مؤلف هذا الكتاب هو المثقف الفرنسي بيير رامبير الذي قام بمساهمات فكرية أساسية متعددة من بينها: العلاقات بين الصحافيين والمثقفين؛ إخفاء المسائل المزعجة؛ تحريف الوقائع؛ نفي الأخطاء؛ قتلى بلا حدود؛ هوية آتاك (الجمعية من أجل فرض ضريبة على المعاملات المالية لمساعدة المواطن) والعلاقات مع وسائل الإعلام، الخ.

قام الفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر بتأسيس صحيفة ليبراسيون من أجل «إعطاء الكلام للشعب» قائلاً: «لقد رفضنا أن نكون منشأة صناعية وتجارية»، إلا أن هذه الصحيفة دخلت متاهات مختلفة لتصبح عام 2005 مرتبطة برجال الأعمال وخاصة بالرأسمالي المصرفي الفرنسي روتشيلد. هذا الاندماج بين الصحافة ورجال المال لا يسلط ضوءًا على مصير مختلف الصحف الفرنسية وحسب؛ وإنما يبين أيضا وبمقارنة انتقال صحيفة ليبراسيون من ضفة «اليسار البروليتاري» إلى ضفة «الحداثة الليبرالية». هذا الانتقال لم يكن ليتم إلا بقيامها ـ أي ليبراسيون ـ بثورة محافظة في الحياة الفكرية والصحافية الفرنسية».

فكل التوجهات اليسارية كانت تعمل من أجل مقاومة الرأسمالية والاستغلال والتمايزات الاجتماعية. لقد كان اليسار وبوجه خاص المجموعات المتطرفة داخلة، يريد تغيير العالم». يكفي القول أنه منذ عام 1967 ومرورا بثورة مايو 1968، فإن حركة الاحتجاج على النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي قد اجتاحت أرجاء البلاد الفرنسية.

وأن عدد الإضرابات التي حدثت بين أعوام 1971 ـ 1975 شكل ظاهرة كبرى في الحياة الفرنسية تفوق بثمانية أضعاف الإضرابات الواسعة التي تمت فيما بعد بين أعوام 1990 ـ 1995.

كانت صحيفة ليبراسيون مرآة هذا اليسار الذي «يريد تغيير العالم» وبالتالي فقد كانت ضد الصحافة «المتملقة والمستكينة» البورجوازية. وباعتبار أن حرية الصحافة كانت من وجهة نظرها كلمة فارغة، فلقد قامت باختيار «صحافة الحرية» والعمل على «تحرير الصحافة».

هكذا أتى مشروع ليبراسيون كعملية نقدية للصحافة المسيطرة، لماذا؟ لأنها ليست صحيفة «يصنعها الصحافيون من أجل الناس، وإنما هي صحيفة يصنعها الناس بمساعدة الصحافيين». وبهذا فإن «إعلامها يأتي من الشعب ليعود إلى الشعب». إن جريدة ليبراسيون هي نوع من «كاتب عمومي» لفرنسا الشعبية، أي لفرنسا الحقول والمصانع والقاطرات الأرضية وحافلات النقل العامة والطلاب والمثقفين الملتزمين.

ولهذا فإن مشروعها يكمن في قلب عالم الصحافة رأسا على عقب بإعطاء الكلام لهؤلاء جميعا وبالاحتجاج على التقسيم التقليدي البورجوازي القائم بين العمل اليدوي والعمل الذهني، وبرفض هرمية الأجور بين العاملين فيها، وباستبعاد إدخال الإعلانات التجارية على صفحاتها، وتمويلها عبر التبرعات والاكتتاب الشعبي، وبإبقائها «بيتاً زجاجياً» يعرض كافة النزاعات القائمة في المجتمع، والمواضيع التي تفسد العلاقات الاجتماعية السليمة، والاعتصامات ضد النظام القائم، وأنواع السيطرة على وسائل الإعلام.

وسواء في الجانب الاجتماعي أم السياسي، فإن صحيفة ليبراسيون كانت تجد لها صدى قويا في الواقع الفرنسي بينما كانت تحظى بتعاطف معها على الصعيد الصحافي. ذلك أن قسما من الصحافيين كانوا يعارضون «الرأسمالية الصحافية» المسؤولة عن مركزة واحتكار وسائل الإعلام بيد أقلية رأسمالية تتحكم بهم، وكانوا يرفضون «الوصاية السياسية» والرقابة المباشرة أو اللامباشرة على عملهم خاصة في قطاع السمعيات ـ البصريات.

في هذا يشير الكاتب «جان شويبيل» الذي لم يكن يساريا والمعروف باعتداله، قائلا عام 1968 توجد «سلطات إقطاعية» على الصحافة، ليست مسؤولة أمام أحد وتتصرف طبقا لصالحها، ولا يهمها سوى تسليع الصحافة التي تجد نفسها مضطرة إلى الإعلانات التجارية لزيادة مواردها، والتي تبحث عما هو مثير في إعلامها، وتصطاد الأخبار المتفرقة، وتتسابق وراء تسلية القراء، وبحيث أن حرية الصحافة ليست في الواقع سوى حرية الأعمال التجارية.

لكن صحيفة ليبراسيون ستقوم بإحداث قطيعتين مهمتين في تاريخها: القطيعة الأولى تحت عنوان «الماوية» ـ نسبة إلى ماو تسي تونغ ـ في وضع جو من التوتر داخلها بين أصحاب الخط الإيديولوجي الماوي المتصلب وبين أصحاب الخط المهني الإعلامي. ولقد تعززت هذه القطيعة بعد أن تخلى «سارتر» عن قيادة الصحيفة بسبب مرضه، لأحد الصحافيين فيها، ألا وهو «سيرج جولي» الذي انتهج أن تكون الصحيفة «صحيفة الرأي اليساري الجديد.

القطيعة الثانية تمّت عام 1981، أي مع وصول اليسار الاشتراكي الفرنسي إلى السلطة؛ هذا العام الذي توجه هو أيضا سنوات من التوتر بين الإدارة الجديدة للصحيفة المشغولة بـ «تحديث اليسار» والمصداقية الصحافية وبين معظم الصحافيين المتمسكين بالإدارة الذاتية الجماعية فيها.

فمنذ عام 1978 أعلن «سيرج جولي» المدير الجديد، أن النزعة اليسارية المتطرفة والثقافة المضادة قد توقفتا اليوم عن أن تكونا قوى إبداعية، وأن صحيفة ليبراسيون محكوم عليها أن تأخذ ذلك بالحسبان إذا أردات الاستمرار، أي أن عليها أن تغيّر من خطها واشتغالها ولكن بأي اتجاه؟ باتجاه أن تصبح مثل غيرها «صحيفة إخبارية ديمقراطية كبرى». باختصار هذا يعني أن تنتقل صحيفة ليبراسيون من ثقافة الاحتجاج المعتادة، وطرح الثورة كأفق للمجتمع الفرنسي، وإنهاء النظام الرأسمالي، وذلك إلى التأقلم والتكيف مع هذا النظام وتحديث اليسار باتجاه قبول ليبراليته.

هكذا سيعلن سيرج جولي منذ عام 1981 أن الإعلام هو «الإيديولوجية الوحيدة التي تهمه»، ليؤكد عام 1986 أن القطيعة مع ليبراسيون اليسارية السارترية والماوية تعني التأكيد على كونه ليبراليا بمفهوم القرن الثامن عشر، وليختتم ذلك بالقول عام 2002: «إنني متحيّز للاقتصاد الليبرالي وللتنافس فعلاً».

ثم أن مرحلة ثالثة ستبدأ في حياة ليبراسيون، مهمة المنشأة الصناعية ـ التجارية ـ الإعلامية التي تسرّح ما لزم من الصحافيين فيها، وتقبل بالإعلانات التجارية، وتقوم بتوسيع أعمالها لضمان مداخليها وزيادة قرائها. لقد ارتفعت مبيعاتها السنوية من 35000 عدد عام 1981 إلى 195000 عدد عام 1988، ليبدأ بعدها التناقص في المبيعات التي لن تتجاوز 135000 عدد طوال فترة يوليو 2004 ـ يونيو 2005.

والواقع أن صحيفة ليبراسيون كانت تقوم بهروب دائم إلى الأمام. فمن فتح أبوابها إلى مساهمة محدودة لتوظيفات رأس المال الخاص فيها، إلى سيطرة هذا الأخير عليها بين أعوام 1983 ـ 1999، حيث ان 80 بالمئة من رأسمالها قد أصبح بيد الرأسماليين. وفي كل مرة كان يزداد فيها رأس المال الخاص الوافد إليها، كانت تتعرض لإجراء تعديلات في بنيتها وطريقة عملها، وكانت إدارتها تبرر ذلك باسم «القوانين الاقتصادية».

في عام 1995، قام الصحافيون في الصحيفة عينها بإضراب رمزي من التوقيعات ضد تسريح ربع العاملين فيها وضد بيع الجريدة، فما كان من أحد قرائها إلا أن نشر على صفحتها قائلاً «إن الذي يصيبكم هو جزء من مسار صحيفتكم. انعطاف عام 1981 الذي قمتم به، ومديحكم للسوق وللنزعة الفردية هو الذي سمح لسيرج جولي أن يبحث عن المال حيثما هو موجود. إنكم ضحايا قوانين السوق التي رفعتم طقوسها».

ويشير الكاتب إلى مفارقة أن «سيرج جولي»، مدير الجريدة، كان ينتهج نزع ملكيتها من العاملين فيها باسم «الاستقلالية المعززة» لها، في الوقت الذي يطرح فيه إدخال الإعلانات التجارية «كضمانة لاستقلالية فادحة». هكذا فإن شراء 39 بالمئة من الجريدة من قبل المصرفي روتشيلد و20 بالمئة من أسهمها من قبل مجموعة رأسمالية بريطانية قد شكل بالنسبة له «انتصارا لإستراتيجية استقلالية الصحيفة» بحيث لا بد من تعريف الاستقلالية المتعارضة كليا مع أسباب ومشروع صدور ليبراسيون منذ البداية.

وربما أن أزمات الجريدة المالية بين وقت وآخر من شأنها أن تفسر المسار الاقتصادي ـ الإعلامي الجديد لها، لولا أن ذلك لم يرتبط بمشروع آخر إيديولوجي مخالف كليا لما قامت عليه أساسا. وهذا المشروع يكمن بتجديد الليبرالية الفرنسية.

لقد تمّ ذلك عبر نادي «البورجوازيين المتنورين» الذين عملوا على أن يحلّوا محل البورجوازيين التقليديين الذي انغمس قسم منهم في التواطؤ مع الاحتلال النازي لفرنسا. فمعظم الذين اكتتبوا في أسهم رأسمال الصحيفة ما بعد صدورها هم رجال بنوك وصناعيون وموظفون كبار ونقابيون مسيحيون علمانيون وبعض أساتذة الجامعات والصحافيين وخريجي عدد من المعاهد العليا الفرنسية. لقد كان يجمع هؤلاء رؤيتهم في تحديث أرباب العمل، والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والدولة.

وإذا كانت بعض العقبات ما زالت قائمة في وجههم من أجل هذا التحديث الليبرالي فلقد أنهيت عام 1983 مع الانعطاف الذي أقدم عليه الحزب الاشتراكي الفرنسي الحاكم في هذا المنحى. ويختتم الكاتب مشيرا إلى أن صحيفة ليبراسيون بانتقالها من مشروعها من «صحافة الحرية» إلى «الصحافة الرأسمالية» إنما عملت على تفريغ الذاكرة طوال سنوات من المعركة التي خاضها الصحافيون من أجل إعلام ديمقراطي نزيه وتكريسه».

* الكتاب: ليبراسيون، من سارتر إلى روتشيلد

* تأليف : بيير رامبير

* الناشر: ريزون داجير باريس 2005

* الصفحات :142 صفحة من القطع المتوسط

Libération, de Sartres à Rothshild

Pierre Rimbert

Raison Rimbert - PARIS 2005