قام بتأليف هذا الكتاب البروفيسور ميكائيل فيربير أستاذ الآداب الانجليزية والإنسانية في جامعة نيوهامبشاير. وكان قد نشر سابقاً العديد من المؤلفات الأكاديمية. نذكر من بينها: شعر ويليام بليك (1991)، الرؤية الاجتماعية لويليام بليك (1985)، شعر شيلي (1993)، قاموس الرموز الأدبية (1999).

وبالتالي فالرجل مختص فعلا بالشعراء الرومانطيقي والمدرسة الرومانطيقية على صعيد انجلترا وأوروبا عموما. ومنذ البداية يقول المؤلف ما معناه: إن الرومانطيقية هي عبارة عن تيار فني ظهر في أوروبا الغربية أثناء القرن الثامن عشر ثم ازدهر في القرن التاسع عشر. وقد ظهر أولا في انجلترا ثم انتقل إلى ألمانيا، ففرنسا، فإيطاليا، فإسبانيا، الخ.

ولكن البعض يقولون إن أول كاتب رومانطيقي هو جان جاك روسو الذي ظهر في فرنسا لا في انجلترا. مهما يكن من أمر فإن الرومانطيقية هي حركة أدبية أو قل حساسية أدبية تختلف كثيرا عن المدرسة الكلاسيكية التي سبقتها.

فالشعراء الرومانطيقيون ركزوا على العاطفة أكثر بكثير مما فعل سابقوهم. وكانوا يستخدمون ضمير «الأنا» ويعبرون عن لواعجهم الغرامية وألمهم في هذا العالم. أما الشاعر الكلاسيكي فيأنف عن فعل ذلك ويكتم مشاعره الشخصية أو الذاتية أكثر.

إن الرومانطيقية تريد أن تستكشف كل إمكانيات الفن من أجل التعبير عن النشوة، أو الحرقة، أو اللوعة: أي لوعة القلب بسبب الفراق أو الهجران. وبالتالي فهذه الحركة الأدبية شكلت رد الفعل العاطفي ضد العقلانية الجافة أو الناشفة لعصر التنوير الذي سبقها. يضاف إلى ذلك أن الشاعر الرومانطيقي يلقي بنفسه في أحضان الطبيعة لكي ينسى أحزانه وهمومه، أو لكي يتعزى عن فراق محبوبته.

وبالتالي فلا يمكن فصل هذا الشعر عن مناظر الطبيعة الخلابة وبخاصة في فصل الربيع. ولكن الشاعر الرومانطيقي قد يسقط على الطبيعة همومه الداخلية ويجعلها تنطق وتتفاعل معه. وهذا ما فعله الشاعر الفرنسي لا مارتين مثلا عندما وصف الريف الفرنسي بوديانه وجباله، وبحيراته وأشجاره أثناء فصل الخريف. فقد أسقط على كل هذه المناظر الرائعة والحزينة لواعجه الداخلية وكتب قصائد جميلة ومؤثرة فعلا.

ثم يردف المؤلف قائلا: إن قسما كبيرا من الرومانطيقية الأوروبية ولد في بريطانيا في أواخر القرن الثامن عشر. وحب الطبيعة كان موجودا هناك قبل ظهور جان جاك روسو، وإن كان هذا الأخير قد اشتهر بذلك أكثر من غيره.

ومن أشهر الشخصيات الرومانطيقية في بريطانيا: ويليام بليك، اللورد بايرون، جون كيتس، والتر سكوت، الخ. وكلهم شعراء كبار. وينبغي أن نضيف إليهم ويليام وردزورث، وكوليردج، وشيلي. كل هؤلاء قدموا للأدب العالمي وليس فقط الانجليزي أجمل القصائد.

وأما فيما يخص ألمانيا فقد شهدت حركة رومانطيقية رائعة ومن أقوى ما يكون. وربما كانت ألمانيا قد شهدت أكبر تيار رومانطيقي في أوروبا وبخاصة في مجال الشعر والموسيقى. وتتميز الرومانطيقية الألمانية أيضا بسمات خاصة بها: كالنزعة القومية، والنزعة الخيالية المفرطة، بل وحتى الجنون.

ولكن الجوانب الاجتماعية والسياسية للرومانطيقية الألمانية أقل أهمية مما هو عليه الحال في البلدان الأخرى كفرنسا او انجلترا أو سواهما. ومن أشهر الرومانطيقيين الألمان نذكر: غوته، نوفاليس، شيلر، هولدرلين، الخ. وهم من كبار الكتاب والشعراء ويحظون بسمعة عالمية تتجاوز حدود ألمانيا. ويرى غوته أن الشجار الحاصل بين المدرسة الكلاسيكية والمدرسة الرومانطيقية يعود إلى الخلاف الذي حصل بينه وبين شيلر. فهو كان كلاسيكيا، موضوعيا، في كتاباته.

أما شيلر فكان ذاتيا، ملتهبا، عفويا: أي كان رومانطيقيا. ولكن هل حقا أن غوته لم يكن رومانطيقيا؟ والواقع أن اللغة الرومانطيقية تختلف عن اللغة الكلاسيكية من حيث التصوير، والاستعارات، والمجازات. والرومانطيقيون يعتقدون بأن لغة الشعر تختلف جذريا عن اللغة العادية اليومية وعن أي استخدام آخر للغة.

فاللغة الشعرية الرومانطيقية ليست نفعية على الإطلاق، وإنما هي انفعالية،» عاطفية، تعبر عن أعمق أعماق الإنسان. ولهذا السبب فإن الرواية الرومانطيقية أو الشعر الرومانطيقي يؤثر علينا كثيرا ويهز مشاعرنا.

وأما في فرنسا فقد كان روسو أول من دشن الكتابة العاطفية الجياشة، أي الرومانطيقية، في الأدب الفرنسي. وقد قال عنه أحد النقاد ما يلي: روسو ليس المبشر الأول بالرومانطيقية فقط، وإنما هو الرومانطيقي الأكمل. إنه كاتب رومانطيقي من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه. ويكفي أن نقرأ «اعترافاته» أو كتاباته الأخرى «كتأملات المتجول المتوحد»، أو «كهلويز الجديدة» أو سواها لكي نتأكد من ذلك. وإذا كان فولتير قد أغلق عصره، أي القرن الثامن عشر، فإن روسو دشن العصر المقبل: أي القرن التاسع عشر.

وكل الرومانطيقيين الذين جاؤوا بعده من شاتوبريان إلى فيكتور هيغو، إلى بلزاك، إلى جيرار دونيرفال، إلى لامارتين، الخ، تأثروا به. وحتى الكتّاب الألمان الكبار كانوا متأثرين بأعماله. نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر غوته، شيلر، هولدرلين، وعشرات غيرهم.

نقول ذلك ونحن نعلم أن معركة الرومانطيقية دارت في فرنسا بين أتباع هيغو ومسرحه الجديد وبين أتباع الفن الكلاسيكي. وكان ذلك في بدايات الثلاثينات من القرن التاسع عشر. وقد انتصر فيها فيكتور هيغو وترسخت بعدئذ المدرسة الرومانطيقية في الآداب الفرنسية. وقد دارت المعركة حول مسرحيته الشهيرة باسم: هيرناني.

ثم يردف المؤلف قائلا:

لقد هبت الموجة الرومانطيقية على فرنسا آتية من ألمانيا في ذلك الزمان. ويمكن القول بأن شاتوبريان كان من أوائل الذين اتبعوا هذه الحركة الجديدة في الآداب الفرنسية. فهذا الأديب الكبير الذي عاش بين عامي (1768-1848) كان ناثرا من الطراز الأول. وقد عاش فترة الاضطرابات الكبرى للثورة الفرنسية.

وكان من أكثر المتحمسين لجان جاك روسو في شبابه الأول. وعموما فإن الرومانطيقي هو ذلك الشخص الذي يعطي الأولوية لقلبه على عقله. إنه يقع أسير العاطفة الملتهبة ولولا ذلك لما أصبح رومانطيقيا. أما الكاتب الكلاسيكي فهو بارد، موضوعي، يقع في جهة العقل والنظام لا العاطفة الهائجة والفوضى الخلاق.

وقد رافقت الحركة الرومانطيقية في فرنسا نزعة التحرر الفردية من كل القيود الاجتماعية المرهقة. وبالتالي فهي مرتبطة بالحرية. وهذا ما نلاحظه بشكل جلي في رسوم دولاكروا التي مجدت الثورة الفرنسية وانطلاقة الشعوب من أجل الحرية. وهنا أيضا يكمن فرق آخر بين الرومانطيقية والكلاسيكية.

وموقف الشاعر الرومانطيقي من الطبيعة يختلف جذريا عن موقف الشاعر الكلاسيكي. فبالنسبة لهذا الأخير كانت الطبيعة شيئا خارجيا عليه، وكانت تعبر عن معجزة الله في خلقه، أوعن النظام العلوي للإبداع الإلهي المتناسق المنتظم. وأما بالنسبة للشاعر الرومانطيقي فقد أصبحت الطبيعة بالإضافة إلى كل ذلك شيئا آخر. لقد أصبحت مرآة لروحه الداخلية ولكل العواطف المشبوبة التي تغلي فيها غليانا.

ثم يردف المؤلف قائلا: نعم لقد هبت الموجة الرومانطيقية على أوروبا حتى اكتسحتها كليا من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، من انجلترا، إلى ألمانيا، إلى فرنسا، إلى إيطاليا.

ومن أهم الموضوعات التي شغلت الرومانطيقيين: الحب، وفراق الحبيبة، والموت، والنزعة الصوفية، والحنين إلى الشرق البعيد، أو الحنين إلى شيء مبهم وغامض لا يعرف الشاعر كنهه وسره ولكنه موجود في أعماق أعماقه. ومن الموضوعات التي شغلتهم أيضا موضوع التمرد على الحياة، والمجتمع، والتقاليد السادئة.

ويمكن أن نضيف إليها موضوع العدم واللانهايات، والحنين إلى المطلق ثم الغناء فيه، والليل المظلم الموحش، الخ.

والحب الرومانطيقي مشتعل عادة وملتهب أكثر من غيره. وهو مدان بالفشل في معظم الأحيان. ولولا ذلك لما تغنّى الشعراء بالفراق المر والابتعاد عن الحبيبة أجمل الغناء. وهذا الحب الولهان الذي لا غاية له إلا ذاته يتعارض مع الزواج الذي كان عبارة عن صفقة باردة تتم على ظهر الزوجين من قبل العائلة والمصالح المتبادلة. وفي معظم الحالات ينتهي الحب الرومانطيقي بالفشل،

ولذلك فإن الشعر الرومانطيقي مليء بالنحيب والبكاء على الأطلال واللوعة المرة والإحساس بفراغ العالم لأن الحبيبة لم تعد فيه. والحب الرومانطيقي ليس مبتذلا ولا عاهرا ولا جنسيا محظا. وإنما هو ملائكي، عفيف، عاطفي قبل كل شيء.

ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: وعموما فإن الشاعر الرومانطيقي هو شخص غير قادر على التصالح مع المجتمع، ولذلك فهو يهجره لكي يتجول في الغابات ويسمع نشيد الطيور ويذرف الدموع الغزيرة على حبه المنصرم. ولذلك فإن الشعر الرومانطيقي مليء بالأنين واللوعة والحسرة على ما فات والتذكر الناجع على لحظات الوصال التي انتهت. انظر بهذا الصدد قصائد الشاعر الفرنسي ألفريد دو موسيه.

* الكتاب: الدليل إلى الرومانطيقية الأوروبية

* الناشر: بلاكويل

لندن، نيويورك 2005

* الصفحات: 586 صفحة من القطع الكبير

A companion to european romanticism

Michael Ferber

Blackwell Publishing professionnal

London, New York 2005

p.586