مؤلف هذا الكتاب هو عبد الغفار شكر ويعد واحدا من أبرز الخبراء في مجال التنمية والعمل الأهلي والمنظمات غير الحكومية. وقد شارك في العديد من المؤتمرات والمنتديات الدولية وله العديد من الإسهامات البحثية في هذا المجال ومنها «الجمعيات التعاونية كمنظمات شعبية وتنموية ، المجتمع الأهلي ودوره في بناء الديمقراطية».

وتأتي أهمية الكتاب من أنه يلقي الضوء على أفاق الدور الذي يمكن أن تقوم به المنظمات غير الحكومية في إنجاز مساعي الإصلاح والتنمية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. ويبدأ المؤلف بتعريف ماهية النظامين الأهلي والتعاوني فيشير الى أنه يمكن تعريف القطاع الأهلي وفق تعريف إجرائي مركب يعتمد على بعض المعايير المرتبطة بهيكلة منظماته ونوع الأنشطة التي تقوم بها والوسائل المتبعة في ذلك ، بحيث يعني توافر هذه المعايير إعتبار المنظمة جزءا من قطاع المنظمات الأهلية.

وتتمثل هذه المعايير في ضرورة أن تكون المنظمة خاصة، أي مستقلة مؤسسيا عن الحكومة، وأن تتخذ المنظمة الشكل الرسمي أي أن يكون لها وجود مؤسسي يميزها عن مجرد التجمع المؤقت للأفراد، وأن تكون المنظمة غير ربحية، أي لا يستفيد من الأرباح أصحاب المنظمة أو مجلس إدارتها وتذهب للهدف الأساسي الذي تحدده المنظمة مسبقا.

فضلا عن ضرورة أن تحكم المنظمة وتدار ذاتيا، بمعنى أن تكون مستعدة وقادرة على التحكم والسيطرة على نشاطها ولا يجب أن تحكم بواسطة أي قوى من خارجها. كما من المتطلبات الأساسية التي يحددها المؤلف ضرورة ألا تكون منظمة حزبية ، ولا يعني ذلك ألا يكون من بين أنشطتها التعليم والتوعية السياسية ، فالتمييز هنا يكون بين الأنشطة السياسية بشكل عام والنشاط الحزبي بوجه خاص.

فضلا عما سبق فإنه يجب أن تشتمل المنظمة على درجة معقولة من المشاركة التطوعية إما في الأنشطة التي تقوم بها المنظمة أو في داخلها من خلال إدارة شؤونها.أما عن القطاع التعاوني فيعرفه عبد الغفار شكر بأنه نظام أو تنظيم له أهدافه وتحكمه فلسفة ومبادئ ويعمل من خلال إطار تنظيمي وشكل إداري ملائم ويقوم بناء على إستجابة واعية لأفراد المجتمع وذلك لتوسيع وزيادة قدرتهم المحدودة على إشباع رغباتهم المتعددة اعتمادا على أنفسهم ويقوم التعاون على مبادئ معينة لا يتخذ بدونها النشاط صفة التعاون.

وتتمثل هذه المبادئ في التنظيم الطوعي الحر والرقابة الديمقراطية، الى جانب المسؤولية التضامنية والعمل المشترك ، الاعتماد على الذات ومساعدة النفس، مع التركيز على تلبية الحاجات الأساسية للأعضاء، وكذا المساهمة في التنمية الاجتماعية للمجتمع، الى جانب التنمية البشرية للأعضاء.

ومن خلال مخصصات محددة من صافي العائد. كما تشمل المبادئ ضرورة توافر مقتضيات الكفاءة الاقتصادية بوصفها شرطا لاستمرار النشاط.بعد هذا الإستعراض يشير المؤلف عبد الغفار شكر الى أنه يمكن القول أن الجمعيات الأهلية والتعاونية تلتقيان في كونهما جزءا من المجتمع المدني باعتبارهما مؤسسات طوعية تقدم الخدمات لكلا من أعضائها والمجتمع وتسهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية دون أن تستهدف الربح في المقام الأول.

ثم يقوم شكر بتقسيم كتابه هذا إلى خمسة أقسام يتناول من خلالها دور الجمعيات الأهلية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ثم دور الجمعيات التعاونية في التنمية الاجتماعية والاقتصادية. ثم يستعرض قضية الديمقراطية الداخلية لكل من الجمعيات الأهلية والتعاونية ودورهما في نشر الديمقراطية.

ويتطرق في القسم الرابع الى الإجراءات المقترحة لتعزيز دور الجمعيات الأهلية والتعاونية في التنمية والتنشئة الديمقراطية. ثم يعالج في القسم الأخير التنسيق بين شركاء التنمية بما فيهم الجمعيات الأهلية والتعاونية. فعن الدور الاجتماعي الاقتصادي للجمعيات الأهلية يبدأ شكر برصد المشاكل الاقتصادية ذات البعد الاجتماعي والمتوطنة في المجتمع المصري والتي أهمها الفقر والبطالة والتهميش .

حيث تعرض لكل من هذه المشاكل موضحا الخصائص المميزة لها في المجتمع المصري ، إلا أن جل ما ركز عليه المؤلف واقترحه أيضا كأحد الحلول لهذه المشاكل هو ما يعرف بـ « التنمية البشرية» والتي يعرفها بأنها طبقا للبرنامج الإنمائي للأمم المتحدة ومراكز البحث الأكاديمية على أنها توسيع خيارات الناس وقدراتهم من خلال تكوين رأس مال اجتماعي لتلبية احتياجات الأجيال الحالية بأحد الطرق الممكنة دون الإضرار باحتياجات الأجيال اللاحقة.

ثم يوضح أن هذا التعريف للتنمية البشرية يتضمن عددا من الأهداف أهمها تحرير البشر من كل ما يعترض طريقهم لتطوير معارفهم وقدراتهم وتمكينهم من الارتقاء بهذه المعارف والقدرات ، واكتساب المهارات والخبرات التي تمكنهم من إطلاق طاقات الإبداع الكامنة . كما يهدف أيضا إلى تمكين البشر من توظيف معارفهم ومهاراتهم وخبراتهم في أعمال مفيدة من خلال التوسع المستمر في الطاقات الإنتاجية التي تكفل فرصا كافية لتشغيل كل قادر على هذا العمل وراغب فيه،

وتحرر البشر أيضا من القيود التي تحرمهم من المشاركة في صنع القرارات التي تمس شؤون حياتهم وشؤون مجتمعهم حيث أنه من خلال عملية المشاركة المنشودة ستتحول الجماهير ـ وخاصة الفقراء والمتعطلين عن العمل ـ من متلقية سلبية للمساعدات إلى فاعل إيجابي مبادر ووسيط في عملية التغيير الاجتماعي.

وفي هذا الإطار يبرز دور القطاع الأهلي الذي يتطرق اليه شكر من خلال ما أطلق عليه « التكامل بين الدولة والقطاع الأهلي في التنمية البشرية » ويقصد بهذه العبارة أن لكل من القطاع الأهلي والدولة دوره المميز والمكمل لدور الأخر دون الاستغناء عن أي من الدورين، حيث تتحمل الدولة مسؤولية توفير الإطار التشريعي المناسب والإستراتيجية الكفيلة بطرح مهام محددة وبناء أطر تنظيمية قادرة على تمكين كل راغب في المشاركة من أن يقوم بدور محدد ، والمساهمة بدور كبير في توفير المصادر المالية.

أما عن القطاع الأهلي فهو قادر على تعبئة موارد وطاقات إضافية بطريقة لا تستطيع الدولة أن تقوم بها خاصة وأن الجمعيات الأهلية تنشط وسط الناس وتتوافر لديها معرفة أكبر باحتياجاتهم التفصيلية ومدى استعدادهم للمشاركة والطرق المناسبة لتمكينهم من تطوير قدراتهم، سواء في مجال الحصول على معارف أكثر أو التدريب على مهن أفضل أو ممارسة أعمال أكثر قدرة على تحسين دخولهم وتمكينهم من الارتقاء بمستوى معيشتهم.

وهنا يذكر عبد الغفار شكر بالأمثلة الدليل على نجاح هذا التكامل بين كل من الدولة والقطاع الأهلي من خلال نماذج لإنجازات القطاع الأهلي التنموية.ففي القطاع الصحي قامت العديد من الجمعيات الأهلية المصرية بإنشاء عدد من المستشفيات العريقة ذات السمعة الطيبة في المدن الرئيسية بجانب عدد من المستوصفات الخيرية في المدن والقرى بعضها قائم بذاته وبعضها ملحق بمساجد أو كنائس. وعلى الصعيد الاقتصادي

فقد كانت إحدى التجارب الناجحة والمتمثلة فيما يعرف بـ « مشروع الأسر المنتجة » والذي امتد لجميع محافظات مصر، حيث أنه مشروع اجتماعي يهدف إلى تنمية الموارد الاقتصادية للأسرة المصرية من خلال استثمار طاقات وقدرات أفرادها داخل المنزل ، حيث يتم تيسير الحصول على قروض مالية من أجل استثمارها في صناعات صغيرة وحرف بيئية بغرض تحويل الخامات الأولية المتوفرة إلى منتجات تحتاجها الأسواق الداخلية والخارجية ومن ثم تحويل الأسرة إلى وحدة إنتاجية بدلا من وحدة متلقية للمساعدات.

وينتقل بنا عبد الغفار شكر إلى أحد أهم الأدوار التي يمكن أن يلعبها القطاع الأهلي وهو دوره فيما يعرف ب « التنشئة الديمقراطية » حيث تتيح الجمعيات الأهلية لأعضائها فرص كبيرة لتشرب القيم الديمقراطية واكتساب السلوك الديمقراطي. وذلك من خلال المشاركة التطوعية في العمل العام ،

وممارسة نشاط جماعي في إطار حقوق وواجبات محددة للعضوية، والتعبير عن الرأي والاستماع للرأي الآخر والمشاركة في اتخاذ القرارات بجانب المشاركة في الانتخابات لاختيار قيادات الجمعية وقبول نتائج الانتخابات سواء كانت موافقة لرأي العضو أم غير موافقة له ، والمشاركة في تحديد أهداف النشاط وأولوياته والرقابة على الأداء وتقييمه، وبالتالي فإنه عندما ينشط العضو في الجمعية الأهلية التابع لها وفق هذه الأسس والقيم فإنه يتدرب عمليا على أهم مقومات الديمقراطية ويصبح مهيئا للانخراط في النشاط العام بالمجتمع في إطار ديمقراطي.

وبالتالي عندما يكتسب المواطن خبرة الممارسة وفق هذه الأسس والقيم الديمقراطية فإنه يصبح طرفا فاعلا ومشاركا في الممارسة الديمقراطية في المجتمع ككل. وعلى ذلك يقرر المؤلف أنه إذا توفرت هذه البيئة الديمقراطية الداخلية في منظمات المجتمع المدني الأهلية منها والتعاونية وعلى رأسها الجمعيات الأهلية فسيكون هذا بمثابة البنية التحتية لنظام ديمقراطي فاعل في المجتمع ككل، وتصبح الديمقراطية بناء من أسفل يشمل كل أفراد الشعب تربية وتدريبا وممارسة.

ألفت عبد الله

* الكتاب:الدور التنموي والتربوي

للجمعيات الأهلية والتعاونية في مصر

* الناشر:الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة 2005

* الصفحات: 217 صفحة من القطع الكبير