هو الكتاب الأول الذي يصدر احتفالاً باختيار حلب عاصمة الثقافة الإسلامية (1427 ـ 2006م) ضمن سلسلة كتب ستصدر تباعاً في هذه المناسبة. ومؤلف هذا الكتاب محمد خورشيد أفندي الكردي واحد من المصلحين المتنورين الذين عاشوا في حلب في الربع الأخير من القرن التاسع عشر.
وكتابه يدل على أنه مثقف جمع بين الأصالة والمعاصرة بما فيها معارف الغرب وعلومه. أما محقق الكتاب فهو الباحث محمد كمال من مواليد حلب في العام 1938م حاصل على الإجازة في اللغة العربية وآدابها، وعلى شهادة الدبلوم في التربية، وقد عمل فترة طويلة في التدريس، وله أبحاث ومحاضرات عدة في التراث والنقد الأدبي الحديث، إضافة إلى الشعر الذي صدر له فيه ديوان: «حريق الفصول».
ومن الكتب التي حققها وأشرف على طباعتها: «موسوعة حلب المقارنة للعلامة خير الدين الأسدي»، «وإعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء للشيخ راغب الطباخ»، و«الدّر النضيد من كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه»، و«الدراري في ذكر الذراري لابن العديم».
يشير المحقق في المقدمة إلى أنه حصل على صورة من مخطوطة هذا الكتاب من مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث في دبي،
وإلى أنها تقع في 76 صفحة، وكل صفحة تضم «20» سطراً تقريباً، ومقاسها (24 x 15)، ويغلب الظن أنها كتبت في العقد التاسع من القرن التاسع عشر. وقد رأى مؤلف المخطوطة ألا تكون سانحته فكراً جامداً، أو عظة مملة، فنحا في أسلوبه منحى القصة الحوارية، ذات الشخصيات المتميزة بآرائها وتكوينها وتوجهاتها الفكرية والنفسية، وهي ثلاث شخصيات: الراوي الذي يمثل شخصية المؤلف نفسه، وعارف الذي يمثل الفكر الحر والرأي السديد، وأبو عمرو الذي يمثل صورة ناطقة عن العامة الدهماء الذين ركنوا إلى الأوهام واستجابوا لدواعي الخرافة والتقليد.
ويوضح المؤلف في مقدمته السبب الذي حمله على وضع هذه الرسالة وهو شدة الغيرة على الشريعة المحمدية، وزيادة الحرص على مصالح المسلمين. ولا سيما بعدما كثرت في زمنه البدع والحيل والكذب والدجل، وقل الحياء من الوجوه، والنخوة من الرؤوس، والشفقة والمرحمة من القلوب، وصار أكثر الناس يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً ويجعلون الدين سلما إلى الدنيا، ويحصنّون متاعهم ومالهم بعرضهم، ويجمعون الفلوس بترك الناموس، ويهون عليهم ظلم العباد وغشهم لأجل الدرهم والدنيا، ومع ذلك كنت ترى فيهم تجبراً وفظاظة، وتكبّراً وغلاظة.
ويشترط المؤلف على القارئ أن يدقق الفكر في قضايا سانحته ويزيد التأمل في معانيها، لتظهر له مقاصد المؤلف، ولا يبادر إلى الإنكار والاستخفاف، بمجرد ما اشتبهت عليه عبارة من أول وهلة، بل عليه أن يتروّى بفهم رموزها، ويزينها بميزان الشريعة، ثم يعمل بموجبها.
ولا عبرة بمن يطعن بها جزافاً أو عناداً، لأن كثيراً من الناس يعرفون الحقائق، ولكن يكتمونها مخافة أن تنضب مادة معاشهم من إفشائها، فتراهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ويكتبون خلاف معتقدهم، وضد ما انطوت عليه ضمائرهم، مما هو نفاق، وفي اصطلاح أهل السياسة يسمى مداراة.
ومن خلال الحوار بين شخصين عارف وأبي عمرو يستعرض المؤلف (الراوي) واقع المجتمع الحلبي في ظل الدولة العثمانية التي بدأت تلفظ أنفاسها منذ منتصف القرن التاسع عشر، وتضعف عن حماية العالم الإسلامي، وكان لضعفها السياسي انعكاساته الوخيمة على الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، فعمّ الجهل وانتشر الفساد، في الوقت الذي كانت فيه البلاد الأوروبية تأخذ بأسباب العلم والمدنية،
وتهدّد العالم لا بقوتها العسكرية والتنظيمية فحسب وإنما بما وصلت إليه من اختراعات وحققته من منجزات.ومن أبرز الظواهر التي ينتقدها المؤلف على لسان عارف ما كان قد وقر في أذهان العامة من قدرة بعض المشعوذين على استخدام المردة والشياطين، وتسخِرهم لما يبتغون من مصالح وأغراض. وكذلك ادعاء بعض المخادعين مزاولة الكيمياء وتحويل المعادن الرخيصة إلى نفيسة، وممارسة بعضهم التنجيم والعلوم الروحانية.
بالإضافة إلى انتقاده لبعض الطرق الصوفية المتأخرة، وما كانت تمارسه من طقوس واعتقادات تخرج بها عن حدود السلوك الديني السليم، وتسيئ إلى نقاء التصوف المأثور عن خيرة العلماء والعارفين. ويقف المؤلف في موضع آخر عند أعراب البادية في ذلك الزمن فيصف أشكالهم وهيئاتهم، وما هم عليه من طباع وعادات في طعامهم وشرابهم وطرائق زواجهم وسائر معاملاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية.
وكاتب السانحة في هذا كله ـ على حد تعبير المحقق ـ يمزج الجد بالهزل، والنثر بالشعر، والفصحى بالعامية، والألم بالسخرية، وينهج في أسلوبه منهج السجع الذي كان حلية أساليب ذلك العصر، ولكنه سجع على تكلّفه ومخالفته بعض قواعد اللغة العربية، يزيد من حدة السخرية والتهكّم، ويرسم البسمة على وجه القارئ حين يمر بوصف بعض المعايب والنقائص، أو بتصوير مظاهر الجهل والغرور عند العامة، ولا سيّما ما كان ينطق به أبو عمرو من حجج تعلن عن فساد عقله، وتبجّح يشير إلى خطل رأيه.
ثم ينتقل مؤلف السانحة إلى بيان سر النهضة الأوروبية فيرى أنه يكمن في الإقبال على العلم وفي رواج الصحافة التي تنشر الصنائع الغريبة والمبتكرات العجيبة، وبدائع الآداب، ومفاكهات الكتاب، وحسنات المحسن فيزداد في إحسانه، وسيئات المسيء فيرتدع عن إساءاته وإيجاد الألفة بين الناس وتحاببهم على اختلاف أديانهم ومذاهبهم،
ففوائدها لا تحصى، وعموم منافعها لا تستقصى. ويلي هذه المخطوطة رسالة «القول المبذول في تراجم النُّغول» لصاحب السانحة نفسه، وتتناول هذه الرسالة قضية سياسية وقعت في زمن جميل باشا الذي كان والياً على حلب من سنة 1879م إلى سنة 1885م، فقد كان يعامل الأغنياء والوجهاء بالشدة، ويضايقهم كثيراً في دفع ما عليهم فأدى ذلك إلى نشوب خصومات عنيفة بلغت أصداؤها الباب العالي في الأستانة، حتى وقعت حادثة الاعتداء عليه برصاص أحد المحامين، فلم يصبه ونجا جميل باشا من هذه المحاولة.
نذير جعفر
* الكتاب: سانحة أدب من ساحة حلب
* تأليف: محمد خورشيد أفندي الكردي
* تحقيق: محمد كمال
*الناشر: فصّلت للدراسات والترجمة والنشر ـ حلب 2006
* الصفحات: 144 صفحة من القطع الصغير

