عندما نشطت حركة التحرر العربية خلال النصف الأول من القرن الماضي، نشطت معها آلية التفكير بالمستقبل، وراحت المنطقة تفكر بعدها وتخطط لمستقبلها، تماماً كما فعل الغرب إثر خروجه من الحرب العالمية الثانية، لكن العرب فشلوا، وتفوق الآخرون.
تفوق الغرب التقني ساعد نصف الكرة الشمالي على الانخراط في موجة الحداثة انخراطاً كلياً، مغلقاً خلفه باب الأمس، قاطعاً علاقته مع ما سبق بطريقة تشبه استئصال الأورام. وكاد العرب أن يفعلوا ذلك أيضاً لو قيضت لهم الظروف الموضوعية ذاتها التي كانت للغرب، ولكن حركة التحرر العربية برمتها فشلت في فتح باب المستقبل، رغم جميع محاولاتها لإحداث مجتمع مواز فكرياً للانخراط في حركة الحداثة العالمية، ولذلك سرعان ما عادت المجتمعات العربية إلى الماضي تنهل منه لغدها، وتقيس حاضرها بماضيها وتتنهد تحسراً وأسى.
إذا كانت ظروف الغرب دفعت إلى إغلاق أبواب الأمس والعيش في المستقبل وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، فلأن الغرب واجه واحدة من أفظع حروب الكون التي راح ضحيتها حوالي 40 مليون إنسان، هل فقدت المجتمعات المستعمرة (بفتح الميم) هذا الرقم خلال العهود الكولونيالية؟!
طبعاً ليست مسألة أرقام، بل مسألة قيم، لأن تجربة الحرب من أجل الحرية لا تعني قتل القيم والاستعاضة عنها بقيم مادية أخرى، بل تعني تأكيد القيم الأصيلة وتعميقها والعمل على توافقها مع متطلبات المستقبل.
لم تنجح الثورات في ذلك، ولا الحروب أيضاً، لذلك كل ما فعلته حركات التحرر العربية انها أرادت بناء مجتمعات بديلة بعملية إحلال مبضعية، فحدث الفشل العظيم، وانتصر الماضي على الحاضر والمستقبل وحدث ذلك الشرخ بين الشمال الحداثي الغني وبين الجنوب المتخلف الفقير، شرخ تعمق خلال خمسين سنة حتى أصبح هوة ساحقة، وبنظرة عامة إلى مستوى الحياة بين الشمال والجنوب يمكن تلمس حقيقة ذلك الشرخ.
إذاً ما فعلته حركات التحرر العربية انها قادت المجتمع إلى طوباوية حالمة، ولم تقده إلى حقائق أكيدة، فوضعت نظريات غير قابلة للتطبيق ورفعت شعارات لم تعش سوى بضع سنوات، وانتهت كما انتهى الحلم.
في الغرب لم يكن هناك قادة لحركات التحرر، كانت المجتمعات تتحرك تلقائياً وتقود نفسها بطريقة توافقية نحو المستقبل مدركة أن حالة حروب الكون يجب ألا تمسها من جديد، فقد دفعت الثمن غالياً بينما في المجتمعات العربية قامت نخبة من عسكريين وحالمين وطوباويين بقيادة المجتمعات إلى أفكار ونظريات وشعارات لم يبق منها اليوم ما يستحق الوقوف عنده تذكراً.
كان هذا الفرق واضحاً بين أمم تقود نفسها بوعي، وأخرى تُقاد بالأحلام، وكان طبيعياً أن تحصل حركة ردة واسعة تجاه الماضي بكل حالاته للنهل منه والاستكانة إليه ومقايسته بالحاضر، وكل ما نتج اليوم من عودة أصولية معظمها جاء من فشل المشاريع الطوباوية التي خطط لها نخبة العسكر والحالمون الطوباويون الذين عاشوا في أوهامهم سنوات طويلة وللأسف بعضهم ما زال يعيش فيها.