يحمل بارتليمي كورمون، مؤلف هذا الكتاب، شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية، وهو باحث في المركز الفرنسي للعلاقات الدولية والاستراتيجية. المنطقة المقصودة بشرق آسيا في هذا الكتاب تعني تحديدا البلدان الخمسة التالية: الصين، تايوان، اليابان، كوريا الشمالية، كوريا الجنوبية. أي المجموعة التي يزيد عدد سكانها عن مليار ونصف نسمة وتفرض نفسها أكثر فأكثر على العالم كله باعتبارها المنطقة الأكثر دينامية على الصعيد الاقتصادي.
الفكرة الرئيسية في هذا الكتاب تتمثل في القول إن هذا الصعود الاقتصادي القوي يترافق في مختلف البلدان المعنية مع تعاظم النزعات القومية وحتى بأشكال عنيفة أحيانا. وانطلاقا من هنا تطرح أسئلة جوهرية عدة حيال المستقبل، يصيغها المؤلف كالتالي، هل يبدو استقرار هذه المنطقة من العالم مهددا أو أن هناك ما قد يكون أكثر سوءًا؟ كيف ستتطور العلاقات بين الصين وتايوان؟
وبين الكوريتين الشمالية والجنوبية؟ وبين الصين واليابان؟ ثم وفي السياق الدولي ورهاناته الاستراتيجية إلى أين ستصل المنافسة المتصاعدة بين الصين والولايات المتحدة في المنطقة وفي المحيط الهادئ عامة؟ وماذا سيكون الموقف الأوروبي؟
يبدأ المؤلف تحليلاته بالإشارة إلى أن هذه المنطقة من العالم تبدو للكثيرين وكأنها متجانسة، لكنها في الواقع ليست كذلك إذ أنها «غنية بالخصوصيات التي لا تبدو جلية للخارج ولا تبرز إلا عند وقوع أحداث كبرى». وإذا كانت بلدان المنطقة قد حققت خلال العقدين الأخيرين نموّا مشهودا فإن بعض الشروخ التي تمزقها قد برزت هي الأخرى أيضا بشكل واضح جدا.
فعلى الصعيد الاقتصادي أولا مع أزمة عام 1997 التي كبحت «المعجزة الآسيوية» إلى درجة أن البعض قد رأى بها مجرد «سراب». وعلى الصعيد الأمني، خاصة بمناسبة نشوب «الأزمتين النوويتين» الأولى خلال 1993-1994 والثانية المستمرّة عمليا منذ عام 2000. ومنطقة شرق آسيا هي أيضا، وخاصة، المنطقة التي لا تزال تتواجه فيها الإيديولوجيات مما قد يخفي أحيانا نزاعات حقيقية على خلفية الانتماءات القومية الدفينة وإنما الفاعلة.
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب في تحليلاته أنه بمقدار ما يتعاظم الدور الاقتصادي لمنطقة شرق آسيا وتفرض نفسها أكثر فأكثر على المسرح الدولي، فإن الحركات القومية التي تجد جذورها على خلفية إشكاليات عميقة للهوية إلى جانب نزاعات تاريخية، عادت للبروز بقوة لتشكل «تحديا أمنيا حقيقيا»، وهوتحدٍ قد يفرض نفسه على العالم بمجمله. وتمثل مشكلة «مضيق فورموزا» التي تتعارض فيها الصين مع تايوان أحد نقاط التفجر الممكنة. وهناك الخلاف بين الكوريتين.
وبكل الحالات يقول مؤلف الكتاب: «الأمر الأكيد هو أن المسألة القومية هي في قلب العلاقات بمنطقة شرق آسيا أكثر من أية فترة أخرى».إن شعوب هذه المنطقة، ومهما اختلفت دوافعها عن تطلّع إلى بناء دولة ـ أمّة مثل اليابان أو سعي للتمايز عن المنظومة الغربية، فإنها تؤكد على خصوصية الثقافة الآسيوية.
وكانت مثل هذه الخصوصية قد تشكّلت واقعيا خلال الاندفاعات الاستعمارية في القرن التاسع عشر، إلى درجة قول البعض بأن الأوروبيين هم الذين «اخترعوا» آسيا، بدافع رغبة الدلالة على مختلف مناطق العالم أثناء فترة الفتوحات الكبرى. وفي الواقع كانت القوى الاستعمارية قد وسّعت من المجال الذي يدلّ على آسيا حسبما كان اليونانيون القدامى قد حددوها كي يصل ذلك المجال إلى تخوم القارة.
وفي المحصلة تعرّض مفهوم الهوية الآسيوية إلى مؤثرات خارجية عدة وإلى تبدلات دفعت نحو الانفتاح على الآخر أو نحو الانغلاق على الذات. وبنفس الوقت الذي تنامى فيه إحساس الشعوب الآسيوية ب«اختلافها» عن الخارج، وخاصة عن الغرب، تنامى أيضا الإحساس ب«الاختلاف» فيما بينها مما دفع نحو تقوية النزعات القومية، ومع الصعود القوي لبعض الدول في المنطقة زادت التوترات إلى حد أنها قد تؤدي إلى مواجهات غير محسوبة النتائج.
وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب في تحليلاته هو أن التطور الذي ستشهده منطقة شرق آسيا لا يتعلق فقط بالدول التي تتكوّن منها بل أنه يرتبط بعوامل عدة أخرى ليس أقلها الاستراتيجيات الأميركية حيال المنطقة، هذا ما أظهرته بوضوح الزيارة التي قام بها الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش إلى الصين في شهر نوفمبر 2005 والتي أثارت الكثير من أشكال النقد في بكين، ولكن أيضا في كوريا الجنوبية.ويحدد مؤلف الكتاب رهانين أساسيين بالنسبة لمستقبل الأمن في منطقة شرق آسيا ويرى بأنهما قد يكونان سببا لنشوب أزمة كبرى وربما لمواجهة عسكرية على نطاق واسع.
هذان الرهانان ـ التحديان يخصان كوريا الشمالية والمسألة التايوانية. فالوضع في كوريا الشمالية ونظامها السياسي هما في قلب الاهتمامات الإستراتيجية لجيرانها ولكن أيضا للولايات المتحدة ولمختلف القوى النووية الموقعة على معاهدة عدم الانتشار النووي.
هذه القوى كلها تتهم كوريا الشمالية بالسعي للحصول على السلاح الذري بينما تؤكد سلطات هذه البلاد بأنها تمتلكه وأنها جاهزة تماما لاستخدامه. لكن ما هو مؤكد هو أن النظام الكوري الشمالي لم يقم أبدا بأية تجارب نووية.
وتتساءل أجهزة الاستخبارات عن كمية «البلوتونيوم» التي أنتجتها كوريا الشمالية. ويشار بالاعتماد على مصادر سوفييتية جرى ذكرها بعد سقوط الاتحاد السوفييتي بأن كوريا قد أنتجت قنبلتها النووية الأولى في شهر يونيو عام 1994.
وتشير تقديرات غربية إلى أن كوريا الشمالية ربما أنها قد استطاعت أن تنتج كل سنة منذئذ «ست قنابل بحجم قنبلة هيروشيما».
الرهان ـ التحدي الثاني الخاص بالأمن المستقبلي لمنطقة شرق آسيا يتعلق ب«المسألة التايوانية». وتعود بدايات هذه المسألة إلى عام 1949 عندما استولى الشيوعيون على السلطة في الصين، إذ لجأ يومها «شانغ كاي شيك» الذي كان على رأس السلطة منذ عام 1927 إلى جزيرة «تايوان» التي كان قد جرى إلحاقها قبل أربع سنوات ببكين بعد عقود عدة من الاحتلال الياباني. لقد انفصلت تايوان منذ عام 1929 لكنها لم تعلن استقلالها أبدا.
وإذا كانت واقعيا بمثابة «دولة» لها «أرضها وشعبها وحكومتها وجيشها وعملتها وعلمها» لكنها بقيت بمثابة «المقاطعة المتمرّدة» بنظر بكين. ويرى مؤلف هذا الكتاب أن التعارض بين الصين وتايوان «يتمفصل حول خلاف تاريخي ـ ثقافي ويجد اليوم ما يؤججه في تطور خطاب قومي متشدد قد يؤدي إلى تسارع الأحداث. إن الشرارة التي يمكن أن تشعل الحريق الكبير قد تتمثل في إعلان تايوان ل«استقلالها»، الأمر الذي قد تستخدمه السلطات الصينية كمبرر لقيامها بعمل عسكري لتضع بذلك حدا ل«حالة قائمة» بدت حتى الآن تناسب الجميع.
بهذا المعنى يمكن ل«إعلان استقلال تايوان» أن يكون بمثابة «اختبار» لمدى طموحات الصين ولمعرفة إذا كانت مسألة «المقاطعة المتمردة» لا تزال تمثل رأس قائمة أولوياتها. السؤال هو: هل تغامر تايوان بإعلان استقلالها أم أنها ستكتفي بأن تمارس دور الدولة كاملا دون أن تكون «دولة». بكل الأحوال يتعلق الرهان بجزيرة غنية وقوية ومُعترف بها دوليا،
ولعل مصيرها يشكل مفتاح أمن منطقة شرق آسيا.«اليابان بين الماضي المؤلم ووعود المستقبل»، هذا هو العنوان الذي اختاره المؤلف للحديث عن الحالة اليابانية في شرق آسيا. إن اليابان هي بدون شك التي تحمل أكبر وزر استعماري في مسيرتها الحديثة على خلفية حلم إمبراطوري ونزعة قومية أرادت باسمها إخضاع جيرانها.
وحتى في شهر أبريل 2005 أعطت وزارة التربية اليابانية صفة رسمية للتعديلات في المناهج المدرسية الثانوية بحيث لم يتم تقديم نزعة التوسع الإمبراطوري بصيغة نزعة استعمارية ولم يتم أي ذكر للفظائع التي ارتكبتها قواتها الغازية.
ولا شك أن مثل هذه «المراجعة» للتاريخ لا تشجع على التقارب مع الشعبين الصيني والكوري اللذين أعلنا احتجاجات عنيفة، خاصة في الصين، ضد عدم قبول اليابان الاعتراف ب«جرائمها» بل اعتزازها بأولئك الذين اقترفوها باعتبارهم «أبطالاً قوميين».
في مثل هذا السياق يتنامى الخوف من خطر رؤية اليابان تعيد تسليح نفسها لتقطع بذلك مع حالة قائمة منذ ستين سنة كانت فيها اليابان «عملاقا اقتصاديا وقزما سياسيا». ومن المعروف أن اليابان بعد هزيمتها الساحقة عام 1945 قبلت التخلّي عن تطلعاتها الإمبريالية وعن نزعتها العسكرية المعروفة لتصبح مجرد «قوة سلمية». وما يثير المخاوف هو أن «أشباح النزعة القومية اليابانية» قد أخذت تستيقظ مع نوع من الحنين للماضي.
وكانت اليابان قد انتصرت في حربها مع روسيا خلال 1904 ـ 1905، مما عزز نزعة قومية رأت أن بلادها قد أصبحت على نفس قوة «البرابرة» الغربيين. ثم تركّزت هذه النزعة القومية ضد الغرب عامة، وخاصة الولايات المتحدة إثر نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما جرى في معاهدة فرساي عام 1919 رفض بند تقدّمت به اليابان لضمان «المساواة العرقية بين الأمم». على أساس هذه الخلفية التاريخية تثير مسألة إعادة تسليح اليابان مخاوف مستقبلية.
وأين موقع واشنطن من هذا كله: حكم أو عنصر شغب؟ ما يؤكده مؤلف هذا الكتاب هو أن الولايات المتحدة تفرض نفسها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية في موقع «الحكم» بالمنطقة، إذ منذ احتلال اليابان في عام 1945 والحرب الكورية .
تم التواجد المستمر لقواعد عسكرية أميركية دائمة في المنطقة جعل من الولايات المتحدة شريكا ـ أو خصما ـ يتجه نحوه الجميع عند نشوب أية أزمة. ويتم التأكيد في هذا السياق على أن تدهور العلاقات بين واشنطن وكوريا الشمالية يشكل محورا مركزيا في قلب الاستراتيجية الأميركية.
وتتم الإشارة هنا إلى الفرق الكبير بين الحالة الكورية والحالة العراقية. ففي العراق كانت أجهزة الاستخبارات تدرك جيداً مدى قدرة «الأذى» التي يمتلكها العراق بينما الأمر مختلف تماما بالنسبة لكوريا التي يحيط بها «الغموض» تماما. لكن يبقى المنافس الحقيقي للولايات المتحدة في المنطقة هو الصين التي سوف تعترض، عاجلا أو آجلا، على توسع النفوذ الأميركي وسوف تتعارض مصالحهما، بل ينقل المؤلف عن بعض المحللين الغربيين، وخاصة الأميركيين، قولهم عن حتمية «الحرب القادمة ضد الصين».
ويخلص المؤلف إلى القول: «تبقى المأساة هي أن واشنطن تتابع، بمواقفها، تغذية بروز نزعة قومية معادية لأميركا لدى الشريك الكوري-الجنوبي كما لدى الخصم الصيني».
* الكتاب: شرق آسيا في مواجهة
أخطار النزعات القومية
* تأليف: بارتليمي كورمون
* الناشر:لين دوروبير ـ باريس 2006
*الصفحات: 143 صفحة من القطع المتوسط
L'Asie orientale face aux périls des nationalismes
Barthélémy Courmont
Lignes de repères- Paris 2006
P.143
