مؤلف كتاب «الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة» هو الشيخ «زين الدين أبو يحيى زكريا بن محمد بن زكريا الانصاري» المولود في قرية «سنيكة» بمصر سنة 824هـ، ورحل إلى القاهرة، وقصد الأزهر سنة 841ه. ثم غادر مصر إلى الحجاز، حيث حج، وقد رزق بأولاد كانوا أئمة من بعده في علوم الدين والقضاء والبحث وقد توفي الشيخ «زكريا» سنة 926ه، عن مئة وسنتين، ودفن قريباً من قبر الإمام الذي انتسب إلى مذهبه، وكان من أئتمته وأعلامه وهو الإمام الشافعي رضي الله عنه، بعد أن ترك ثروة علمية شاهدة على علمه وفضله.
نشأ الشيخ زكريا في قريته يتيماً فقيراً، وقامت على رعايته أم صالحة أسلمته إلى شيخ صالح تكفلّ به، فحفظ القرآن الكريم، وعمدة الأحكام، وحين رحل إلى القاهرة والتحق بالأزهر الشريف، عانى الفقر والحرمان، حتى هيأ الله له رجلاً صالحاً، رعاه وتكفل به، وقد حدثنا عن هذه المرحلة من حياته فقال: «جئت من البلاد وأنا شاب، فلم أعكف على الإشتغال بشيء من أمور الدنيا.
ولم أعلّق قلبي بأحد من الخلق، وكنت أجوع في الجامع كثيراً، فأخرج في الليل، فأغسل ما أجده من قشيرات البطيخ وآكلها، وأقنع بها عن الخبز، فأقمت على ذلك سنين، ثم إن الله تعالى قيّض لي شخصاً من أولياء الله تعالى، كان يعمل في الطواحين، في غربلة القمح، فكان يتفقدني، ويشتري لي ما احتاج من الأكل والشرب والكسوة والكتب».
وهكذا مضى الشيخ زكريا إلى العلم والمعرفة، ومازال في علم يزداد وجد يصعد، حتى تبوأ منزلة رفيعة في عصره.
فنعت: بزين العابدين، ومحيي الدين، وشيخ الإسلام، وقاضي القضاة، وسيد الفقهاء.. وقد وصفه تلميذه الشعراني فقال: «خدمته عشرين سنة، فما رأيته قط في غفلة، ولا اشتغال بما لا يغني لا ليلاً ولا نهاراً». وقد ترك لنا الشيخ زكريا قرابة أربعة وسبعين كتابا منها: نهج الطالب لأشرف المطالب، هداية المتنسك وكفاية المتمسك، منهج الوصول إلى تخريج الفصول، لب الأصول، الغرر البهية، فتح الباقي، شرح صحيح مسلم، شرح الأربعين النووية، الدرر السنية في شرح الألفية، ونلاحظ ان معظم الكتب هي كتب في الفقه والحديث وقليل في اللغة والبيان.
أما كتاب الشيخ زكريا «الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة» فهو رسالة جمع الشيخ فيها طائفة من الألفاظ المتداولة في أصول الفقه والدين وأورد معانيها. وفرق في كثير منها بين معناها اللغوي، ومعناها الاصطلاحي الفقهي، وبين غرضه من وضعها فقال: لما كانت الألفاظ المتداولة في أصول الفقه والدين مفتقرة إلى التحديد، تعين تحديدها لتوقف معرفة المحدود على معرفة الحد.
ولم يكن إيراد الشيخ للألفاظ مرتباً وفق حروفها، ولا كانت شروحه لها مطلولة، بل كانت غاية في الإيجاز .
فمثلا يقول: الحد لغة: المنع، ومنه سمي البواب حداداً لمنعه الناس عن الدخول، واصطلاحاً: الجامع المانع، ويقال المطرد المنعكس، وحدود الشرع موانع وزواجر، لئلا يتعدى العبد عنها ويمتنع بها.
أو قوله: الشك: ما استوى طرفاه، السهو: الغفلة عن المعلوم، الهوى: ميل القلب إلى ما يستلذ به، الخطاب: توجيه الكلام نحو الغير للإفهام، والمراد بخطاب الله: افادة الكلام النفسي الأزلي. وقد التزم الشيخ فيها مذهبه الشافعي، وكان أحياناً يختم الحد بقوله (عندنا) يعني عند الشافعية، إذا كان للكلمة معنى مختلف عند غيرهم.