مؤلف كتاب «ما بعد الحداثة» الدكتور باسم علي خريسان أستاذ قسم الفلسفة في جامعة بغداد له بحوث عديدة في فلسفة الحداثة وأصدر عدداً من الكتب في هذا الاختصاص. كما له بحوث ودراسات كثيرة في الصحف العربية وفي الدوريات. الحداثة في ثقافتنا العربية المعاصرة تثير التباساً لا حدود له،

في الوقت الذي ستثير «ما بعد الحداثة» على الأرجح أقصى درجات التشويش والفوضى لما فيه من غموض وتعبير عن دلالات متباينة، فالمؤلف يشير أحياناً إلى فكر الاختلاف، أو إلى ظاهرة العولمة، أو إلى مستقبل حضارة تختلف عن العصر الصناعي، وقد تذهب بعض المقاربات لاستخدام مقولة إفلاس الحضارة الغربية وانهيارها.

إن مفهوم ما بعد الحداثة يستخدم بشكل واسع في الدراسات الفكرية العربية للتعبير عن قضايا فكرية وأدبية ونقدية، كما تستند إليه اتجاهات فلسفية متزايدة الحضور والخطورة.

حيث يبين لنا الباحث مسألة «ما بعد الحداثة» وآثارها، والمفاهيم المكونة لها، وأبرز مدارسها، وأبعادها الثقافية والاجتماعية والفلسفية والفنية والسياسية.ثم عرّف الحداثة من خلال سؤاله: متى ظهرت الحداثة تعبيراً عن رؤية خاصة للوجود والفكر والمجتمع؟ ومتى اختفت أو ستختفي؟ يمكن أن نلحظ كل خلافية في هذه الأسئلة، مفكرون ألحقوا بفكر ديكارت - القرنان 16 و17 الميلاديان- وبعضهم ربطها بعصر الأنوار القرن 12.

أما الناقد الأدبي الأميركي «فريدريك جيمسون» يحدّد تاريخ ميلادها في النصف الأول من القرن العشرين، وعلى صعيد المفكرين العرب نرى «سمير أمين» لا يعطي تحديداً زمنياً لنشأة الحداثة، ذات طابع ميتافيزيقي، فكانت هذه الفلسفات تؤكد أن هناك نظاماً يحكم الكون، ويفرض نفسه على الطبيعة والمجتمعات والأفراد.

والمؤلف ذهب إلى قراءة البيئة الأوروبية لما قبل الحداثة قراءة تاريخية، فأوروبا قبل حداثتها هذه كانت تعيش في أطر ومرجعيات وبيئة مغايرة لمرحلة الحداثة، ثم يقول: «الناظر إلى تلك الفترة يرى أن المرجعية الدينية هي الأصل في تحديد تلك النظرة»، دور الدين الرئيسي في تشكيل الأطر والأنساق العامة التي تحكم الحياة الإنسانية،

فالله أصل الوجود والمعرفة والأخلاق والكنيسة من هذا المنظور المفسر الوحيد للدين وبالتالي هي ظل الله في الأرض، مما يعطيها كامل الحق في تسيير المجتمع، وإخضاع الأمراء والملوك لسيطرتها، في الوقت الذي وجدت في الإقطاع خير سند لها يساعدها في لعب دور فاعل ومؤثر في الصراعات السياسية والاجتماعية ضد الأمراء والملوك.

ويلخص المؤلف مفهوم الحداثة على أنها حركة فكرية جديدة في التاريخ الأوروبي تقوم أساساً على محاولة إبدال المرجعية الفكرية التي تحكم السلوك الإنساني في الحياة، ويعني ذلك حسب رؤية المؤلف، أهمية العقل في الإفلات من قبضة الكنيسة والإقطاع، وهو التطور الذي حصل في أوروبا في تجريد الكنيسة من هيمنتها، كان من أهم نتائجها حركة الإصلاح الديني ـ البروتستانتية ـ

ومن ثم بروز حركة النهضة التي ذهبت من التمركز على الخالق في السابق إلى التمركز على الإنسان، وصعود قيمة العقل من خلال منهجين: المنهج التجريبي عند بيكون والمنهج العقلي لدى ديكارت.

وهكذا وُلدت البنيوية ضمن المرجعية الفكرية للحداثة، وقد سعت لتفكيك الأسس التي أقامت عليها الحداثة بناءها الشامل وهي بالتالي تؤكد على الذات والعقل والتاريخ. وهي أيضاً في قراءتها للواقع تركن إلى المنهج الاستنباطي الذي يعطي الأهمية إلى الكل وليس إلى الأجزاء،

ولا يرى الكل في الأجزاء المكونة له، لا بل إن هذه العناصر تخضع لقوانين تتحكم في بناء العلاقة التي تجمعها. وفي مثل التأكيد على البنى نرى البنيوية تعمل على إلغاء التاريخ، أي أن هناك انفصاماً بين البيئة والتاريخ.ويهتم المؤلف في بحث البنيوية عندما يدرس «فردينان دي سوسير» وتطبيقاته في الحقل اللغوي وعلى العلوم الإنسانية على يد مجموعة من المفكرين والعلماء.

في الوقت الذي أسهم فيه فلاسفة ومفكرون من اليسار الفرنسي في تبني المنهج البنيوي في نموذجه اللغوي في دراستهم المتنوعة يأتي في طليعة هؤلاء «كلود ليفي شتراوس»، ولوي التوسير وغيرهما، أما ميشيل فوكو فهو من مفكري اليسار البنيويين البارزين، وهو يعد حلقة الوصل بين البنيوية وما بعد البنيوية،

ويقول المؤلف «فهو بدأ بنيوياً وانتهى تفكيكياً، ذلك لكون بدايته الفكرية قد تأثرت أساساً بالمدرسة البنيوية الفرنسية». لكن البنيوية في رأي المؤلف «حصلت على شهادة وفاتها في عام 1968 مع صعود الثورة الطلابية التي اجتاحت العالم وتجسدت في فرنسا معقل البنيوية».أما الثورة الطلابية العالمية، هي مجموعة واسعة من التحولات المجتمعية التي مست المجتمعات الغربية، وفرضت عليها استحقاقات جديدة، والحركة التفكيكية وجدت في الثورة الطلابية خير سند عملي من الواقع لأفكارها «لذلك توجهت لنقض الفلسفات والنظريات الاجتماعية البنيوية والماركسية التي كانت سائدة».

وقد جاءت نتيجة إرهاصات فكرية سابقة مساعدة على نضوجها.وإذا كان المؤلف قد أعطى الثورة الطلابية أهميتها لأنها الممثلة للثورة الحقيقية عند رفع شعار الحرية، والطلاب في الوقت نفسه لا ينظر إليهم كفئة سياسية تعني بمسألة التغيير إلى جانب وجود الأحزاب والتيارات الفكرية المختلفة. ويلخص المؤلف الحركة الطلابية بقوله:

أنها استطاعت أن تؤسس جينولوجيا للمقاومة في مقابل جينولوجيا السلطة، فهي وضعت القيم والأسس الأخلاقية لسلطة هذه المجتمعات سواء رأسمالية أو شيوعية.كان بحث الحركة الطلابية وما بعد البنيوية تمهيداً لبحث ما بعد الحداثة، وقد طرح المؤلف أسئلته: متى ظهرت ما بعد الحداثة كحركة فكرية؟ ومتى استخدم مفهوم ما بعد الحداثة للدلالة عليها؟ وما الفرق بين ما بعد الحداثة وما بعد الحداثية؟ وما أبرز التعريفات التي قدمت بشأن ما بعد الحداثة

وعلى الرغم من انتقادات وُجهت لما بعد الحداثة اختصرها المؤلف في ست نقاط من أهمها: ما بعد الحداثة مناقضة لنفسها، سعي ما بعد الحداثة لإثبات عدم مصداقية العقل، عجز العلم عن اكتشاف أو تفسير بعض الظواهر. لكن «روزنا» تحدد سبعة تناقضات في تفكير ما بعد الحداثة: إنها ضد النظرية، تركز ما بعد الحداثة على الهامش وهو يمثل تأكيدا تقويميا، تشدد ما بعد الحداثة على العلاقات بين النصوص لكنها غالباً ما تعامل النصوص بعضها بمعزل عن بعض، تنتقد ما بعد الحداثة تضاربات الحداثة، لكنها ترفض الاعتقاد بالمعايير التوافقية نفسها...

وأخيراً قدم لنا المؤلف أربعة أبعاد لما بعد الحداثة: الأبعاد والتحديات الثقافية - الفكرية -الأبعاد والتحديات الاجتماعية النفسية، الأبعاد والتحديات السياسية - الأيديولوجية، الأبعاد والتحديات الاقتصادية. يكون قد وقف على أبرز الأبعاد والتحديات التي تطرحها مدرسة ما بعد الحداثة اليوم على المجتمعات الغربية بصورة مباشرة، ونحن بدورنا نرى أهمية الإشارة إلى حداثة الموضوع في العالم العربي وفي دول الجنوب، مما يؤكد على أهمية الكتاب كمرجعية للباحث والقارئ على حد سواء.

* الكتاب: ما بعد الحداثة

* تأليف: د. باسم علي خريسان

* * الكتاب: ما بعد الحداثة

* تأليف: د. باسم علي خريسان

* الناشر: دار الفكر ـ دمشق

* الصفحات:390 صفحة من القطع المتوسط