يتناول هذا الكتاب الذي أشرف على تحريره الكاتب السياسي عبد القادر ياسين قصة التطبيع التي يسعى إليها الصهاينة من خلال مصر إزاء الدور المحوري الذي تمثله في عالمنا العربي. وفي محاولة لاستعراض البدايات يسلط الكتاب حزمة من الأضواء على نشاط الصهاينة.

ومن والاهم في مصر منذ تأسست الصهيونية عام 1897 وحتى اندلاع ثورة يوليو 1952 مروراً بتعرض مصر لوباء الكوليرا في النصف الثاني من أربعينات القرن الماضي عندما وضعت العصابات الصهيونية بكتيريا الكوليرا في مياه النيل. وفي هذا الإطار يشير الباحث سيد عبدالمنعم في بداية الكتاب إلى أن مصر كانت مجالاً خصباً في النصف الأول من القرن العشرين للحركة الصهيونية وذلك تحت نير الاحتلال البريطاني الذي يعد صاحب الفضل الأول في دعم تلك الحركة.

وفي هذا الصدد يشير إلى أنه مما يبدو غريباً ذلك الموقف الداعم للنشاط الصهيوني الذي تبنته بعض النخب السياسية والفكرية المصرية حيث لم يقف الأمر عند حد التغاضي عن هذا النشاط بل تعداه إلى العمل على إزالة المعوقات القائمة في سبيله. وعلى ذلك فإن الغوص في هذا الجانب يكشف عن أن الحركة الوطنية المصرية لم تهتم بشكل واضح بالقضية الفلسطينية ومخاطر المشروع الصهيوني على الأمن القومي المصري بشكل واضح إلا بعد أحداث ثورة 36 الفلسطينية.

وحسبما يشير الكتاب فقد شهد النصف الأول من القرن العشرين نشاطا ملحوظا للحركات الصهيونية في مصر التي حاولت اجتذاب اليهود المقيمين في مصر إلى الدعوة الصهيونية وقد احتلت مصر موقعا هاما في نشاط الحركة الصهيونية اعتقادا من قادة الحركة أن مصر يمكن أن تكون قاعدة لنشر الدعوة لإقامة وطن قومي لليهود وأنه من خلال مصر يمكن تهيئة الرأي العام العربي لقبول مثل هذه الدعوة.

ومن الجمعيات التي نشأت في مصر في تلك الفترة جمعية أمل صهيون، وجمعية الأدب العبري، وجمعية أحباء صهيون، وجمعية أبناء صهيون.. وغيرها من الجمعيات وقد تم تجميع تلك الجمعيات تحت عباءة الاتحاد الصهيوني في مصر عام 1913 وتم اختيار جاك موصيري أحد أبرز الصيارفة في مصر ليتولى رئاسة هذا الاتحاد في عام 1916.

كانت حرب 48 وقيام إسرائيل بمثابة خطوة واضحة على مدى ما يمكن أن يمثله الصهاينة والكيان الجديد من خطر على المنطقة بشكل عام ومصر بشكل خاص.وفي هذا الإطار جرت مفاوضات مصرية مع ممثلين من الدولة الجديدة ـ إسرائيل ـ حول صحراء النقب سعت إسرائيل خلالها إلى الحصول على تنازل مصري عنها،

وقد قدمت الحكومة المصرية تنازلات كثيرة حسبما يشير الكتاب خلال المفاوضات التي جرت في تلك الفترة، يعرض الكتاب لجوانب منها بالتفصيل، إلى ان جاءت ثورة يوليو التي مثلت تحولا في الموقف المصري تجاه الصهيونية والدولة الإسرائيلية. ورغم ان توجهات قيادة الثورة المصرية في بداياتها لم تكن تمثل قلقا لإسرائيل باعتبار أنها ستركز اهتمامها على جهود التنمية إلا أن تطورات تالية أدت إلى إثارة مخاوف إسرائيل.

لقد رأى تيار في قيادة حزب ماباي الحاكم في إسرائيل آنذاك في توجهات السياسة المصرية ما يغري على عقد صلح مع النظام المصري الجديد وقاد موشيه شاريت هذا التيار وسرعان ما خلف شاريت بن جوريون في رئاسة وزراء إسرائيل ما وفر للأول فرصة ذهبية لتجريب رؤيته.

غير أن الأوضاع تغيرت تماما إثر توقيع اتفاقية الجلاء حيث خشيت إسرائيل من أن يؤثر ذلك على حقوق مرورها في القناة فبدأت في ممارسات استفزازية بهدف التفجير فاحتلت العوجة المنزوعة السلاح واتبعتها بهجوم عسكري آخر نظمت خلاله مذبحة في قرية قبية. يعرض الكتاب في هذا الجزء للمناوشات والتوترات التي سادت أجواء العلاقات بين مصر وإسرائيل خلال تلك الفترة والتي كانت خلاصتها فتح عيون قادة ثورة يوليو على الخطر الإسرائيلي.

يستعرض الكتاب بعد ذلك التغيرات التي حدثت في مواقف مصر الرسمية من الصراع العربي الصهيوني بعد حرب أكتوبر ويصل إلى نتيجة مؤداها أنه حدث انقلاب كامل في الموقف المصري على المستويين المبدئي والاستراتيجي، فعلى المستوى الأول نجح العدوان الأميركي والصهيوني في تحقيق نصر مبدئي عقائدي تمثل في انتزاع اعتراف مصري رسمي بمشروعية الاغتصاب لفلسطين .

ومن ثم اعتراف بشرعية إسرائيل وعلى المستوى الثاني نجح الأعداء في تحقيق نصر استراتيجي تمثل في خلع مصر من الصراع لينفردوا بمواجهة وتصفية باقي أطراف المقاومة العربية وعلى رأسها المقاومة الفلسطينية. ويشير الكتاب إلى أن الأهمية التي احتلتها مصر في المخطط الأميركي الصهيوني إنما نبعت من أنه ثبت تاريخيا أن النجاح في تحقيق أي مشروعات استعمارية في الأمة العربية يجب أن يبدأ أولاً بإخضاع مصر وعزلها عن محيطها العربي.

ومن مظاهر هذه التحولات على مستوى الاتفاقيات القيود التي وضعتها معاهدة الصلح بين مصر وإسرائيل على القاهرة وتمثل القيد الأول في تجريد مصر من المقدرة على تنفيذ التزاماتها كعضو في جامعة الدول العربية وكطرف في معاهدة الدفاع العربي المشترك، أما القيد الثاني فيتمثل في تعهد مصر بعدم الدخول في أي التزام يتعارض مع المعاهدة. وفي المجمل كانت المعاهدة تتضمن عددا من القيود الموضوعية التي تؤثر على مقدرتها على العودة إلى موقعها السابق من الصراع. وخروجا من الإطار التعاهدي عمدت الولايات المتحدة وإسرائيل،

حسبما يشير الكتاب، إلى الضغط من نواح عديدة في اتجاه إعادة صياغة مصر دولة ونظاما ومجتمعا لكي تتلاءم مع الصفقة المعقودة فكان مطلوبا تكوين قوى سياسية وقوى اجتماعية وخلق اقتصاد سوق تابع وعاجز في الوقت نفسه عن دعم المجهود الحربي، وكذا خلق وعي شعبي ضد الحرب ومع السلام حتى لو كانت خلفياته انهزامية تطرح حججاً مثل ان مواجهة إسرائيل هي مواجهة للولايات المتحدة ومواجهة الأخيرة والانتصار عليها عملية مستحيلة

ومن ثم لا بديل عن قبول ما تعرضه علينا. من الانتكاسة التي يراها ؤلفو الكتاب في الموقف المصري يتم بعد ذلك استعراض مسيرة التطبيع العربي الإسرائيلي التي كانت المعاهدة المصرية الإسرائيلية فاتحته المنطقية. وفي هذا الجزء يتم تقديم الأحداث التي وقعت في عقد التسعينات في مسيرة التطبيع بدءاً من قيام وفد من رجال الأعمال المصريين بزيارة إلى الكيان الصهيوني ولقائه وزير الخارجية شيمون بيريز مرورا بالمؤتمرات الاقتصادية التي استهدفت إدماج إسرائيل في اقتصاد المنطقة

وليس انتهاء بانخراط بعض المثقفين العرب في المسيرة من خلال ما سمي بثقافة السلام بتنظيم سلسلة من اللقاءات عقدت في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن. يقدم الكتاب بعد ذلك رؤية تحليلية لما يسميه ذرائع المطبعين في زمن العولمة والتي يرجعها البعض إلى التحولات التي شابت النظام الدولي بانهيار المعسكر الاشتراكي وانفراط عقد الاتحاد السوفييتي ثم اندلاع حرب الخليج الثانية..

لقد كانت هذه التطورات بمثابة مسوغات للكثيرين من المطبعين بالانخراط في مسارهم.. فسافر المؤلف المسرحي علي سالم إلى الكيان الصهيوني بسيارته بمجرد عقد اتفاق أوسلو سيئ السمعة. وفي مطلع عام 1997 قاد لطفي الخولي مجموعة من المطبعين إلى مؤتمر كوبنهاغن،

وسرعان ما دارت ماكينة المطبعين لتفرز جملة من الذرائع الواهية متوهمين أنها تكفي لتسويغ تورطهم في إقامة علاقات مع عدو الأمة وفي مقدمة هذه الذرائع أن الفلسطينيين أنفسهم سواء عرب 1948 أو الكتاب يدخلون في حوار مع الإسرائيليين فلماذا نحن لا؟ لا تكن ملكيا أكثر من الملك.

فضلا عن ترويج البعض لمقولة ان قطاعا ضخما من المجتمع الإسرائيلي يناصر السلام وينحاز للحق العربي، تلك الأكذوبة التي يرددها ويستند إليها، حسبما يشير الكتاب، التطبيعيون العرب، وهي الأكذوبة التي تكشفها حقيقة أن كل المحطات الرئيسية في بناء الدولة الصهيونية واغتصاب الأراضي العربية وشن الحروب العدوانية على مصر والأمة العربية تمت في عهود حكم دعاة السلام الإسرائيليين من حزب العمل أو اليسار المزعوم في إسرائيل.

كما يتطرق الكتاب إلى الذرائع التي تتحدث عن أن الدولة الصهيونية ومواطنيها الإسرائيليين جيران لنا وشركاء في الوطن والحضارة ولا مجال لتجاهلهم ولا ينبغي للعداء السياسي ان يتحول إلى عداء عرقي.

والرد على هذه الذريعة أن العرب ليسوا هم الذين احتلوا بلاد غيرهم بل أشتات الأرض الذين أتوا لكي يسرقوها منا في عز النهار. ويرد الكتاب على من يردد أن جوهر الصراع نفسي وأنه لا بد من اجتياز الحواجز النفسية والفكرية بيننا وبين الصهاينة .

وهذا لن يتأتى إلا بإزالة مخاوف الصهاينة وإدخال الطمأنينة إلى قلوبهم وإشعارهم بالأمن. والرد على هذه الذريعة أن الصراع العربي الصهيوني لم ينشأ بسبب حالة نفسية أو حالة عقلية وإنما لأسباب موضوعية ملموسة مؤداها أن كتلة بشرية غريبة وافدة جاءت إلى الأرض الفلسطينية فاستولت عليها وطردت شعبها ولا يمكن إصلاح الوضع إلا بإرجاع الأرض إلى أصحابها.

وفيما يبدو نوع من محاولة تقديم الرؤية المتوازنة يتطرق الكتاب إلى المواجهة الشعبية حيث لم يجر النشاط الموالي للصهيونية في مصر دون رد فعل شعبي واسع وحاسم منذ إدانة زيارة بلفور فلسطين سنة 1924 وكذا إدانة مشاركة مثقفين مصريين في افتتاح الجامعة العربية بالقدس إلى مظاهر التضامن الشعبية الواسعة مع ثورة 1936- 1939 الوطنية الفلسطينية إلى المقاطعة الاقتصادية للصهيونية 1946.

وهناك المؤتمر الشعبي الذي دعت اليه المنظمات الشيوعية السرية المصرية، تأييدا للقضية الفلسطينية. أما المرحلة الناصرية فقد خلت من الأنشطة الموالية للصهيونية في مصر، ولم تنجل إلا عن مظاهر التأييد المطلق للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

ويقدم الكتاب رصداً دقيقاً لحركة اللجان الشعبية والجمعيات الأهلية المناهضة للتطبيع متوقفا عند حدث مهم كان له تأثيره على الساحة المصرية في تطور مسار حركة مناهضة التطبيع في مصر ألا وهو تحالف كوبنهاغن الذي عقد أول اجتماع له في العاصمة الدنماركية وقد ضم 12 شخصية مصرية يتقدمهم الكاتب لطفي الخولي جنبا إلى جنب مع 50 شخصية إسرائيلية وأردنية وفلسطينية وأوروبية وأميركية. لقد لقي هذا التحالف معارضة شديدة في الوسط الثقافي والشارع المصري على السواء.

ومن أبرز لجان مقاومة التطبيع التي يذكرها الكتاب والتي تلت لجنة الدفاع عن الثقافة القومية كانت اللجنة العربية لمساندة المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين، وتصدر عنها نشرة شهرية منتظمة باسم المقاومة. كذلك هناك اللجنة الشعبية المصرية للتضامن مع انتفاضة الشعب الفلسطيني، ووقع على البيان التأسيسي لها نحو 300 من كبار المثقفين والسياسيين والفنانين المصريين، وكذا اللجنة المصرية العامة لمقاطعة السلع والشركات الصهيونية والأميركية، واللجنة الشبابية للتضامن مع الشعب الفلسطيني.

وبعد استعراض لمساعي التطبيع الثقافي يشير الكتاب إلى أنه رغم تحقيق إسرائيل اختراقات في هذا المجال إلا أنها لم تصادف نجاحا كاملا، مضيفا أن إسرائيل إنما تسعى للتفوق الإقليمي لا مجرد التطبيع حيث تزعم بأن مصر قد خدعتها مشيرة إلى حقيقة أن المصريين استعادوا أرضهم سيناء في مقابل التطبيع الذي لم يحدث على أرض الواقع.

مصطفى عبد الرازق

* الكتاب: الصهاينة في مصر

*الناشر:مركز يافا للدراسات القاهرة 2006

*الصفحات: 158 صفحة من القطع الكبير