مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة والصحفية الأميركية المخضرمة: مارفاين هاو. ومعلوم أنها شغلت منصب مراسلة «نيويورك تايمز» في المغرب وإفريقيا الشمالية لسنوات طويلة. بل إنها تعرف هذه البلاد منذ الخمسينات وكانت قد نشرت كتابا سابقا عن المغرب في عهد محمد الخامس والحسن الثاني على وجه الخصوص.
وها هي تنشر كتابا ثانيا مهما عن الموضوع نفسه. وهو حصيلة عدة سنوات من الإقامة في المغرب وإجراء البحوث الميدانية على أرض الواقع في ظل الملك محمد السادس. ومارفاين هاو تعتبر أكبر خبيرة في شؤون المغرب من قبل مراكز البحوث في واشنطن وكذلك من قبل الأوساط الدبلوماسية والسياسية. فمعرفتها بالبلاد قديمة، كما قلنا، وتتجاوز نصف القرن.
كما انها اشتغلت كمراسلة لأهم جريدة أميركية في الشرق الأوسط وتركيا. وبالتالي فهي خبيرة بشؤون العالم العربي والإسلامي بمغربه ومشرقه.
وفي هذا الكتاب تقدم المؤلفة لمحة تاريخية عامة عن المغرب الأقصى وعن السلالة العلوية التي لا تزال تحكمه منذ حوالي الثلاثة قرون ونصف. كما وتتحدث عن جغرافيته المتنوعة من سهول وجبال، وبحار ووديان، وصحاري وقفار، وتبدي إعجابها بجمال هذا البلد الساحر الذي جمع كل المتناقضات وكل المناخات والأجواء.فالجنوب شيء والشمال شيء آخر مختلف تماما. وقل الأمر ذاته عن التناقض الكائن بين القمم العالية لجبال أطلس حيث لا تذوب الثلوج عنها في الصيف، وبين سخونة الصحراء القاسية.
ثم تردف المؤلفة قائلة: وهل هناك أجمل وأكثر سحرا من المدن الإمبراطورية: أي مراكش، فاس، مكناس، الرباط؟ كل سياح العالم يتراكضون إلى مراكش لكي يعيشوا لحظات خارقة في جامع الفنا: أي تلك الساحة التي تمتلئ بالبشر والسحر ليلا والتي لا مثيل لها في كل أنحاء العالم.
وكل الناس يريدون أن يمشوا في الأزقة الضيقة لمدينة فاس العتيقة التي تعيش خارج الزمن. إنها تمثل القرون الوسطى مجسّدة بشكل حي. ولذلك فإن الأوروبي الهارب من جحيم الحداثة يلقي بنفسه في أحضانها لكي يستريح، لكي يستذكر الماضي البعيد الذي انقرض من بلاده بل وحتى من ذاكرته. لا يوجد مكان آخر يمكن أن يعيده ألف سنة إلى الوراء إلا فاس القديمة التي تحولت الآن إلى متحف كلها بعد أن أعلنت اليونسكو أنها أصبحت ميراثا للبشرية وتحفة من التحف.
ثم تتحدث المؤلفة مطولا عن الخمسين سنة الماضية من عمر المغرب: أي فترة الاستقلال كلها. وهي الفترة التي تعاقب عليها ثلاثة ملوك: محمد الخامس، الحسن الثاني، محمد السادس. والأول هو أب الاستقلال وبطله غير المنازع. ومعلوم أن الفرنسيين نفوه إلى جزيرة مدغشقر لكي يقضوا على التمرد الشعبي الهادف إلى الاستقلال.
ثم وضعوا مكانه سلطانا تافها من عملائهم.ولكن ذلك لم يجدهم نفعا. فقد ظل الشعب متعلقا بالسلطان محمد بن يوسف الذي يمثل الشرعية الكبرى في البلاد، وظل يطالب بعودته حتى عاد مظفرا مكرما ونالت البلاد استقلالها بفضله وفضل نضال حزب الاستقلال وعلال الفاسي وكل الشعب المغربي.
ولكن محمد الخامس الذي كان يتمتع بهيبة وجاذبية لا تقاوم لم يدم في الحكم طويلا، فقد مات عام 1961 بعد أن تجاوز الخمسين بالكاد وذلك في عملية جراحية بسيطة ومشبوهة. وبالتالي فلم يحكم البلاد أكثر من خمس سنوات (1956 ـ 1961). ثم حل محله ابنه الحسن الثاني الذي تعتبره المؤلفة بمثابة الباني الحقيقي للمغرب الحديث. والواقع أن قوة شخصيته وطول حكمه ساعداه على تحديث البلاد على كافة الأصعدة والمستويات: من سياسية، واجتماعية، واقتصادية، وتربوية. وقد حكم المغرب طيلة أربعين سنة تقريبا: أي من عام 1961 وحتى عام 1999.
وفي عصره حصل التعريب وتم تعميمه على كافة أنحاء البلاد بفضل فتح المدارس الابتدائية في البوادي والجبال والقفار والمدن والأحياء الشعبية. فالمغرب بلد بربري بنسبة 60%، ينبغي ألا ننسى ذلك. والملك الحسن الثاني هو الذي عرّبه دون أن يعتدي على شخصيته التاريخية العميقة بشكل فج أو مجاني. فقد حافظ على التراث البربري العريق ورعاه.
وعندما صعد الحسن الثاني إلى سدة العرش لم تكن هناك أي جامعة في المغرب ما عدا جامعة القرويين التقليدية، فراح يؤسس الجامعات الحديثة في شتى المدن الكبرى: من الرباط، إلى الدار البيضاء، إلى فاس، ومكناس، ومراكش، ووجدة، وطنجة، والقنيطرة، الخ. وحصل تطوير للبنى الاقتصادية والعمرانية والمرافق الحيوية في شتى أنحاء البلاد. ولكن عيب على نظام الملك السابق بطشه ودمويته. فقد قمع المعارضين السياسيين بشدة، واشتهرت سجونه بأنها من أقسى السجون وأكثرها رعباً وخوفاً وتعذيباً.
وقد حصلت عدة محاولات انقلابية ضده كان أهمها محاولة الصخيرات الشهيرة، حيث هجم الجيش على القصر الملكي عندما كان الحسن الثاني يحتفل بعيد ميلاده وهو محاط بمئات الشخصيات والمدعوين من كافة أنحاء العالم. وحصلت عندئذ مجزرة حقيقية نجا منها الملك بأعجوبة.ثم حصلت محاولة ثانية نظمها وزير داخليته ودفاعه الجنرال الشهير محمد أوفقير.
ولكنها فشلت أيضا ونجا منها الملك بأعجوبة أكبر أو حتى بمعجزة. فعلى الرغم من أنهم قصفوا طائرته وأصابوها في أحد أجنحتها إلا أنها استطاعت أن تحط في مطار الرباط ـ سلا سالمة!! وكانت النتيجة إعدام أوفقير والعديد من الجنرالات والشخصيات الأخرى وازدياد القمع السياسي في البلاد.
تقول المؤلفة ما معناه: على مدار ألف ومئتي سنة استطاعت السلالات المالكة التي تعاقبت على حكم المغرب أن تحافظ على وحدته وهوية الأمة. وكانت هذه السلالات هي الرمز الذي يناضل الشعب من خلالها ضد الغزاة الأجانب ومحاولات الهيمنة الخارجية. كما وناضلوا من خلالها ضد اليسار المتطرف في الستينات والسبعينات واليوم ضد الحركات الأصولية.في كل مرة كان النظام الملكي هو السد المنيع الذي يقف ضد الأخطار الخارجية أو الداخلية التي تهدد وحدة الأمة والوطن.
وترى المؤلفة التي عرفت الحسن الثاني شخصيا وتحدثت معه أكثر من مرة أنه ما كان قادرا على تشكيل أسس دولة حديثة ذات نمط غربي لولا أنه عرف كيف يستخدم إرث والده كبطل قومي للنضال ضد الاستعمار. وبالتالي فمحمد الخامس ظل يحكم المغرب حتى بعد موته من خلال ابنه الذي كان يستظل بظله ويستخدم شرعيته وهيبته الكبرى من أجل إقناع الشعب المغربي بالخطوات والإصلاحات التي يتخذها. فقد كان بحاجة إلى مشروعية والده وهيبته الكبيرة بصفته باني الأمة المغربية وبطل الاستقلال.
ولكن المؤلفة تعترف بأن العمل التاريخي للحسن الثاني كلّف الشعب المغربي غالياً. لماذا؟ لأن إنجازه تم على حساب الحقوق الأساسية للإنسان المغربي. فقد ظلم هذا الإنسان وقمع طيلة تلك الفترة. بل وتمت التضحية به وبحرياته الأساسية من أجل تشكيل الدولة الحديثة. فالحسن الثاني اشتهر كما قلنا بقوة الشخصية بل والميل إلى الاستبداد والاستفراد بالسلطة.
وقد قام بسياسة استئصالية لكل القوى التقدمية التي انتقدت سياسته أو وقفت في وجهها. وأكبر دليل على ذلك ما حصل للمناضل المغربي والأممي الكبير المهدي بن بركة. ولكن هناك آخرين عديدين غيره ممن تمت تصفيتهم في السجون أو حتى في خارج البلاد.
ولم يخفف الحسن الثاني من سياسته القمعية إلا في السنوات الأخيرة من عهده عندما ابتدأ الاتحاد الأوروبي يضغط عليه أكثر فأكثر لكي يحترم المبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان ويعامل شعبه بطريقة لائقة نسبيا.ولكن المؤلفة تلوم النظام السابق أيضا على شيء آخر ألا وهو: تعميم المحسوبية والفساد على شتى مستويات الإدارة.
وهكذا ظهرت طبقة غنية وجشعة مرتبطة بالسلطة وساد الفقر المدقع شرائح واسعة من الشعب المغربي الطيب. وربما كانت تكمن هنا أكبر مشكلة تواجه المغرب حاليا، ونقصد بها مشكلة البؤس والجوع والفقر.ولهذا السبب ازدهرت الحركات الأصولية المتشددة في السنوات الأخيرة. فالإنسان عندما يجوع ويتخلى عنه البشر يلجأ إلى الله. إنه يستعصم به لكي ينقذه من براثن شر محقق لا يستطيع له دفعاً. ولهذا السبب تقول المؤلفة بأن التحدي الأكبر الذي يواجه الملك محمد السادس خليفة الحسن الثاني على عرش المغرب هو الحركات الأصولية والفقر المدقع للشعب.
وهناك رابط بينهما. فالأصولية المتطرفة لا تزدهر إلا في البنيات الشعبية جدا، وفي مدن الصفيح البائسة المحيطة بالدار البيضاء، أو الرباط، أو فاس، أو غيرها من المدن المغربية.
والدعاة الدينيون يستغلون التفاوت الهائل بين الأغنياء والفقراء لاستنهاض الشعب وتشجيعه على التمرد ضد هذا النظام الجائر. ويتحول الدين عندئذ إلى سلاح فعال وفتاك ضد الأنظمة السياسية. وهناك أصوليون ماهرون في استخدام الدين من أجل التأثير على اللعبة السياسية أو تحريك خيوطها. وبالتالي فالحق على الدول لأنها لا تهتم بمواطنيها كما ينبغي. والواقع أن نسبة البطالة مرتفعة جدا ليس فقط في المغرب وإنما في كل البلدان العربية والإسلامية.
ولا توجد خدمات صحية لائقة ولا مرافق عامة صالحة ولا وسائل نقل مناسبة. ضمن هذه الظروف راح قادة التطرف يعبئون الأنصار ويدفعونهم للقيام بعمليات إرهابية كما حصل في الدار البيضاء يوم 16 مايو عام 2003.ثم تردف المؤلفة قائلة:والواقع أن الحركة الأصولية المغربية تنقسم إلى عدة تيارات لا تيار واحد. ففيها المعتدل كحزب العدالة والتنمية الممثل في البرلمان، وفيها المتطرف كجماعة العدل والإحسان، وفيها الأكثر تطرفا كالجماعات الجهادية والتكفيرية.
وهذه الأخيرة تكفّر الأنظمة القائمة وتعتبرها مرتدة عن الإسلام وبالتالي فيحق قلبها شرعا بل ويحق اغتيال قادتها من رؤساء وزعماء وملوك. وفي مواجهة هذا التيار المتطرف يحاول الملك محمد السادس تحبيذ ظهور تيار عقلاني مستنير داخل الحركة الإسلامية العامة كلها. وقد فتح مؤخرا قناة تلفزيونية دينية لهذا الغرض. وهي تعلم مبادئ الإسلام بطريقة معتدلة، متسامحة، لا إفراط فيها ولا تفريط. وقد اتخذ الملك محمد السادس مسافة كبيرة عن أسلوب والده في الحكم.
فاعتنى بالفقراء المدقعين من شعبه إلى درجة أنهم لقبوه بملك الفقراء، وأطلق سراح السجناء السياسيين وعزل محمد البصري وزير الداخلية السابق المشهور بالقمع واعترف بحقوق المرأة المغربية وسواها بالرجل، واعترف أيضا باللغة الأمازيغية أو البربرية، الخ. وبالتالي فالرجل إصلاحي وتحديثي لأنه ينتمي إلى جيل جديد يختلف عن جيل والده القديم وتصوراته الاستبدادية.
