانهائي. وعلى هذا النحو يتعاطف مع الروح الكونية، أي مع الروح الإلهية. فالله وحده هو اللانهائي وهو اللامحدود على عكس الإنسان.

ويرى هذا المفكر الألماني أن الدين مرتبط بالعلم والممارسة العملية حتى وإن لم يكن متطابقا معهما. فالعلم يطوّر معرفتنا باللانهائي وبالتالي يفتح الأفق على الدين بالمعنى العميق والجوهري للكلمة. والممارسة الفنية والأخلاقية لا معنى لها إلا بالقياس إلى الفعالية الكونية التي تندرج فيها. والخلود الحقيقي للإنسان يكمن في شعوره بالانصهار داخل اللانهائي والأبدي في وحدة واحدة. ما عدا ذلك فلا يوجد أي خلود مضمون.

ثم يردف شليرماشير قائلا: وبالتالي فإن جميع الأديان المعروفة ليست إلا عبارة عن صيغ فردية من صيغ الدين الكوني الشامل. وهي أشكال ضرورية لأن الدين الطبيعي أو العقلاني للفلاسفة ليس إلا تصورا تجريديا فارغا.كل الأديان هي عبارة عن تجليات للروح وإن بدرجات متفاوتة. إنها تربط بين الكائن الفردي من جهة، والكائن اللانهائي من جهة أخرى.

وهكذا لا يعود المرء يشعر بأنه وحيد في هذا العالم، ولا يعود الموت يرعبه لأنه أصبح خالدا من خلال انصهاره بتاريخ البشرية كلها وباللانهائيات التي لا حدود لها وبمطلق الله في نهاية المطاف.

ثم ألف شليرماشير كتابا آخر بعنوان: مونولوج أو حوارات داخلية. وقد استفاد فيه من كتاب فيخته: مصير الإنسان. ولكن فيخته اتهم بالإلحاد على عكس شليرماشير الذي كان رجلا مؤمنا. مهما يكن من أمر فإن الحوار بين الفلاسفة الدنيويين والفلاسفة المتدينين كان شيئا ضروريا ومهما وخصبا جدا.

كان مفيدا لكلا الطرفين.وقد عبّر شلير ماشير في هذا الكتاب عن الفكرة التالية: إن غاية كل إنسان هي أن يجسد البشرية كلها في شخصه. المقصود بذلك أن الإنسان يمثل الروح الكونية وإن بطريقة خاصة تتناسب مع شخصيته وفرادته واختلافه عن غيره. وهذا يشبه ما قاله الشاعر العربي يوما ما: وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر.

وبالتالي فالإنسان لا يموت ضمن مقياس أنه يخلد عن طريق استمرارية البشرية ذاتها، عن طريق انصهاره بالروح الكونية للكون، عن طريق فنائه في مطلق الله الذي لا يحول ولا يزول.

ولكن فردية الإنسان أو تمايزه عن غيره لا ينبغي أن يقضي على فكرة التواصل والتضامن بين البشر. على العكس فإن الحب الذي يربط بين الكائنات هو الشرط الضروري لاكتمال شخصية الفرد، أي فرد كان.وبالتالي فالحب هو جوهر الدين. وإذا كان الأمر غير ذلك فهذا يعني أن الناس فهموا الدين بشكل خاطئ، أو سطحي، خارجي، شكلاني، فارغ. وينتج عن ذلك أن المتدينين الذين يدعون للتعصب هم خونة لجوهر الدين ومبادئه الحقيقية. وينطبق ذلك على الأصوليين المسيحيين إبان محاكم التفتيش والحروب الصليبية كما ينطبق على الأصولية المتعصبة في جميع الأديان.

فالأديان السماوية الكبرى دعتنا إلى محبة الآخر أو الجار والاهتمام به وبمصلحته مثلما نهتم بأنفسنا، كما ودعتنا للرفق بالضعيف والفقير وابن السبيل والإحسان عليه. وبالتالي فأي شخص يفهم الدين على أساس أنه حقد على الآخرين أو تكفير لهم أو حتى دعوة لقتلهم وتصفيتهم جسديا هو شخص ضال، مضلل، خارج على جوهر الدين وحقيقته السامية.

بهذا المعنى فإن شليرماشير كان أحد كبار فلاسفة التنوير الأوروبي أو أحد كبار رجال الدين المستنيرين. لقد ربط بين العقل والدين، أو بين العلم والفلسفة، وجعل الإنسان يشعر بالطمأنينة والسكينة لأنه أنهى ذلك الصراع المدمر بين العلم والإيمان.لم يعد العلم في جهة والإيمان في جهة أخرى وإنما أصبحا متكاملين على الرغم من خصوصية كل منهما. أصبحا منصهرين مع بعضهما البعض في وحدة واحدة.

وعلى هذا النحو تقدم العلم في أوروبا وازدادت اكتشافاته في الوقت الذي تقدم فيه الإيمان واستنار وأصبح عقلانيا، ليبراليا، متسامحا. وبالتالي فإن الحداثة لا تعني الكفر والإلحاد بالضرورة كما يتوهم بعضهم، وإنما تعني الفهم الجديد للدين: أي الفهم المستنير القائم على البصر والبصيرة لا على الجهل والتسليم والتواكل والتخلف.

هكذا انتقلت أوروبا من إيمان القرون الوسطى إلى إيمان العصور الحديثة: أي من الإيمان الطائفي والمذهبي الضيق إلى الإيمان المتسامح، الحر، الواسع الذي يشمل جميع خلق الله ولا يستبعد أحدا من جنته بشرط أن يكون إنسانا صالحا، مستقيما، نزيها، محبا للخير العام وكأنه خيره الشخصي.على هذا النحو استطاع فريديريك شيلرماشير أن يفتح للشعب الألماني آفاقا واسعة وينتقل به من حالة الاقتتال المذهبي والطائفي إلى حالة الوحدة القومية والروحية والفلسفية.

* الكتاب: دليل كامبردج إلى فكر فريديريك شليرماشير

* الناشر:مطبوعات جامعة كامبردج 2006

* الصفحات: 348 صفحة من القطع الكبير

The Cambridge companion

to Friedrich Schleirmacher

Jacqueline Marina

Cambridge University Press 2006

P.348