مؤلفة هذا الكتاب هي الباحثة والمؤرخة الانغلوساكسونية كارولين فينكل. وهي تقدم هنا دراسة عامة شاملة عن كيفية نشوء الإمبراطورية العثمانية وصعودها إلى أوج القوة والجبروت في القرنين السادس عشر والسابع عشر ثم انحطاطها وسقوطها أخيرا بعد الحرب العالمية الأولى.

بالطبع فإن المؤلفة تتحدث عن وضع الأقاليم العربية في ظل هذه الإمبراطورية وتقول بما معناه: بعد أن انتصر السلطان سليم الأول على شاه إيران عام 1514 راح يتوجه بأنظاره نحو المناطق ذات الأغلبية العربية في سوريا ومصر على وجه الخصوص. وكان يخشى أن يحصل تحالف بين شاه إيران ومماليك مصر.

وفي ذات الوقت كان المماليك يخشون هذه الإمبراطورية الوليدة التي تحولت إلى قوة عسكرية عظمى في ظرف سنوات معدودات، وبالتالي فقد أصبحت تهدد هيمنتهم على المنطقة العربية أو بالأحرى على المشرق العربي.

ولهذا السبب أرسل المماليك حملة عسكرية إلى سوريا دعما لإسماعيل شاه إيران. وعندئذ أصبحت المواجهة محتومة بين الأتراك والمماليك. وقد دارت في منطقة تدعى مرج دابق بالقرب من حلب، وأدت إلى انتصار السلطان العثماني عليهم وهزيمتهم هزيمة منكرة أمام جحافله وجيوشه الجرارة.

ونتج عن ذلك انهيار إمبراطورية المماليك التي هيمنت على الشرق الأوسط طيلة قرنين ونصف. ولم يحتج العثمانيون بعدئذ إلا لبضع سنوات لكي يمدوا هيمنتهم على كل العالم العربي. وهكذا تم فتح سوريا وفلسطين ومصر عام 1517.

وبعدئذ ألقيت خطبة الجمعة في مساجد القاهرة باسم السلطان العثماني. وفي عام 1534 تم إخضاع الجزائر وقسنطينة وتونس إلى السلطان سليم باشا أيضا. وبالتالي فمعظم أنحاء العالم العربي أصبحت تحت الهيمنة العثمانية باستثناء المغرب الأقصى واليمن إلى حد ما. ولكنهم احتلوه لاحقا لفترة من الزمن قبل أن يجلوا عنه.وهكذا شكلت الأراضي العربية خمسيّ الأراضي الإمبراطورية التي بلغت مليونين وخمسمئة ألف كيلومتر مربع. وقد نظر العرب إلى هذه الإمبراطورية نظرة رضا وتعاطف في معظمهم لانها كانت ترفع راية الإسلام عاليا.

ولهذا السبب قبلوا بالخضوع لها بدون مقاومة تذكر إلا في العراق وتونس.

والواقع أن الإمبراطورية العثمانية وسعت من دار الإسلام عندما فتحت بلدانا كانت أوروبية ومسيحية حتى ذلك الوقت. نذكر من بينها بلغاريا، صربيا، هنغاريا، بل وحتى حدود فيينا. وبالتالي فقد أصبح العرب يفتخرون كجميع المسلمين بأمجاد إمبراطورية بني عثمان التي فرضت القانون المقدس، أي الشريعة، على بلدان كانت محكومة منذ قرون طويلة من قبل المسيحية.

وبالتالي فهذه الإمبراطورية ما كانت تبدو استعمارية أو أجنبية بالنسبة للعرب لأنها تحكم باسم الإسلام. ولم يفكر العرب في الانفصال عنها إلا بعد أن ضعفت كثيرا وانحطت وأصبحت تتبع سياسة التتريك وتهميش اللغة العربية.

وكان ذلك في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كما هو معروف. عندئذ اصطدم العرب لأول مرة بالإمبراطورية العثمانية وأرادوا الانفصال عنها وتشكيل وحدتهم اللغوية والقومية. أما في القرون الأولى للإمبراطورية فكانت العلاقات جيدة بين الأقاليم العربية وعاصمة الإمبراطورية العثمانية اسطنبول، ولم يكن أحد يفكر في الانفصال عنها أو الوقوف ضدها.

ثم تتحدث المؤلفة عن فلسطين في ذلك الزمان وتقول بما معناه: وحدها مدينة حلب كانت محكومة بشكل مباشر من قبل العاصمة المركزية اسطنبول. أما بقية المناطق العربية البعيدة عن المركز في فلسطين وسوريا الوسطى والعراق فقد حكمت من قبل زعامات محلية بل وحتى سلالات شبه مالكة كما حصل في جبل لبنان، أو دمشق، أو الموصل أو بغداد. ولكنها ظلت تابعة للإمبراطورية العثمانية التي كانت ترسل إليها أحد الباشوات للمساعدة على حكمها. وكان يمارس دوره كمندوب سام للباب العالي.

أما فلسطين فكانت مقسومة في القرن الثامن عشر إلى منطقتين إداريتين متمايزتين. المنطقة الأولى والكبرى كانت تابعة لولاية صيدا، وأما المنطقة الثانية فكانت تابعة لولاية دمشق. وقد سيطر على فلسطين آنذاك رجلان هما: ضاهر العمر، وجزار باشا.

ثم تنتقل المؤلفة بعدئذ للتحدث عن فترة التنظيمات، أي الإصلاحات التي قبل السلطان العثماني بإجرائها بعد أن اكتشف مدى تخلف الإمبراطورية بالقياس إلى أوروبا. وفترة التنظيمات محصورة بين عامي 1839-1879: أي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

ولكنها لم تستطع إيقاف تدهور الإمبراطورية العثمانية في الواقع فانهارت في نهاية المطاف. هذا لا يعني بالطبع أنه لم يكن لها أية أهمية أو دور إيجابي. فالواقع أنها أدّت عام 1876 إلى إعلان أول دستور للإمبراطورية. ومعلوم أنها كانت تحكم قبل ذلك من قبل السلطان بشكل استبدادي مطلق: أي من دون أية قواعد أو أسس دستورية مكتوبة ومعلنة.

وكان هدف التنظيمات أو الإصلاحات الرد على السؤال التالي: كيف يمكن إنقاذ الإمبراطورية من الغرق في مستنقع الانحطاط؟ كيف يمكن النهوض بها لكي تستدرك ما فات وتلحق بركب الأمم الأوروبية المتطورة كفرنسا، وانجلترا، والنمسا، الخ؟

ولكن التنظيمات فشلت في تحقيق أهدافها بسبب ظهور القوميات داخل الإمبراطورية كالقومية العربية، والقومية الطورانية التركية، والقومية البلغارية وبقية القوميات في منطقة البلقان. يضاف إلى ذلك أطماع القوى العظمى الأوروبية بأراضي الإمبراطورية العثمانية التي أصبحت تدعى بالرجل المريض. فروسيا كانت لها فيها أطماع، وكذلك النمسا، وانجلترا، وفرنسا، وجميعها كانت تريد أن تقضي عليها بشكل أو بآخر.

ثم تضيف المؤلفة قائلة: في الواقع أن التنظيمات كانت عبارة عن ثورة تحصل من فوق. فهناك مجموعة من كبار الشخصيات تقف على رأس الدولة وهي التي قررتها. ومن أهم هذه الشخصيات ينبغي أن نذكر اسم مصطفى رشيد باشا (1800-1858) الذي يعتبر بمثابة أب التنظيمات والإصلاحات. ومعلوم أنه كان سفيراً في أوروبا لفترة طويلة.

وهذا ما أتاح له أن يتعلم الفرنسية والانجليزية ويطلع على الحداثة من مختلف جوانبها. كما وتأثر بأفكار فلاسفة التنوير والثورة الفرنسية والمناهج العقلانية. وأراد أن ينقل كل ذلك إلى الإمبراطورية العثمانية التي كانت متخلفة في كل الميادين. وقد أصبح مصطفى رشيد باشا وزيرا للخارجية ثم رئيسا لمجلس الوزراء وهي أعلى مرتبة في الدولة إذا ما استثنينا السلطان نفسه.

وبالتالي فقد استطاع ان يلعب دورا سياسيا وثقافيا كبيرا في تلك الفترة. ومن بين زعماء الإصلاحات الآخرين يمكن أن نذكر محمد أمين علي باشا (1815-1871)، ومحمد فؤاد باشا (1815-1869)، ومدحت باشا (1822-1884). وجميع هؤلاء ابتدأوا حياتهم بالدراسات الدينية وانتهوا بالدراسات الفلسفية أو السياسية في أوروبا. وجميعهم تميزوا بالانفتاح على الحضارة الحديثة واشتغلوا في وزارة الخارجية إما كسفراء وإما كوزراء.

وبالتالي فمسارهم الحياتي والسياسي يشبه مسار مصطفى رشيد باشا. كلهم كانوا أبناء رجال دين أو بيئات محافظة ثم أصبحوا من دعاة التنوير والإصلاح والتقدم بعدئذ. ولكنهم جميعاً كانوا يظهرون احترامهم للقيم التقليدية لكيلا ينفر منهم الشعب أو لكيلا يتهمهم بالكفر واتباع شياطين الغرب!

ويمكن القول بأن محمد أمين علي باشا كان الأكثر تحمسا للإصلاحات بعد مصطفى رشيد باشا. ولكن لا نستطيع أن نهمل الدور الذي لعبه الآخرون وبخاصة مدحت باشا. فقد كان مسحورا بالحضارة الأوروبية وتقدمها وازدهارها. وأراد أن ينقل عدواها إلى الإمبراطورية العثمانية. وهو الذي دفع السلطان إلى تبني دستور حديث للإمبراطورية.

ومعلوم أن الحضارة الأوروبية كانت آنذاك في أوجها من كل النواحي المادية والتكنولوجية والعلمية والفلسفية. ثم تردف المؤلفة قائلة:ولكن بالإضافة إلى كبار الشخصيات من السياسيين والوزراء لا يمكن إهمال الدور الذي لعبه المثقفون في بلورة التنظيمات أو الإصلاحات العثمانية. فقد صادف أن ظهر في تلك الفترة العديد من الأدباء والمفكرين والصحافيين اللامعين. وراحوا يقلدون الغرب في كل المجالات: من المسرح، إلى القصة القصيرة، إلى الرواية، إلى المقالة الفلسفية، إلى المقالة الصحافية...

وراحوا يستخدمون كل هذه الأساليب في الكتابة من أجل نقد الطبقة الحاكمة، أو نقد مفاسد المجتمع والإدارة، ودعوة الجميع إلى تحسين الأوضاع وإصلاحها. وهنا تكمن رسالة المثقف. فهو رائد يشق للآخرين الطريق ويسبقهم إلى الاستنارة والتجديد.لقد راح هؤلاء الكتاب يشيدون بنجاح الحضارة الغربية وتفوقها، ويدعون الحكومة إلى تقليدها من أجل إخراج شعوب الإمبراطورية من حالة التخلف والجهل والانحطاط. وهكذا ساهموا في حلحلة الأمور وتحريك المستنقع الآسن للمجتمع العثماني.

والواقع أن الصحافة ابتدأت بالظهور في تلك الفترة: أي منذ عام 1840 بالضبط. وقد استغل الكتاب والمثقفون صفحاتها الواسعة للتعبير عن أفكارهم وهمومهم. ويمكن القول بأن معظم الطوائف الدينية، أو الجماعات العرقية في الإمبراطورية العثمانية كانت لها صحفها. فالأتراك كانت لهم صحفهم، والعرب صحفهم، والألبانيون صحفهم، الخ. وكانوا جميعا يعبرون عن أملهم بالتقدم والتطور واللحاق بركب الحضارة الأوروبية.

كانوا جميعا يحلمون النهضة بعد طول همود وجمود. وكانت أفكار الثورة الفرنسية هي السائدة: أي أفكار الحرية، والمساواة، والإخاء، والنزعة القومية... وكانت المخترعات الأوروبية الحديثة تبهر الجميع بطبيعة الحال.

ثم ظهر المسرح في تلك الفترة أيضا. وكان مستورداً من أوروبا بكل موضوعاته ومسرحياته وتقنياته. فقد ترجموا مسرحيات شيلر وفيكتور هيغو بالإضافة إلى مسرحيات موليير بالطبع. وهكذا راح الجمهور العثماني يتأقلم مع موضوعات الهجو الاجتماعي والمأساة البورجوازية تماماً كما حصل في أوروبا.

ثم تردف المؤلفة قائلة: ولكن الشيء الغريب هو أن الفن الأوروبي الأول والأعظم آنذاك، أي الرواية، لم يظهر في المجتمع العثماني إلا متأخرا، أي عام 1870. وهنا أيضا ابتدأت الأمور أولا عن طريق الترجمة الحرفية.

فقد ترجموا رواية البؤساء لفيكتور هيغو إلى اللغة التركية عام 1862، وترجموا روبنسون كروزو عام 1864، وترجموا بعض روايات فولتير أو مسرحياته عام 1871. وأخيرا يمكن القول ان الكاتب التركي نامق كمال (1840-1888) كان من ابرز كتاب التنظيمات والإصلاحات.

وقد نشر في الجرائد مقالات عديدة مستوحاة من الثورة الفرنسية وأفكارها عن الحرية وحقوق الإنسان.

ولكنه تعرض للملاحقة والاضطهاد من قبل الباب العالي فهاجر إلى لندن لكي يكتب بحرية. وسوف يلحق به مثقفون كثيرون بعدئذ من عرب أو أتراك.

Osman's dream

the story of the ottoman empire 1300-1923

Caroline Finkel

John Murray

London, New York 2006

p.660