شمس الدين الكيلاني كاتب وباحث موسوعي سوري وضع عدة كتب في التأريخ، أبرزها «صورة أوروبا عند العرب في العصر الوسيط، الطريق إلى القدس، حياة الإمام محمد عبده» وغيرها. يعتبر الكاتب أن فكرة «قداسة المكان» تضرب جذورها عميقاً في التاريخ البشري القديم.
ولعلها صاحبت يقظة الإنسان الحضارية في المجتمعات القديمة، فقد احتلت الميثولوجيا موقع العتبة الرمزية لتلك المجتمعات، ونظرتها الشاملة، وأن فكرة الجماعة لطقوسها تهدف إلى إعادة إحياء زمن الولادة الأسطوري لتمنح حياتها معنى، ولتدل به على المقدس في حياتها ومعاشها، في المكان والزمان.
أما الدين التوحيدي فقد حررّ فكرة الإله من تجسيداته الطبيعية ومن عناصر التشبيه، وذلك برفعه فكرة التنزيه إلى ذروة التسامي. حيث لم يتبق إلا ذات واحدة، تنبسط رحمتها على مجمل المعمورة، ترمز إلى قداسة بعض الأمكنة المحددة كالجغرافيا المقدسة الإسلامية المشتملة على الكعبة والمسجد الأقصى والمسجد النبوي.
تمحورت جغرافية الإسلام الروحية حول البيت الحرام والمسجد النبوي وبيت المقدس، في وحدة روحية شاملة، توحد بين المدن الثلاث: مكة، المدينة، القدس، كعناصر تكوينية داخل قداستها، التي تشكل فيها مكة نقطة المحرق.
لقد أجمع المؤرخون على أن الكنعانيين هم أول من سكنها، حيث بدأوا في عمارتها على التلال الغربية من عين سلوان وفي الجنوب الشرقي من الحرم القدسي. وتوسعت المدينة فيما بعد حتى اتصلت بالمرتفع الذي بني عليه الحرم القدسي، واتصلت بجبل أكر الذي تقع عليه كنيسة القيامة، وجبل زيتا القريب من جبل الساهرة وجبل صهيون في الجنوب الغربي للقدس القديمة.
وأطلق الكنعانيون على المدينة اسم «أورشليم»، بمعنى «مدينة السلام»، وسالم هو اسم إله السلام الكنعاني، و «أور»، تعني «المدينة» باللغة السومرية، وسمّاها داوود عند دخولها «مدينة داوود»، وبنى ابنه سليمان معبد الهيكل على موضع اشتراه من اليبوسيين، غير أنه سرعان ما انقسمت مملكة داوود الصغيرة إلى قسمين: يهوذا حول القدس، والسامرة حول نابلس، ثم ما لبث أن قضي على مملكة السامرة في عام 720 ق.م.
وقضي على مملكة يهوذا في القرن السادس قبل الميلاد، ثم تتالى على حكم القدس: البابليون، الفرس، اليونان والرومان إلى أن جاء العرب وفتحوها، فدخلت بيت المقدس منذ الفتح العمري، في قلب التاريخ الروحي والزماني للجماعة العربية ـ الإسلامية، بطريقة لا فكاك عنها.
بعكس التصور الإسلامي لوحدة الأصل الإبراهيمي في الأديان السماوية الثلاثة، وهذا الاعتقاد الراسخ بتلك المنظومة الجغرافية المقدسة، هو ما دفع المسلمين، إلى أن يجعلوا جميع الأضرحة والأبنية المقدسة في العالم الإسلامي تحاكيها رمزياً.
وقد تجلت تلك الوحدة بين مكة «المسجد الحرام» والمدينة المنورة «المسجد النبوي» والقدس «المسجد الأقصى» في الكثير من المعاني والرموز التي أسبغها المسلمون على تلك الأماكن المبجلة، ولعل الإسراء والمعراج أول تجسيد لوحدة تلك المنظومة الجغرافية، وكأنها أرادت أن تعلن، بوراثة محمد لرسالات الأنبياء السابقين جميعاً.
يهدف هذا البحث إلى جلاء الجانب الرمزي للقدس بالنسبة للمسلمين، ويكشف عن معانيها الروحية الإسلامية، ويتضمن جملة المعاني التي أسبغها عليها المسلمون في متون مروياتهم المقدسة في القرآن الكريم، والحديث والتاريخ، كما تجلى في طريقة تعبيرهم عن تعلقهم بالمدينة المقدسة، وفي الأساليب التي بجلوها بها، فكان منهج الكاتب أقرب إلى طرائق الأنثروبولوجيين منه إلى منهج المحدّثين أو المفسرين.
انقسم البحث إلى ثلاثة محاور، يتعلق أولها في الكشف عن صلة المسلمين الروحية في بيت المقدس، وموقعها الراسخ في جغرافيتهم الروحية المقدسة، وفي الأشكال التي أظهروا فيها تعلقهم الروحي بها عبر تاريخهم الطويل. ويتعلق ثانيهما بالكشف عن موقع القدس في التاريخ الروحي والقومي لعرب فلسطين،
أما المحور الثالث فيتعلق بتجربة الصوفيين المسلمين الروحية بالمسجد الأقصى وأشكالهم التعبيرية والطقسية التي مارسوها حوله، كتعبير عن مدى جاذبيتها الروحية لهم. فدرس الصوفية والزهاد وأهل الصفة في القدس والتابعين الزهاد ومتصوفة القرن الثاني الهجري، المتصوفة في العهدين السلجوقي والفاطمي، والمغاربة والأندلسيون، كذلك درس المتصوفة في العهدين الأيوبي والمملوكي والصوفية في القدس العثمانية.
تتميز التجربة العربية الإسلامية في إدارة القدس منذ الفتح العمري، في أنها تقوم على الاعتراف بحق أهل الكتاب، في العيش المشترك في المدينة المقدسة، وحقهم في إقامة شعائرهم في أماكنهم المقدسة، فلقد أبطل القرار البيزنطي الذي يقضي بمنع اليهود من دخول القدس، وأمنّوا المسيحيين على أموالهم وأنفسهم وكنائسهم، كما هو واضح في العهدة العمرية، ولقد كرر صلاح الدين السلوك العمري نفسه حين دخول القدس عام 1187 م، فجعل المدينة مفتوحة لأبناء الديانتين:
المسيحية واليهودية، لإقامة شعائرهم الدينية في دور عبادتهم، وشجع المسيحيين العرب على الإقامة في القدس، وظلت تلك المبادئ القائمة على قاعدة الاعتراف بالآخر ومبدأ العيش المشترك، هي الإطار الناظم للاجتماع البشري في القدس. حتى جاء الصهاينة الذين اتخذوا موقفاً اقصائياً لصالح تهويد القدس.
فيصل خرتش
* الكتاب:رمزية القدس الروحية (قداسة المكان )
* تأليف:شمس الدين الكيلاني
* الناشر: اتحاد الكتاب العرب دمشق 2005
* الصفحات: 112 صفحة من القطع الكبير

