مؤلف هذا الكتاب هو د. رغيد الصلح، الكاتب والباحث اللبناني، الذي شغل سابقاً مسؤوليات عدة. وهو من المساهمين في تأسيس مشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، ويديره حالياً إلى جانب د. علي الكواري. له العديد والدراسات والمؤلفات، منها: «حرب بريطانيا والعراق»، و«لبنان على طريق المستقبل»، و«حوار من أجل الديمقراطية» بالاشتراك مع برهان غليون. وفي كتابه الجديد «لبنان والعروبة» يتناول رغيد الصلح مرحلة تأسيسية مهمة من تاريخ لبنان، كدولة، وعروبة لبنان.
حيث يتمحور كتابه على عملية الوفاق الوطني التي بدأت بالظهور عام 1936 وصولاً إلى عام 1943 التي توجت بالميثاق الوطني اللبناني، وبدا وقتها أن اللبنانيين توصلوا إلى صيغة توافق بين القومية اللبنانية والقومية العربية، مكّنت لبنان من الحصول على استقلاله عن فرنسا، ومن أن يكون لاعباً فاعلاً في تأسيس النظام الإقليمي العربي.
لكن الكتاب يغطي الفترة بين 1920 و1990، مع تركيز خاص على السنوات من 1936 إلى 1945، أي حيث بدأت مسيرة المصالحة الوطنية اللبنانية تظهر إلى الوجود، ثم تتوجت عام 1943 الذي أعقبه انضمام لبنان إلى الجامعة العربية والذي دعم المصالحة اللبنانية مع القومية العربية. وبالتالي يركز الكتاب على تطور لبنان من كونه «مقراً لنفوذ الفرنسي»، و«وطناً مارونياً» كما فهمه مؤسسو لبنان الكبير، إلى بلد ذي «وجه عربي» كما صرح بشاره الخوري ورياض الصلح زعيما أول عهد للاستقلال اللبناني.
وكان الهدف من الصيغة التي تمّ التوصل إلى إطلاق مرحلة جديدة من العلاقات الوفاقية بين لبنان والقومية العربية، فهي تعمل على إرضاء القوميين اللبنانيين وآمالهم في الحفاظ على سيادة البلاد واستقلالها والأهداف الوحدوية لدى القوميين العرب اللبنانيين. ولكن صيغة «الوجه العربي» تركت الباب مفتوحاً أمام تفسيرات مختلفة لعروبة لبنان.
فهي في نظر القوميين اللبنانيين تعني أن لبنان «أقل عروبة من الآخرين»، أي من بقية البلاد العربية، بل هي تعني في نظر المتشددين منهم أن لبنان «غير عربي» أو بالأحرى أن لبنان مازال معادياً للعروبة. واعتقد القوميون اللبنانيون أن القوميين العرب بموافقتهم على الميثاق الوطني تخلوا عن قضية الوحدة العربية وأنهم قبلوا لبنان كدولة «نهائية»، وقادهم اعتقادهم إلى استعمال الأساليب القمعية ضد القوميين العرب اللبنانيين.
وهذا الموقف هو الذي دفع أصحابه إلى تحالفات خلافية مع قوى مناهضة للعرب في المنطقة في ذلك الوقت، وأدت نزعة الخصوصية اللبنانية هذه إلى محاولات لإقصاء القوميين العرب عن السياسة وعن البرلمان وأعاقت بذلك تطور الديمقراطية اللبنانية والمجتمع المدني. ويحلل رغيد الصلح العملية التي تمكن بوساطتها هنري فرعون وأضرابه من «أنصار البحر المتوسط» من إسقاط حكومة رياض الصلح،
ويردها إلى أنهم رأوا في بروتوكول الاسكندرية عام 1944، الذي ساهم رياض الصلح في وضعه، عبارة عن مسودة لخلق دولة كبرى عربية اتحادية. وحين جرى إقرار ميثاق الجامعة العربية في القاهرة العام 1945 نجح هنري فرعون في إضعاف صوغ بروتوكول الاسكندرية واستبداله بصياغة حول الحد الأدنى من التعاون العربي. لكنه أمرّ يكشف جذور الضعف الحالي للجامعة العربية وفاعليتها.
ويشهد تاريخ لبنان، على اضمحلال الميثاق الوطني اللبناني خلال العشرية ما بين 1948 و1958 بشكل تدريجي، تحت تأثير اغتيال رياض الصلح، وهزيمة العرب في فلسطين، والانقلابات على الأنظمة المدنية في سوريا ومصر. واعتبرت هزيمة 1948 هزيمة للعروبة، وأدى ذلك إلى ضعف وضياع القوميين العرب اللبنانيين. وبعد عام 1958، لم يعد الميثاق الوطني رمزاً للشراكة ما بين اللبنانيين على اختلاف مواقفهم ومذاهبهم.
بل أصبح مجرد ترتيب بين القوميين اللبنانيين من جهة، يمثلهم رئيس الجمهورية، ودولة عربية إقليمية من جهة أخرى، بدءاً بالرئيس عبد الناصر، ثم بمنظمة التحرير الفلسطينية، وصولاً إلى الرئيس السوري حافظ الأسد. والمهم في هذا المجال هو استخلاص دروس التجربة التي أعطاها كل فارس من فرسانها، وفي مقدمتهم رياض الصلح، إعطاء فريداً وعميقاً، وأولها أن لبنان لا يتحمل وحده مسؤولية الإشكال العروبي،
بل هناك ممارسات أنظمة ومنظمات وأفراد تقع عليها المسؤولية الأكبر في هذا الإشكال. فالعروبة نابعة من قلب هذا البلد، من جبله وسهله، بل من عاصمته بيروت وعاصمته الثانية طرابلس خصوصاً، وكانت مشروعاً لصوغ العلاقة بين لبنان وتاريخه وجغرافيته، وبين لبنان وثقافته ومصالحه الحقيقية، وبين لبنان وماضيه وحاضره ومستقبله. وكانت دوماً استقلالية، حيث كان القوميين العرب اللبنانيين حجر الزاوية في كل حركة استقلالية.
إضافة إلى أن العروبة كانت حركة ديمقراطية دستورية، وأنها كانت مرتبطة بهموم الناس اليومية والمعيشية، ولم تكن حركة إقصائية، حتى للفئات التي تنكر على لبنان أي انتماء عربي.
وكما يظهر من الكتاب، فإن العروبيين اللبنانيين تصرفوا كجزء فاعل من حركة قومية عربية واسعة، يشاركون في صوغ القرار كما في تنفيذه. ومن الصعب القول إن عموم «الكيانيين» أو المتحفظين عن العروبة كانوا دائماً على المسافة نفسها من العروبة. وقد نجح رغيد الصلح في كشف أن التحفظ عن العروبة والعلاقة التكاملية بين الدول العربية لم يكن تحفظاً «لبنانياً» معزولاَ،
أو تحفظ بعض اللبنانيين خصوصاً، بل أنه تحفظ يجد له صدى وتعاطفاً في غير عاصمة عربية وبلد عربي، وعروبة لبنان كانت عروبة القضايا العاجلة في الأمة العربية وفي مقدمتها قضية فلسطين. لكن الصلح يعتقد أن من الأسباب الرئيسية والمهمة التي لعبت دوراً في إثارة الأزمات والمشاكل في لبنان وأعاقت التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، أي التطور على كل صعيد هو وجود نزعة إقصائية على مستوى النخب السياسية.
لأن لبنان أساساً كانت فيه ـ ولا تزال ـ نزعتان قويتان: النزعة القومية اللبنانية التي تؤكِّد على الولاء للدولة اللبنانية بحدودها الراهنة وبمقوماتها الراهنة، ونزعة أخرى لا تستهين ولا تستخف بالدولة اللبنانية .
وكان المأمول من لبنان هو أن يتطور كي يصبح «فسحة للديمقراطية» في العالم العربي، الأمر الذي يتطلب منه أن يهضم داخلياً ويطور مبادئ الديمقراطية ومؤسساتها، وأن ينشئ أحزاباً جماهيرية تتجاوز الفروقات الطائفية والمذهبية، وأن يلعب دوراً أكثر فاعلية في النظام الجمعي العربي، خصوصاً في الأربعينات حين كانت النخبة الحاكمة في لبنان على علاقة وثيقة بالنخبة الحاكمة في الدول العربية الأخرى.
والملاحظ من قراءة الكتاب أن العروبة كما طُرِحَت في لبنان، ليست فكرة أيديولوجية بحتة، كما أنها ليست فكرة تحمل نزعة إطلاقية أو إقصائية كالتي حملها قوميو حزب البعث، بل كانت فكرة قادرة على تفهم الخصوصيات، ووفق هذا المعنى يكتسب طرح الكتاب في عالم اليوم ونشره أهميته تتعدى لبنان، لتطاول المنطقة العربية برمتها، من جهة أن هناك مشكلة مع طروحات العروبة في
كل بلد عربي تقريباً،
كما أن هنالك هجمات تستهدف العروبة كإيديولوجيا، وتستهدف عروبة العديد من الكيانات بأسماء مختلفة وبصيغ مختلفة. وعليه فإن نقد التجربة اللبنانية قد يسهم في تأسيس نوع من عروبة قادرة على أن تفهم الهواجس والحساسيات، سواء أكانت دينية أم عرقية أم إثنية، ولا شك
في أنها تتصل بمختلف مكونات البلدان العربية، وبهذا المعنى أيضاً يكتسب الكتاب أهمية عميقة.من حيث الصياغة، يشمل الكتاب على أمرين بالغي الأهمية: الجانب التوثيقي، حيث يوثِّق بشكل دقيق لمرحلة مهمة وتأسيسية في حياة لبنان وفي حياة الفكرة العربية نفسها في لبنان وفي المنطقة،
وأيضاً أن اعتماده التوثيق لم يؤثر التحليل الدقيق، وتكتسب أهمية الكتاب بأن الكاتب بذاته ينتمي فكرياً إلى خط فكريٍّ وسياسيٍّ معروف هو الخط العروبي الديمقراطي من جهة، وينتمي إلى بيئة عائلية ساهمت مساهمة كبيرة في صياغة هذه المرحلة من جهة أخرى. وعليه بدا الكتاب وكأنه مكتوب من داخل تلك الأحداث.
كما يستند الكتاب إلى معلومات مستقاة بدقة بالغة من الأرشيف الدبلوماسي البريطاني والفرنسي والأميركي، ومن مجموعة من الأوراق الخاصة كأوراق كاظم الصلح، ومن مواد منشورة ومقابلات مع لاعبين أساسيين وشخصيات لبنانية وعربية فاعلة.
عمر كوش
* الكتاب: لبنان والعروبة
الهوية الوطنية وتكوين الدولة
* الناشر: دار الساقي ـ بيروت 2006
* الصفحات:422 صفحة من القطع المتوسط

