مؤلف هذا الكتاب هو الروائي الفرنسي شارل دانتزيغ. وكان قد نشر سابقا روايات عدة لفتت الانتباه من بينها: حياتنا المتسرعة أو العابرة (2001)، ثم قصة حب أو فيلم حب (2003). وهو بالإضافة إلى ذلك تشبع بالأدب الفرنسي ويعرفه من الداخل معرفة جيدة. ولكن آراءه تبدو أحيانا متحيّزة أو متطرفة ضد بعض الشعراء والأدباء.
وفي هذا الكتاب الضخم الذي يحاذي الألف صفحة يقدم المؤلف صورة بانورامية عن هذا الأدب ويستعرض معظم شخصياته ومدارسه النقدية والفنية والأدبية. فهو لا يهمل أحدا تقريبا بدءًا من كبار الشعراء (فيكتور هيغو، لامارتين، الفريد موسيه، جيرار دونيرفال، بودلير، فيرلين، رامبو، لوتريامون، ابولينير، أراغون، اندريه بريتون، الخ)، إلى كبار الروائيين من أمثال:
بلزاك، فلوبير، ستندال، الخ... كما ويتحدث عن المفكرين أيضا الذين كانوا أدباء على طريقتهم الخاصة. ومن أشهرهم: فولتير، جان جاك روسو، مونتسكيو، ديدرو، جان بول سارتر.
يقول المؤلف مثلا عن أندريه بريتون ما يلي: كان مؤسس الحركة السوريالية ابن رجل شرطة كما هو معروف. ولذلك فإنه قاد حركته بطريقة عسكرية تقريبا. فمن كان يخالفه في الرأي كان يفصله فورا من جماعة السورياليين. وكان معجبا بنفسه إلى أقصى الحدود، ولا يتردد عن الاستشهاد بكتاباته وأشعاره بدلا من أن يترك هذه المهمة للآخرين.
وعندما لجأ إلى نيويورك أثناء الحرب العالمية الثانية رفض أن يتعلم الانكليزية بحجة أن ذلك يسيء إلى علاقته بلغته الأم الفرنسية. وهو من هذه الناحية يشبه رولان بارت الذي جاء بعده. ولكننا نعلم أن الأدباء والمفكرين الفرنسيين الآخرين لم يرفضوا تعلم الانكليزية. ولم يجدوا في ذلك غضاضة أو نيلا من حبهم للغة الفرنسية أو تعكيرا لصفائها كما كان يشعر بريتون.
نضرب على ذلك مثلا فولتير، وشاتوبريان، وفيكتور هيغو وسواهم عديدين. كلهم تعلموا لغة شكسبير بعد زيارتهم للندن والإقامة فيها. بل إن بعضهم لم يتردد عن الكتابة بها أحيانا. وبرهنوا بذلك على اتساع الأفق المعرفي لديهم.
يضاف إلى ذلك أن أندريه بريتون كان يدفع المال للزعران لكي يهاجموا أعداءه ويضربوهم بشكل مبرح أحيانا. فهل هذا يليق بكاتب كبير يا ترى؟ ألا يدل ذلك على عدم ثقته بنفسه من الناحية الفكرية والأدبية؟ لماذا لم يواجههم على أرضيتهم الفكرية بالذات فقط؟ لماذا لجأ إلى مثل هذه الأساليب البشعة في التعامل مع الخصوم؟ وهل يليق ذلك بكاتب؟
وكان بريتون من أعداء العقل والعقلانية بحجة أن العقل يلجم الإبداع ويقضي عليه. كان يحب السحر والشعوذات والأسرار والمجاهيل كمعظم السورياليين. لقد مجّد كل الغرائز القديمة والخارجة على المألوف. كما ومجّد الجنون والهيجانات الداخلية والقارات السحيقة لما يدعوه فرويد باللاوعي. بمعنى آخر فقد كان أندريه بريتون من أعداء ديكارت والعقلانية الفرنسية. ولكنه كان شارحا أكثر مما كان مبدعا كبيرا. هذا لا يعني بالطبع أنه لم تكن له بعض الميزات ولكن سلبياته كانت كبيرة.
أما عن جان بول سارتر فيقول المؤلف ما معناه: كان سارتر من الكتاب الذين ينشرون كل ما يكتبون. لم يكن يغربل كتاباته أو ينخلها كما يفعل فلوبير مثلا أو ربما معظم الكتاب. كان ينشر الخليط وحشو الكلام. وهنا تكمن مشكلته. لا ريب في أنه توجد لديه صفحات ذهبية رائعة ولكن وسط الركام والزؤان.
انظر مثلا إلى كتابه الضخم عن فلوبير بعنوان: أبله العائلة. لقد دبج عن صاحب قصة مدام بوفاري آلاف الصفحات، ولكنها ليست كلها مهمة. وقل الأمر ذاته عن كتابه الكبير الآخر: القديس جان جنيه. بل وحتى كتابه عن بودلير يعاني من نفس النقص على الرغم من أنه أصغر حجما. لا ريب في أن هذا الكتاب المخصص لصاحب «أزهار الشر» يبتدئ بداية رائعة. وفيه تحليل نفسي عميق لشخصية بودلير ولظروفه الاجتماعية الصعبة الناتجة عن زواج أمه المبكر وكره زوج أمه له، الخ.
ولكن سارتر يتوقف بعدئذ عند اعتبارات شكلية أقل أهمية. ثم يبتدئ يلف ويدور حول نفسه دون أن يستطيع أن يتقدم خطوة واحدة جديدة إلى الأمام.
ثم يردف المؤلف المولع بمهاجمة كبار أدباء فرنسا ومفكريها قائلا: كان سارتر يحب الشهرة وقد نال منها الشيء الكثير. ولكن لكي يحافظ على شهرته كان مضطرا لافتعال المشاكل والفضائح باستمرار على طريقته الخاصة المختلفة عن طريقة بريتون. كانت طريقته ناعمة ومهذبة أكثر. كان يرفض مثلا جائزة نوبل فيشغل الصحف العالمية بهذا الحدث لمدة أسابيع وأشهر متتالية. وكان ينشر الكتب المتطرفة أو المقالات الملتهبة لكي يجعل النقاد مشغولين به باستمرار، وكذلك وسائل الإعلام.
ولكنه كان كاتبا كبيرا من دون شك. وترجع شهرته إلى المسألة التالية: وهي أنه استطاع أن يبدع في كافة المجالات: من النقد الأدبي، إلى تأليف المسرحيات كالأيدي القذرة أو الذباب، إلى تأليف الكتب الفلسفية الضخمة كالوجود والعدم، ونقد العقل الجدلي. لم يترك مجالا إلا وكتب فيه وأبدع.
وأتاح له ذلك أن يسيطر على الساحة الثقافية الفرنسية لمدة ثلاثين أو أربعين سنة متواصلة، بل وحتى في الرواية كتب ولكن نجاحه هنا كان أقل من المسرح.أما عن بول فيرلين فيقول شارلدانتزيغ ما يلي: عندما ظهر فيرلين كنا قد نسينا النزعة الحميمة في الشعر منذ زمن طويل. كنا قد نسينا هذه العادة الجميلة. لقد كان فيرلين شاعرا عاطفيا بامتياز، وكان شعره غنائيا.
وما العيب في ذلك؟ هل أصبحت الغنائية الشجية والمطربة عاهة الشعر يا ترى؟ هل تريدون شعرا باردا لا ماء فيه ولا حياة؟ كم هو عدد قصائد الحب التي كتبها فيرلين؟ لا أحد يستطيع أن يحصيها من كثرتها.
كان فيرلين يقول: ينبغي على الشاعر أن يتمتع بخاصة أساسية: الصدق والإخلاص في شعره. وكان يضيف إلى ذلك الموسيقى والغنائية ويقول: شعر بلا موسيقى كجسد بلا حياة. ولهذا السبب لم يكتب في حياته إلا الشعر المنظوم المقفى. لم يكتب فيرلين قصيدة نثر واحدة على الرغم من أنه كان معاصرا لرامبو، ومالارميه، ولوتريامون، الخ.
أما عن رامبو فيقول مؤلف الكتاب ما معناه: لقد تشكل مجد رامبو لأسباب غير أدبية في معظمه. فالسرياليون رفعوه إلى القمة لأنه كان فوضويا، مشاكسا، مجنونا. وبول كلوديل رفعه إلى القمة لسبب معاكس: وهو أنه كان مؤمنا صوفيا كما يعتقد أو يتوهم. ورفعه الثوريون الفرنسيون إلى القمة لأنه دعا إلى خلخلة كل الحواس والعيش بشكل بوهيمي محض. كل محبي التمرد والرفض يتعلقون به ويعتبرونه شاعرا ضخما.
ولكنه في رأيي ليس شاعرا ضخما. وأنا لا ألومه على ذلك. فقد كتب الشعر بين الخامسة عشرة والعشرين. ولا أحد يستطيع أن يكون عبقريا في مثل هذه السن المبكرة. فالمهم أن تصبح عبقريا في الخمسين لا أن تكون عبقريا في الخامسة عشرة. كل الناس عباقرة في صغرهم.
ثم يردف المؤلف قائلا: لا ريب في أنه كان موهوبا، ولا ريب في أن عبقريته اشتعلت في لحظة من اللحظات. ولكنها سرعان ما انطفأت. وعبقريته تتجلى في قصائده الأخيرة التي كتبها بعد عام 1872. ولكن رامبو لم يكن يؤمن بأي شيء على الإطلاق. كان متمردا على كل شيء. ومن هذه الناحية فهو يشبه السرياليين. أو قل أن السرياليين يشبهونه لأنه جاء قبلهم.
وأما عن الاحتفال بالشعراء فيقول المؤلف ما يلي: لقد أسست فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر وظيفة شرفية أو جائزة مهمة لم تكن معروفة من قبل هي: أمير الشعراء. وكان أول من حظي بهذا اللقب هو فيرلين، ثم تلاه ملارميه على عرش الشعر، ثم ليون ديركيس، ثم بول فور، ثم جان كوكتو.
ولكن من يعرف ليون ديريكس وبول فور؟ وما هي أهميتهما الشعرية؟ في الواقع أن لقب أمير الشعراء تحول إلى مهزلة بعدئذ، ولم يعد أحد يعيره أي اهتمام. وهكذا سقط بالتقادم، أو قل حل محله شيء آخر هو: ربيع الشعر أو ربيع الشعراء. والفرنسيون يحتفلون به كل عام في فصل الربيع منذ حوالي العشرين سنة بعد أن أسس هذه العادة جاك لانغ وزير الثقافة في عهد فرانسوا ميتران. ولكن هل يحظى هذا الموعد السنوي بالاهتمام الكافي يا ترى؟
ثم يردف المؤلف قائلا: كان أفلاطون يكره الشعراء لأسباب معروفة من بينها: جهلهم بالسياسة، والطب، والعلم، والاستراتيجية. ولكن ما علاقة الشعراء بكل ذلك؟ وهل هم بحاجة إلى كل هذه العلوم لكي يصبحوا شعراء؟ ثم إن أفلاطون نفسه كان يكتب الشعر، ولكن قصائده كانت رديئة.
أليس هذا هو سبب كرهه للشعراء يا ترى؟ ألم يطردهم من جمهوريته لهذا السبب بالذات؟ لحسن الحظ فإن الإمبراطور الروماني دوميتيان رد على أفلاطون عن طريق طرد الفلاسفة من إمبراطوريته وليس الشعراء. ولكن الشخص الذي رد على أفلاطون بكل ذكاء حتى أفحمه لم يكن غير تلميذه العظيم: أرسطو. فقد كتب يقول في كتابه عن فن الشعر هذه العبارة الرائعة: الشعر أكثر فلسفة من التاريخ وأكثر عمقا وعلوا. لماذا؟ لأن الشعر يهتم بالكليات في حين أن علم التاريخ يهتم بالجزئيات.
يضاف إلى ذلك أن المؤرخ يروي لنا قصة ما وقع من أحداث، أما الشاعر فيروي لنا قصة ما يمكن أن يقع من أحداث. إنه يتنبأ بالمستقبل. وبالتالي فهو أجل شأنا من المؤرخ وأرفع مرتبة. وأما سارتر فيعطي أعظم تعريف للشعر والشاعر إذ يقول: في الشعر من يخسر يربح. والشاعر الحقيقي هو ذلك الذي اختار أن يخسر حتى الموت لكي يربح!
*الكتاب: قاموس أناني للأدب الفرنسي
* الناشر: غراسيه ـ باريس 2006
*الصفحات: 968 صفحة من القطع الكبير
Dictionnaire égoïste de la littérature française
Charles Dantzig
Grasset - Paris 2006
P. 869

