مؤلف هذا الكتاب الدكتور أحمد زياد محبك أستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة حلب، من مواليد العام 1949 م، من مؤلفاته : «من الحكاية الشعبية»، و«حركة التأليف المسرحي في سوريا» والمسرحية التاريخية في المسرح العربي المعاصر» و« دراسات في المسرحية العربية»، و«دروب الشعر العربي الحديث» و«قصائد مقارنة» و«دراسات نقدية من الأسطورة إلى القصة القصيرة»،
إلى جانب عدد من الروايات والمجموعات القصصية. يشتمل كتابه الجديد على مقدمة وقسمين، يضم الأول منهما مجموعة دراسات عن الحكاية الشعبية، أما الثاني فيضم دراسات عن أنواع عدة من التراث الشعبي مثل خيال الظل، والعلاج الخرافي، وعادات تربية الأطفال، وأغنيات ترقيص الأطفال.
يشير المؤلف في المقدمة إلى أن التراث الشعبي إبداع عفوي أصيل، يحمل ملامح الشعب، ويحفظ سماته، ويؤكد عراقته، ويعبر عن همومه اليومية، ومعاناة أفراده، على مختلف مستوياتهم، وهو صورة لروحهم العامة، وشعورهم المشترك.
وقد عنيت أكثر شعوب العالم بتراثها الشعبي، وحفظته وسجلته، وأقامت عليه دراسات متطورة، بينما ما زال هذا التراث عرضة للإهمال عند العرب، وإلى أن يدركوا قيمته فإن كثيراً من جوانبه ستكون قد ضاعت، لأن الحياة المعاصرة أخذت تقلل من دور هذا التراث وتقضي على جوانب منه، وتطرح جوانب بديلة.
ويطمح المؤلف من وراء هذا الكتاب إلى التعريف بأشكال من التراث الشعبي والحفز إلى استقصائها والبحث عن أمثالها وجمعها، وإقامة دراسات عليها، وتحقيق المتعة والمعرفة للقراء. يتناول المؤلف في القسم الأول من الكتاب التراث الشعبي، والحكاية الشعبية، التي يدرس من خلالها علاقة الآباء بالأبناء، وفانتازيا السحر والخيال، والعجائبية، وجماليات المكان، ثم يختتم هذا القسم بنماذج من الحكايات الشعبية.
فتحت عنوان «التراث الشعبي» يشير المؤلف إلى أن القدماء اهتموا بالمرويات الشعبية وحفظوها وصنّفوا فيها، وأبرزوا قيمتها، مثلها في ذلك مثل الأدب العربي الذي يبدعه كبار الكتاب، أو الأقوال التي يقولها كبار الفلاسفة، ومن هؤلاء الذين عنوا بالمرويات الشعبية أبو عبيدة بن المثنى ( توفي 209 هـ ) والأصمعي والأصفهاني والجاحظ وأبو حيان التوحيدي وابن عبد ربه وأبو علي القالي.
ويلاحظ المؤلف نوعين في النتاج الشعبي، النوع الأول قولي مثل الحكم والأمثال والأغنيات والحكايات والألغاز والدعوات ونداءات الباعة وأسماء المحلات وما يكتب من كلمات أو جمل أو تعليقات أو أبيات على المناديل والثياب وجدران البيوت من الداخل، وعلى الأبواب وشواهد القبور، وعلى وسائط النقل، وغير ذلك.
والنوع الثاني فعليّ مثل الاحتفالات في الأعياد والمناسبات والطوارئ من زواج ووفاة وولادة، والرقص، وألعاب الأطفال، وعادات الزيارة والولائم، وأزياء الملابس وأثاث البيت وزينته وغير ذلك. ويرى أن أبرز ما يتسم به النتاج الشعبي هو عفويته وشموله، فهو موقف عفوي، يصدر فوراً من غير تخطيط ولا دراسة، ولكنه موقف أصيل يحمل الفكر والانفعال معا، ويمثّل شعورا جمعيا، وهذا يضمن له سرعة الانتشار والقبول من الجميع فإذا هو كليّ عام مشترك.
ويتوقف عند الحكاية الشعبية فيرى أنها أحدوثة يسردها راوية في جماعة من المتلقين، وهو يحفظها مشافهة عن راوية آخر، ولكنه يؤديها بلغته، غير متقيّد بألفاظ الحكاية، وإن كان يتقيّد بشخصياتها وحوادثها، ومجمل بنائها العام. ولكل حكاية اسم يستمد من عنصر بارز فيها، من الشخصيات أو الحوادث، وهي تقدم قصة ذات بداية ونهاية متكاملة وتمتاز بالتماسك وقوة الحبك والبناء، وهي تعتمد على حوادث كبيرة فاصلة، وغالبا ما تكون غريبة ونادرة.
وتقدم الحكايات أنواعا كثيرة من الشخصيات، في غنى وتنوع كبيرين، فهي تقدم الأب المغرور والأم العطوف، وزوجة الأب الظالمة، والابنة الوفية، والأخت المشفقة، والأخ الغادر، والزوجة اللعوب، والصديق الوفي، والجار الغني، والكنّة التي تكيد لحماتها، والحماة التي تبغض كنّتها. كما تقدم الملك الجائر الظلوم، والسلطان العادل الحكيم، والوزير الذكي الماكر، والنديم الوفي المخلص، وابن الملك الذي يهوى ابنة الوزير، وبنت الملك التي يهواها شحاذ فقير .
كما تقدم شخصيات غريبة مثل الغول والعفريت والمارد والجنّي وأكثرها يخدم الإنسان ويساعده. وعن علاقة الآباء بالأبناء في الحكاية الشعبية يسلّط المؤلف الضوء على الحكايات التي تبرز عظة الوالد لولده، وحثّه على المغامرة والتجريب، وتقديره الولد الذكي، وأثر التربية والأخلاق في حياة الأبناء، والحاجة إلى الولد، وعقوق الأبناء، وسفه بعض الآباء.
ثم ينتقل المؤلف إلى فانتازيا السحر والخيال في الحكاية الشعبية فيرى أن أجمل أنماط الحكايات النمط المغرق في عالم من السحر والخيال، والذي يتضمّن عجائب في الأنس والجن والحيوان والطير، وعجائب أخرى في الزمان والمكان، ويسوق مثالا على ذلك «حكاية الغزالة ».
ثم يتحدّث عن العجائبية في الحكاية الشعبية ويرى أنها نزعة إنسانية قوامها ابتكار ما هو عجيب، والعجيب هو ما يكسر المألوف، ويتجاوز الممكن ليخترق المستحيل، ويحقق ما لا يمكن تحقيقه، محدثا بذلك حالة من الدهشة، معتمدا على الابتكار الذي يقيم علاقات غير متوقّعة وغير ممكنة بين الأشياء.
والعجيب هو من نتاج خيال عفوي بسيط أقرب إلى السذاجة، ويأتي لتحقيق الخلاص عندما تنعدم كل الحيل وتنقطع كل السبل، وهو تعبير عن قهر داخلي أو حرمان وقمع، أو محض انطلاق خيالي لتحقيق المتعة الفنية، وكلما كان موغلا في اختراق المستحيل كان أكثر تأثيرا.
ويرى المؤلف أن مرجع العجائبية يعود إلى رغبات أولية غير مشبعة لدى الإنسان، فهو من خلال العجائبية يحقّق كثيرا من الرغبات المستحيلة. ومن الممكن ملاحظة عدة أنواع من العجيب، منها العجيب المبني على إرادة إلهية وفق التصور الشعبي فإذا هو أشبه بمعجزة نبي أو كرامة ولي، والحكاية غالبا ما تلمّح إلى ذلك ولا تصرّح.
ومن الحكايات العجائبية حكاية مسخ الإنسان إلى كائن آخر، وتحوّل الكلام إلى ورود أو أفاع وعقارب، وعجائب الحيوان والنبات، وعجائب المردة، وعجائب السحر والكنوز المرصودة. ويصل المؤلف إلى أن العجيب في الحكاية الشعبية تعبير عن تحول اجتماعي وحالة معيشية، وهو نابع من خيال رغبي، قوامه التعويض عن حرمان، وربما كان فيه شفاء من قهر وانعتاق من كبت، يريح النفس ويعيد إليها توازنها، وهي تتلقاه على أنه حقيقة وواقع داخل الحكاية، وأنه وهم وخيال خارجها، ولذلك تسبح النفس وراءه كأنها في حلم.
ويرى المؤلف أن للعجيب وظيفة أخرى هي إطلاق خيال الأطفال الذين يستمعون إلى الحكاية، وفتح آفاق من المعرفة الفنية والجمالية أمامهم، بالإضافة إلى تمليكهم اللغة، وتعليمهم فن السرد. أمّا عن جماليات المكان في الحكاية فيرى المؤلف أن الحكايات الشعبية تمتلك أمكنة وفضاءات غريبة، وفي كل حكاية ثمة مكان يتجاوز ذاته ليشكل عنصرا مهما في إبراز الملامح الكلية للنص، ويمكن لقصص الأطفال أن تستفيد من تلك الأمكنة بتحويرها أو استلهامها.
وفي نهاية القسم الأول من الكتاب يقدّم المؤلف نماذج من الحكايات الشعبية، منها : «الراعي والذئب» و«غرائب الأقدار» و«ابن الحرامي» و«درس في الظلم» و«كل يد فوقها يد أقوى» و«الولد الذكي والشمعة» و«المال الحلال» و«الوزير وسائس الخيل» «وشر الحاسد إذا حسد» و«الملك وصناديق الكتب».
أما في القسم الثاني من الكتاب فيتوقف المؤلف عند ألوان من التراث الشعبي مثل: «خيال الظل» و«العلاج الخرافي في الطب الشعبي» و«تقاليد تربية الأطفال» و«أغنيات ترقيص الأطفال».
فهو يرى أن «خيال الظل» فن مسرحي متكامل يقوم على إخراج قصة ذات حبكة وشخصيات فيقدمها بالتمثيل من خلال الشخوص والحوار والفعل بدلا من سردها سردا. وما يختلف به خيال الظل عن المسرح هو اعتماده الدمى بدلا من البشر أساسا في التمثيل.
أما فيما يتعلّق بأساليب العلاج الخرافي فيصنّفها المؤلف في ثلاثة أساليب هي : أساليب دوائية، وأساليب تميمية، وأساليب طقسية، وغالبا ما يتداخل بعضها في بعض.
وعن تقاليد تربية الأطفال يشير المؤلف إلى أن هناك عادات وتقاليد كثيرة كانت تمارسها الأجيال الماضية وهي تنمّ عن سذاجة في التفكير وبساطة في مواجهة المشكلات التي يمر بها الأهل مع طفلهم، ولا سيما في سنواته الأولى، وهي مواجهة تقوم على كثير من البراءة والحماسة والتفاؤل والحرص والحذر والرغبة والخوف، مما ينمّ عن موقف انفعالي في تربية الطفل.
ويمكن تصنيف هذه العادات في أربعة أنواع : نوع تطيّري، ونوع احتفالي، ونوع علاجي، ونوع تربوي. ويختتم المؤلف القسم الثاني من الكتاب بأغنيات ترقيص الأطفال، فيعرض بعض نصوصها، ويرى أنها نماذج مما كان شائعا على ألسنة الأمهات اللواتي يغنين لأطفالهن، يسلينهم، ويتسلين بهم، ويمضين معهم وقتا فيه المرح والسعادة، ينسي التعب والشقاء. ولم يبق اليوم من تلك الأغنيات إلا القليل، مما تحفظه الجدّات، وهي أغنيات كان الجدير بها أن تسجّل بصوت الأم وهي تغنيّها لما فيها من نغم، تكمن فيه قيمتها الحقيقية.
نذير جعفر
* الكتاب: من التراث الشعبي دراسة تحليلية للحكاية الشعبية
* الناشر: دار المعرفة ـ بيروت 2005
* الصفحات:276 صفحة من القطع الصغير

