مؤلف هذا الكتاب هو الباحث جيوفاني فرانسيزيو المختص بتاريخ جزيرة صقلية ومعالمها وآثارها والحضارات التي تعاقبت عليها. وهو يقدم هنا دراسة تاريخية عامة عن هذه البلاد التي تقع جنوب إيطاليا والتي قال عنها شاعر الألمان غوته العبارة التالية: إن من زار إيطاليا دون أن يزور صقلية لم يزر شيئا !
وهذا أكبر دليل على مدى أهمية هذه الجزيرة المتوسطية الخارقة الجمال. ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: إن الشواطئ المشمسة لصقلية وحسن ضيافة سكانها وترحيبهم بالأجانب ينسيانك كل التعب والعناء الذي تجشمته للوصول إليها. فالجمال الساحر لهذه الأرض المتوحشة التي لم تفسدها الحضارة بعدئذ يذهلك عن نفسك ويمتلك كل أحاسيسك ومشاعرك.
وقد قال عنها الكاتب الفرنسي الشهير غي دومباسان ما يلي: إن لصقلية الحظ في أن تعاقبت عليها حضارات غنية وخصبة مختلفة. فتارة كان الغزاة يجيئونها من الشمال وتارة من الجنوب. وكلهم جبلوها بحضاراتهم المتنوعة الشديدة الثراء. وبالتالي فهي جزيرة تضج بالتناقضات وتغتني بها في الوقت ذاته.
ثم يردف المؤلف قائلا: في القرن التاسع قبل الميلاد تدهورت أحوال صور في لبنان فهجر الفينيقيون المشرق وذهبوا لاستعمار إفريقيا الشمالية وتأسيس مدينة قرطاج هناك. ولا تزال معالمها الأثرية باقية في تونس حتى الآن. وهي تدهشنا بصمودها وتحديها لمئات القرون. فأطلالها لا تزال واقفة تشهد عليها.
ثم جاء الرومان بدورهم لكي يجلوا الإغريق عن الجزيرة ويحلوا محلهم بقوة السلاح. وقد استطاع البيزنطيون الهيمنة على المنطقة عام 535 بعد الميلاد. وبما أن سكان الجزيرة كانوا قد بقوا إغريقا في أعماق قلوبهم فإنهم استقبلوا الفاتحين البيزنطيين بالورود والرياحين. ومعلوم أن بيزنطة كانت يونانية اللغة والثقافة. صحيح أنها كانت تابعة للإمبراطورية الرومانية سياسيا إلا أنها كانت متشبعة بحضارة اليونان.
ثم يردف المؤلف قائلا: وبعدئذ جاء دور العرب والمسلمين. فبعد أن نجحت الفتوحات في المشرق واستولت على سوريا، ومصر، والعراق، وبلاد فارس، الخ. انتقلت إلى المغرب وشمال إفريقيا. وكانت محكومة من قبل الرومان. وقد بدا البيزنطيون عاجزين عن صدّ موجات الفاتحين المسلمين. وأصبحت صقلية عرضة للغزوات السورية والمصرية قبل أن يفتحها العرب تماما عام 827م أي في بداية القرن التاسع الميلادي.
والواقع أن العرب استغلوا التناقضات الداخلية للجزيرة. وعن طريق التعاون مع طرف ضد طرف آخر استطاعوا أن يفتحوا ثغرة في دفاعاتها فاحتلوا «باليرما» عام 831م و«سيراكوزا» عام 878م.
ثم يردف المؤلف قائلا: وقد استوطنت المستعمرات العربية أساسا في المنطقة الغربية من صقلية. وكان السكان الأصليون يدعونهم بالسراسين، وهو مصطلح يدل على عرب سوريا، وعرب مصر، وبربر شمال إفريقيا، ومسلمي إسبانيا في آن معا. بمعنى أنهم كانوا يخلطون بين العرب والبربر ولا يفرقون بينهما. وبعد أن فتحها المسلمون راحوا يقيمون مباشرة ثكنات عسكرية عربية في باليرما وثكنات بربرية في مدينة أغريجنتا.
وقد قسم العرب أو المسلمون الجزيرة إلى ثلاث مناطق أساسية: منطقة وادي المزارة الواقعة في الغرب وقد انتشر فيها الإسلام إلى حد كبير عندما غير السكان دينهم المسيحي واعتنقوا الدين الجديد. ومنطقة وادي دي نوتو في الجنوب الشرقي، ومنطقة وادي ديمونا في الشمال الشرقي حيث بقيت أقلية مسيحية معتصمة في أعالي الجبال. ومن هناك كانت تقود المقاومة ضد المسلمين. وكانت مقاومة على هيئة فدائيين أو مغاوير. ومعلوم أن الجبال الوعرة تساعد على هذا النوع من المقاومة.
ولكن كان يوجد في الجزيرة يهود أيضا. وقد اتبع معهم المسلمون سياسة شديدة التسامح بشرط أن يقبلوا بوضع الذميّ: أي أهل الكتاب. وسمحوا لسكان صقلية بالاحتفاظ بعاداتهم وتقاليدهم وإدارتهم المحلية بشرط أن يدفعوا الجزية. وهكذا طبقوا الشريعة الإسلامية عليهم.
وكانت إمارة صقلية الإسلامية مستقلة عمليا عن القيروان عاصمة الأغالبة. ولكنها كانت تابعة لهم نظريا. ومعلوم أن الهيمنة الإسلامية كانت قد امتدت آنذاك لكي تشمل جزءاً كبيرا من حوض البحر الأبيض المتوسط انطلاقا من سوريا وانتهاء بإسبانيا مرورا بمصر وسواها. وقد استفادت جزيرة صقلية من هذا الوضع لكي توسع مجال تجارتها مع العالم الخارجي وتستورد مواد جديدة غير معروفة سابقا. وبالتالي فاحتلالها من قبل العرب لم يكن نقمة وإنما نعمة لأنه أتاح لها أن تتعرف على حضارة جديدة وتغتني بعطائها وثرواتها.
وقد دشن العرب هناك سياسة الإصلاح الزراعي وحسنوا نظام الريّ وحبّذوا نشوء ملكيات فردية صغيرة للمزارعين. وشجعوا السكان المحليين على زرع الحمضيات التي لم تكن معروفة في البلاد.
كان العرب آنذاك أصحاب حضارة كبيرة، وكانوا يقدمون للآخرين أفضل ما عندهم. كما أدخلوا إلى هناك زراعة قصب السكر، والقطن، وشجر التوت. وكان هذا الأخير يستخدم من أجل تربية دود القز والحصول على الحرير. كما أدخلوا إلى صقلية شجرة النخيل لأول مرة وهي رمز العرب، وكذلك زراعة البطيخ الأحمر والأصفر، الخ.
وبدءاً من صقلية، وإسبانيا أيضا، راحت هده المنتجات الجديدة تدخل إلى كل أنحاء أوروبا. وقد دخلت في معظم الأحيان مع أسمائها. ولذلك تركت اللغة العربية بصماتها على اللغات الأجنبية كالفرنسية والإسبانية والإيطالية والانجليزية. فالتفاعل الحضاري يؤدي إلى تفاعل لغوي. ثم يردف المؤلف قائلا:
ولكن معظم هذه الزراعات الجديدة كانت تتطلب الكثير من الماء. ولذلك استخدم المسلمون نظام الريّ الروماني بعد أن أدخلوا عليه تحسينات كبيرة. فقد أضافوا النواعير والقناطر وأشياء أخرى. وبالتالي فالعرب لم يكونوا فقط ناقلين للحضارة وإنما كانوا صانعين لها ومضيفين إليها أيضا.
وحسّن المسلمون أيضا تقنيات استخراج المعادن من الأرض كالكبريت، والرصاص، والفضة، الخ. وراحوا يعلمون الناس كيف يمكن أن يستخرجوا الملح من ماء البحر، وكيف يصطادون السمك بكل أنواعه.
ومعلوم أن حضارة العرب كانت متقدمة على أوروبا آنذاك من الناحية العلمية والتكنولوجية والفلسفية. ثم راح المسلمون يبنون في صقلية القصور والمساجد الرائعة والحدائق المليئة بالنافورات وأحواض المياه. وراحوا يعلمون السكان الأصليين فن الخط، والزخرفة العربية الإسلامية الشهيرة. ولا تزال آثار الحضارة العربية ـ الإسلامية موجودة بكثرة في صقلية وشاهدة على عظمة الماضي.
وقد زار ابن حوقل مدينة باليرما عام 950 وخلّف لنا وصفا دقيقيا للمدينة وللحضارة العربية الإسلامية في صقلية. ومعلوم أنه كان تاجرا من بغداد ومؤرخا وجغرافيا في ذات الوقت. ولا تزال آثار بعض البنايات والمساجد التي وصفها ماثلة للعيان حتى الآن. لا تزال شامخة تتحدى الزمن. ولا يزال العربي يشعر بأنه في بيته تقريبا عندما يزور صقلية.
هذا فيما يخص الماضي البعيد. وأما فيما يخص الحاضر فيقول المؤلف ما معناه: إن باليرما هي الآن عاصمة جزيرة صقلية. ويبلغ عدد سكانها ثمانمئة ألف نسمة. وقد اشتهرت بجمالها الذي طالما تغنى به الكتاب والشعراء.
ولكن لسوء الحظ فإن سمعتها اختلطت بسمعة المافيا السوداء. فما هي المافيا يا تُرى؟ إنها عبارة عن منظمة إجرامية بدون شك. ولكن كلمة المافيا بالمعنى الواسع للكلمة تدل على القيم الإقطاعية: أي قيم الشرف، والرجولة، والتضحية، والوفاء للعهد، الخ. وبالتالي فالمعنى العام لها والذي هو من أصل عربي ليس سلبيا على الإطلاق. ولكنه أصبح سلبيا بعد أن اختلط بتلك المنظمة الإجرامية التي عاثت فسادا في الأرض كلها، وليس فقط في باليرما وصقلية.
وأصول المافيا سرية، مجهولة. فلا أحد يعرف كيف تشكلت لأول مرة. ولكن المؤرخين يعتقدون بأن تشكلها مرتبط بالفقر المدقع واليأس وكل ما هو سلبي في الحياة. فالجنوب الإيطالي لم يحظ بعناية السلطة المركزية كما حصل للشمال. ولذلك بقي متخلفا، فقيرا، جاهلا. وقد انقسمت المافيا إلى عدة عصابات متحاربة مع بعضها البعض. وانعكست هذه الحروب والمجازر على السكان الأصليين الذين أصبحت كلمة المافيا ترعبهم مثلما ترعب القريب والبعيد. ورجال المافيا من أجرأ الناس وأكثرهم شجاعة. ولكنهم شريرون أيضا ولا يتورعون عن سفك الدم إذا لزم الأمر. وكثيراً ما يقومون بتصفية حسابات دموية فيما بينهم ويقتلون حتى أطفال بعضهم البعض.
* الكتاب:صقلية
الفن، والتاريخ والثقافة
* الناشر:ارسينال ـ لندن 2006
*الصفحات: 318 صفحة من القطع الكبير
Sicily
Art, History and Culture
Giovanni Francesio
Arsenale- London 2006
p. 318

