«بركة مياه وسط البيت حولها مجموعة من النساء العاريات المتكئات على الوسائد وهن يدخن النارجيلات، مكتنزات، بيضاوات، وفي مكان ما بعض الخادمات، سمراوات بملامح جذابة، يتضح أنهن أقل شأناً من المدخنات».

لا يخلو محل أثاث في أصقاع أوروبا من هذه اللوحات النمطية التي حملت فكرة استشراقية جنسية عن المنطقة وعن عالم الحريم حسب المخيلة الاستعمارية التي أنتجت هذا النوع من المخيلة المتلصصة التي ترى في الشرق، التركي (حسب رؤية الغرب) عالماً مليئاً بالملذات، حيث تتفنن المخيلة في تصويره وإضافة إليه توابل من العري والشهوة ما قد يجانب الواقع.

لقد اعترف ناشر صحيفة بريطانية مطلع القرن بأنه حريص على خدمة التصورات المسبقة للقراء أكثر مما هو حريص على إعلامهم بحقيقة ما يجري.

وكانت اعترافات تي.إي لورنس (لورنس العرب) في كتابه «أعمدة الحكمة السبعة» تأكيداً لتلك الصورة النمطية الشيقة التي اخترعها الغرب الاستعماري، ليس بوصفه مستعمراً فحسب بل بوصفه متفوقاً في الرؤية المستقبلية فهو قوي، أشقر، جميل، ذكي، متحضر لديه من الأوصاف ما يكفل ان يكون منتجاً فذاً لمفهوم الشرق بشكل جنسي، نمطي، مرغوب هو أقل شأناً من الغرب الطبيعي ناقل الحضارة وحامل المستقبل إلى شعوب غارقة في ملذاتها.

رؤية الغرب لهذا الجزء من العالم بهذه الطريقة هو شدة الخصوصية وارتفاع الأحجبة بين الذكورة والأنوثة، طيلة عهود من الفصل بين الجنسين. الأمر الذي غذى مخيلة الاستشراق بتلك الصورة التلصصية التي أنتجت أدباً وفناً مليئاً بالحسيات الشهوانية (فلوبير، غي دو موباسان، دولاكروا، مونيه) ومن ثم تحول ذلك الخيال إلى صورة نمطية سار عليها من جاء بعدهم، ودخلت تاريخ الغرب باعتبارها الصيغة المتوفرة فقط.

ما نقله الغرب من صورة استشراقية جنسية لم يكن واقعيا، لأن المقصود من تلك الصورة هو تمايز الأوروبي عن الشعوب الأخرى في الدين واللون والعادات، وبالتالي يتم تصوير الآخرين بما هو غرائبي وشبقي وشاذ.

وعندما يكون تعريف العالم ( غير الأوروبي) بهذه الأوصاف الغرائبية، فإن عنان المخيلة يتسع لإلصاق الدونيات بمن هم ليسوا أوروبيين، ولهذا الأمر يمكن إدراج المفهوم البرجوازي للطبقات، فهم أغنياء والآخرون فقراء، ولعلها صفقة دامغة لإيجاد عامل مسلٍ، القصد منه رفع شأن الأنا الاستعمارية، والحط من قدر الشعوب الأخرى، حتى ولو عن طريق الصور الجارحة التي تقدم نساء الشرق شهوانيات، عاريات، مكتنزات، ينتظرن الذكر حول بركة ماء وسط البيت.

hussain@albayan.ae