هذه المقابلة أجرتها مارلين سنيل، المحررة الأدبية لمجلة «ماذر جونز» الأميركية مع الكاتبة الكندية مارغريت أتوود بمناسبة صدور مجموعتها القصصية الجديدة بعنوان «الخيمة» الصادرة عن دار دوبلداي النيويوركية، حيث تلقي أتوود الضوء على جوانب شتى من عالمها الإبداعي، وتتناول مجموعة من القضايا التي طالما أثارت جدلاً محتدماً بين النقاد حول إبداعها.

وفيما يلي نص المقابلة: لو أن مارغريت أتوود، التي لا يتجاوز طولها خمسة أقدام وثلاث بوصات وقفت فوق كتبها التي تضم أعمال القص، التأريخ الاجتماعي، النقد وكتب الأطفال، التي أنجزتها طوال الأعوام الثلاثين الأخيرة، لبدت عملاقة بالمعنى الحرفي للكلمة.

اشتهرت أتوود بصفة خاصة بحسها المرح ولسانها اللاذع، وهو ما دفع بعض النقاد إلى أن يطلقوا عليها ألقاباً دالة، مثل «ميدوزا»، «الدوقة المسلية» و«ماتا هاري الهادئة».

وامتشقت أتوود التي تجاوزت منتصف العقد السادس من عمرها قلمها وصوتها الذي لا يكف عن الانطلاق عالياً في غمار العديد من القضايا، فهي الرئيسة السابقة للفرع الكندي لنادي القلم، ويذكر لها الكثيرون احتجاجها على تحويل تورنتو التي تقيم بها إلى مدينة سوبر عملاقة تزداد الحياة فيها خنقاً لساكنيها، وقد انعكست أصداء من نزعتها الحركية في مجموعتها الصادرة مؤخراً بعنوان »الخيمة« وإن كان ذلك بشكل مراوغ وبعيد عن المباشرة.

* كيف ألهم نزوعك للحركة السياسية العملية الإبداعية كما تعيشينها؟

ـ ليست لديّ أي فكرة عن ذلك، فالناس الذين يتحدثون عن الحياة السياسية يبدأون حديثهم من الخلف، ويظنون طوال الوقت أن لديك أجندة سياسية خاصة بك، وان أي كلمة أو حركة لك هي انعكاس لهذه الأجندة، بينما الأمر هو على العكس من ذلك تماماً، فالمرء يتحرك من خلال ملاحظة بسيطة، من خلال تأمل الأمور، وهذا هو ما يسمى عادة بالبصيرة، وانطلاقاً منها تأتي رؤيتك للأمور وللمواقف، وليس أن لديك رؤية أولاً ثم تقوم بتشكيل كل شيء كي يتفق مع هذه الرؤية. إنني أتحدث عن البقاء بعيداً عن سرير بروكوست. والأسطورة معروفة للجميع، فالكل مضطر لتحقيق المواءمة مع سرير بروكوست، وإذا لم يحدث ذلك، فإما أن يتم تمديدهم أو بتر أقدامهم، وأنا لست مهتمة بقطع أقدام شخصياتي أو تمديدها لجعلها تتوافق مع رؤية سياسية معينة.

* إذاً هل تتواصل ذاتك السياسية وذاتك الإبداعية على الإطلاق؟

ـ إنك ككاتب وفنان يظل ولاؤك الأول لفنك وإبداعك مهما كانت الظروف والأجواء. وما لم يكن الأمر كذلك فإنك لن تكون كاتباً ولا مبدعاً حقيقياً. ولست أقصد القول إن الذاتين لا تتداخلان أبداً، فأنت تتعلم الأشياء في أحد المجالين ثم تجلبها إلى المجال الآخر. ولكن إلقاء خطاب مناهض للعنصرية ليس شيئاً مماثلاً لتأليف رواية.

فالهدف هو خوض النضال ضد العنصرية، حيث إن لديك من الأسباب ما يدعوك لمعارضتها. ولكنك عندما تكتب رواية فإنك لا تريد أن يخرج القارئ منها بالرد بنعم أو لا على سؤال ما، ذلك أن الحياة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، فالواقع ببساطة يتألف من وجهات نظر مختلفة.

وعندما كنت في مقتبل العمر، كنت أعتقد أن عبارة «غير روائي» تعني «حقيقي» أو «واقعي»، ولكنك تقرأ تأريخاً لأحداث بعينها كتب منذ عقود وتأريخاً آخر كتب في عام 1995 مثلاً، فتجدهما مختلفين تمام الاختلاف، قد لا تكون هناك حقيقة واحدة، وقد تكون هناك حقائق عدة، ولكن قول ذلك لا يعني القول إن الواقع ليس موجوداً.

* لكن هل هناك حقائق مراوغة تستكشفين آفاقها في أعمالك؟ غالباً ما تساءل البعض عما إذا كانت اليسار يبدو خائفاً من الحديث عن الحقائق التجاوزية، عن القيم والأخلاقيات المتضمنة في أصغر التعاملات بين البشر.

ـ ربما لم أكن منتمية إلى اليسار بالطريقة التي تفهمينها أنت.

* كيف تعرِّفين نفسك إذاً؟

ـ إنني محافظة حمراء، ولكي تلمين بأبعاد هذا التصنيف عليك بالرجوع إلى القرن التاسع عشر، حيث كان من يندرجون تحت هذه الفئة يعتقدون أن من هم في سدة السلطة تقع على كاهلهم مسؤولية حيال المجتمع، وأن اضطلاعهم بهذه المسؤولية هو المعيار الذي ينبغي أن تقاس به كل الأمور.

* في جانب كبير من كتاباتك تقومين باستكشاف آفاق من لا أريد أن أصفه بالضحية، فهو ليس بضحية «بعد»، ومعظم المنتمين إلى هذه الفئة هم من النساء.

ـ أتعرفين لماذا؟ ما لم يكن هناك شيء خاطئ على نحو كارثي، فإن الآخرين ليسوا هم من تكتبين عنهم. دعيني أحكي لك حكاية. عندما كانت ابنتي صغيرة في السن قررت وصديقة لها أن تكتبا مسرحية، وتستهل هذه المسرحية بشخصيتين تتناولان طعام الإفطار، حيث شربتا عصير البرتقال، وصبتا الحليب على رقائق الحبوب، وشربتا بعض الشاي وبعض القهوة ووضعتا بعض المربى على شرائح الخبز المحمص. وأخيراً قلنا لهما:

هل هناك أي شيء سيحدث في هذه المسرحية بخلاف تناول طعام الإفطار؟ فقالتا: لا. فقلنا: حسناً ليست هناك مسرحية. هذا هو الدرس رقم واحد في السرد، فلابد أن يحدث شيء. يمكن أن يحدث هذا الشيء لأناس طيبين، حيث يتعرض شخص لطيف لكارثة، إذ يقضم قرش طرفاً من أطراف، أو يسحقه زلزال، أو يتهاوى سقف الدار عليه.

أو قد يحدث أن أناساً ذوي شخصيات سطحية يتورطون في متاعب أو يحدثون هم أنفسهم المتاعب. ولست أتصور أن أحداً يرغب في قراءة رواية بها أناس على جانب كبير من اللطف ويقومون بأشياء طيبة. وأشير في هذا الصدد إلى كتاب بعنوان «تاريخ سير تشارلز جرانديسون»، فهو يتواصل على هذا النحو طويلاً، وأنا أعتقد أنني الإنسانة الوحيدة التي نجحت في قراءة هذا الكتاب حتى نهايته.

* لست أدافع عن الرواية المضجرة بصورة ساحقة، وإنما كان سؤالي يدور حول الضحايا. هل يعني هذا أن كل كتبك تحتاج إلى ضحايا من النساء؟

ـ دعينا نغير ما نتحدث عنه هنا من كون المرء ضحية إلى أناس موجودين في ظروف تلقى ضغطاً هائلاً عليهم، وهما ليس بالشيء نفسه.إن بعض الناس يقولون لي إن شخصية مثل جريس ماركس هي ضحية، وأنا أقول في معرض التعقيب على هذا: مهلاً لحظة! ماذا عن نانسي وتوماس؟ إنهما هما اللذان ينتهي بهما الأمر إلى أن يلقيا مصرعهما في قبو. والأمر في نهاية المطاف ليس في بساطة القول: «إن هؤلاء الناس ها هم دائماً المعتدون، وهؤلاء الناس هنا هم دوماً الضحايا».

* إنك تحولين الضحية التقليدية إلى شخصية متربصة بغيرها على نحو يبعث الرعدة في الأطراف في العديد من أعمالك وتنفين بقوة التصور القائل إن الفتيات هن سكر وبهارات وان كل شيء بهن ومعهن هو على ما يرام تماماً.

ـ بالطبع، لم يكن يفترض بي أن أقول ذلك، وأن أشير إلى أن الانتماء إلى عالم الأنوثة أمر بالغ القوة، وأن النسوة يساير بعضهن البعض الآخر، فذلك ليس صحيحاً في حالة النسوة بأكثر مما هو صحيح في حالة الرجال.

إن النساء كائنات بشرية، والبشر شديدو التباين والاختلاف. ولقد كنت على الدوام ضد القول إن النساء ملائكة فيكتورية، وإنه ليس بمقدورهن اقتراف ما هو خطأ.

محطات في مسيرة أتوود

* ولدت الكاتبة مارغريت أتوود في 18 نوفمبر 1939 في أوتاوا بأونتاريو في كندا.

* حصلت على ليسانس الآداب من فيكتوريا كوليج بجامعة تورنتو في 1961 وعلى درجة الماجستير من رادكليف كوليج بجامة كامبردج في 1962، ودرست بجامعة هارفرد في عامي 1962 ـ 1963، وعادت للدراسة مجدداً في جامعة كامبردج خلال السنوات من 1965 إلى 1967 .

* عملت محاضرة في اللغة الانجليزية وآدابها في جامعة بريتش كولومبيا بمدينة فانكوفر في عامي 1964 ـ 1965 .

* عملت مدرسة للغة الانجليزية في جامعة سير جورج وليامز في مونتريال خلال عامي 1967 ـ 1968 .

* عملت بالتدريس في جامعة البرتا خلال عامي 1969 ـ 1970 في منصب أستاذ مساعد.

* عملت استاذة مساعدة في جامعة يورك بتورنتو في عامي 1971 ـ 1972 .

* عملت كاتبة مقيمة في جامعة تورنتو في عامي 1972 ـ 1973 .

* شغلت كرسي إم.إف.إيه. في جامعة الاباما في توسكالوزا في الاباما عام 1985

* شغلت كرسي بيرج في جامعة نيويورك عام 1986 .

* عملت كاتبة مقيمة في جامعة ماكوري باستراليا عام 1987 .

* عملت كاتبة مقيمة في جامعة ترينتي في سان انطونيو بتكساس عام 1989 .

* تولت رئاسة اتحاد الكتاب الكندي في الفترة من 1981 إلى 1982

* تولت رئاسة الفرع الكندي من اتحاد الكتاب العالمي في الفترة من 1984 إلى 1986 .

* تفرغت للكتابة بصورة كاملة طوال العقدين الماضيين.

منى مدكور