لمحة الحيرة الأولى التي تصادف القارئ لمجموعة »الخيمة« تبدأ من الغلاف الداخلي للكتاب، حيث يشير الناشر، دار دوبلداي النيويوركية، إلى أن هذا الكتاب الناحل يضم «مقالات قصصية». بغض النظر عما يعنيه هذا التصنيف الغامض والملتبس، فإن توبي ليت، المحرر الأدبي لصحيفة «التايمز»،
يبادر في قراءته لهذه المجموعة إلى القول إننا أمام 35 قصة قصيرة ستبقى طويلاً في ذاكرة القارئ وعقله ووجدانه. وانه إلى جوار القصص فإن أتوود توظف الكثير من المساحات البيضاء ومن رسومها لتضفي المزيد من الدفء والحميمية والثراء على هذا العمل.
ولا يتردد توبي ليت في مقاله في الإشارة إلى ان الكتاب في جوهره هو سيرة ذاتية مفرغة في إهاب الحكايات الخرافية، حيث يلتقي القارئ عبر صفحات الكتاب مع جدة من عالم الحكايات الخرافية، وهي تعترف بحياة قائمة على الفانتازيا كساحرة شريرة. وعلى الرغم من أن قصص المجموعة تأخذ العديد من الأشكال، ابتداء من الاستعارة التي تمتد طويلاً وصولاً إلى الطرفة الموجزة ومروراً بالقصائد، فإنها جميعها ترتبط بحياة مارغريت أتوود وآرائها.
دعنا نبادر، على سبيل المثال، إلى الإشارة إلى قصة فاتنة في المجموعة بعنوان «الصوت»، حيث نقرأ فيها ما يلي: «لسوف نشهد مناسبة متألقة، أنت وأنا، مكبلين معاً كما هي الحال دائماً. لسوف ارتدي ثوبي المفضل، وقلادته المفضلة، وسألف حوله الفراء لحماية نفسي من اللفحات الباردة. ثم نمضي إلى هناك متألقين كالثلج، وصوتي ملتصق بزوري كأنه شبح خفي».
وفي موضع سابق من المجموعة تقول أتوود عن صوتها إنه بدأ في التداعي». وفي قصة بعنوان «الزجاجة» تتحدث خروجا من زجاجة، واصفة نفسها بأنها: «صوت خافت»، كأنه حفيف النسيم في حقل من الذرة أو وريقات في كهف. وهذه الفقرة يهيمن عليها «الصوت المجفف» الذي حدثنا عنه تي. إس. إليوت في قصيدته «الرجال الجوف».
أياً كانت الخلفية التي سيتسلح بها القارئ لمجموعة «الخيمة»، فإنها أبعد ما تكون عن ورقة انتحار أدبي، ذلك أن جمل أتوود وعباراتها تفيض بحيوية وتدفق يفوقان كتابات من هم في العشرين من العمر.
غير أن القارئ، في كل الأحوال، لا بد له من التوقف طويلاً عند الجملة الختامية للمجموعة، حيث نقرأ ما يلي: «تقبل الريح. فيرتجف ضوء شمعتك، وتشتعل النار في طرف الخيمة، ومن خلال الهوة ذات الأطراف السوداء الآخذة في الاتساع يمكنك أن ترى عيون الناجين، حمراء، متألقة في النور النابع من مأواك الورقي المحترق، ولكنك تواصل الكتابة على أي حال، لأنه ماذا عساك تفعل غير ذلك؟».
وحيوية أتوود لا تكف عن التدفق على امتداد الكتاب، فعلى سبيل المثال سنجد أن حساسياتها النسوية تتألق من خلال النثر القريب من القصيدة من خلال مصافحة عيوننا لقصتها التي تحمل عنوان «أعيد إليّ أمي: مناشدة»، حيث نجد طفلاً ناكراً للجميل يتحدث عما اعتادت أمه أن تبدو عليه، فهناك شعرها الأحمر المتألق، وهي دائماً لديها وجبة طيبة جاهزة، وهي في النهاية تستسلم لليأس، وتصبح ضحية أخرى من ضحايا حلم الضواحي الأميركية.
وتتوقف طويلاً عندما يقوله هذا الابن عن أمه، فهو يقول عبر نثر غريب ولاهث حقاً: «أمي التي تركها زوجها من أجل سكرتيرته، أمي التي عكفت على الشراب في عزلة، أمي التي مضوا بها بعيداً وأودعوها وراء القضبان، لأنها ذات يوم شرعت في الصراخ وأبت أن تكف».
وتعيد قصة أخرى بعنوان «سالومي كانت راقصة» أصداء أعمال أقدم عهداً لأتوود مثل «امرأة يمكن أن تؤكل»، حيث تروي قصة حبيبة فاتنة الجمال تدفع الرجال إلى الجنون. ويحكي لنا الراوية، وهو زميل سالومي في الصف الدراسي كيف تغوي سالومي أستاذ الدراسات الدينية لكي تحصل على درجة أفضل مما تستحق.
وعندما يفتضح الأمر، تزعم سالومي أن المدرس الشاب قد انقض عليها، ويذهب هذا الأخير إلى القول إنه تعرض للاستغلال من جانب سالومي وأبيها القوي، وهكذا يتم طرد المدرس الشاب، ويشاهد فيما بعد وهو يمضي هائماً على وجهه في أحد الأنفاق. على الرغم من أن الكثير من الكتاب والنقاد لم يترددوا، كما رأينا، في الإشادة ب«الخيمة»، إلا أن ذلك لم يمنع كاتباً مثل جون بيرنز في موقع «ستريت» الأدبي المتخصص من أن يفتح عليها النار بطريقة ربما تبدو للبعض استفزازية إلى حد كبير.
يقول جون بيرنز: «إن هذه الاسكتشات تبدو بمثابة أصوات تتناهى إلينا مقبلة من الجانب الآخر للغياب، الصمت والدمار»، وهو لا يتردد في القول: «يالمارغريت أتوود المسكينة! إن لعنة العمر تحل بنا جميعاً ومعها التقلص وانحسار الصوت. وأتوود نفسها تتوقع خسوفها في مجموعة (الخيمة) وهي مجموعة من المقالات القصيرة وأعمال القص والخيالات الساخرة من الذات تدور حول تجربه التحلل، وتحلل التجربة».
وهو ليس وحده الذي يمضي إلى حد القسوة في تناول «الخيمة»، وإنما هناك أيضاً، إيفون زيب التي تكتب في صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور»، قائلة إن «أتوود في هذه المرحلة من مسيرتها تحظى بالتقدير البالغ إلى حد أنها يمكن أن تكتب قائمة تسوق فيأتي أحدهم ليمنحها جائزة عنها. وان القليل من القطع التي يتضمنها الكتاب هو حقاً الذي يوحي بأن أتوود قد استثمرت الكثير من الجهد أو الوقت في إبداعها، فهي تبدو للقارئ كما لو كانت خربشات كتبت على وجه السرعة في كراسة مذكرات شخصية مع غياب أي إلهام شخصي فيها».
أياً كان الأمر، وسواء أحب القارئ مجموعة «الخيمة» أم لم يتحمس لها كثيراً، فمن المؤكد أنها خيمة تستحق منا أن ندلف إليها، وأن نحتمي منها بالخواء الإبداعي الذي أصبح اليوم يعوي من حولنا كالريح أو كالنابحين في ظلمة الأيام.
* الكتاب: الخيمة
* الناشر:دوبلداي ـ نيويورك 2006
* الصفحات: 176 صفحة من القطع المتوسط
The Tent
Margaret Atwood
Doubleday - N.Y 2006
p. 176
