مؤلف كتاب «الأخبار الموفقيات» هو الزبير بن بكار الذي عاش في القرن الثالث الهجري ـ أي في العصر العباسي، الذي كان أكثر العصور العربية الإسلامية اهتماماً بالثقافة وبالفكر، وفيه تفتحت الثقافة العربية وتمازجت مع الثقافات الأخرى، من خلال الازدهار الذي ساد ذلك العصر، والذي شمل جوانب الحياة كافة، وعلى رأسها الجانب الثقافي، الذي تميز بتشجيع الخلفاء العباسيين للعلماء وتكريمهم.

وكان مؤلفنا الزبير بن بكار واحداً منهم، فقد أبدع، وأتحفنا بمؤلفاته التي رفدت المكتبة العربية بأهم ما وصلنا من كتب الأنساب والتراجم والتاريخ، وأجمع أصحاب كتب التراجم، الذين ذكروا «الزبير» بأنه أعلم الناس بنسب قريش، واقترن اسمه بنسب قريش، وذكر «ابن النديم» في كتابه «الفهرست» عدداً من كتب الزبير بن بكار، كان من أهمها:

كتاب الموفقيات، كتاب النحل، كتاب أخبار العرب وأيامها، نسب قريش وأخبارها، أخبار المجون، أخبار المدينة، وكانت وفاته سنة ست وخمسين ومئتين، وبلغ من السن أربعاً وثمانين سنة.

ويعد كتاب «الموفقيات» من أهم كتب التراث العربي في القصص والأخبار، فقد تألق المؤلف في طريقة سرده للروايات، وفي أسلوب اختيار الحكايات الهادفة، التي تحمل في مضمونها العبرة والفائدة للمطلع عليها، اذا ما حاول الاستفادة منها ومن تجارب أشخاصها، وفي معرفة أخبار من سبقونا في الحياة، وأخبار الأقدمين وتتبع أحوالهم ولاسيما وان العرب لم يكن يشغلهم سوى أخبار الفتوحات في فترة من الفترات،

وعندما نقلها كثير من المؤرخين ودونوها، راح بعضهم يبحث عن فنون جديدة في الكتابة والتأليف، ونقل صور حية من الماضي، لتكون لهم عوناً على ملء أوقات فراغهم في ندواتهم وسهرهم وسمرهم في التمتع بأخبار العرب وطرائفهم والمدقق في كتاب «الأخبار الموفقيات»، يجد ان شخصيات أخباره لم تكن مقتصرة على فئة معينة من الناس، بل تعدى ذلك الى نقل كل ما هو مفيد في مجالات الحياة كافة، فقد تحدث عن الأمراء والحكام، كما تحدث عن الشعراء، وعن أناس نجحوا في مختلف نواحي الحياة في عصر المؤلف، وما كان قبله، في عصر الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وفي عصور ما قبل الإسلام.

وتميز الزبير بن بكار في اختيار الأخبار الصحيحة التي رواها عن رواة ثقات، وأشخاص عرفوا بالنزاهة وصحة النسب، وان كان بعض هذه الروايات طويلا، وبعضها الآخر قصيراً لا يتجاوز عدة أسطر.

وبما ان العصر الذي عاش فيه الزبير عصر علم وثقافة، فقد حظي مؤلفنا بتكريم الخلفاء، ومنهم «المتوكل» فقد رعاه وعينه قاضياً على مكة المكرمة، وأعطاه الهدايا، وطلب منه القدوم الى بغداد ولشدة إعجابه بعلمه وتقديراً من الخليفة لمنزلة الزبير فقد كلفه برعاية ابنه «الموفق» ولذلك سمي الكتاب باسم «الأخبار الموفقيات»، وفاء منه للخليفة المتوكل وولده الموفق،

حيث جاء الكتاب جامعاً شاملاً لأخبار العرب السياسية والعلمية والدينية والأدبية، وعند غيرهم من الشعوب فمن أخباره: حدثني الزبير قال: حدثني المدائني قال: لما فرغ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ من دفن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قام علي على القبر وأنشأ يقول:

لكل اجتماع من خليلين فرقة

وكل الذي دون الممات قليل

وان افتقادي واحداً بعد واحد

دليل على ان لايدوم خليل

ومن أخباره: كتب يزيد بن معاوية الى أهل المدينة:

أما بعد، فإني قد حملتكم على رأسي، ثم على عيني، ثم على فمي، ثم على صدري، والله لئن وضعتكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة أقل منها عدوكم واترككم أحاديث تنسخ مع أحاديث عاد وثمود، ثم تمثل هذا الشعر:

أظن الحلم دل عليّ قومي

وقد يستهجن الرجل الحليم

ومارست الرجال ومارسوني

فمعوج عليّ ومستقيم

ولكني ألاقي منكرات

فأنكرها وما أنا بالظلوم

والله ما أدري يأتيني بعد كتابي هذا إلا خلعكم، ولا يأتينكم مني إلا نقمتكم، فإذا شئتم فلا أفلح من ندم.