على الرغم من أن كتاب «حلم حياة شوخانوف» العمل الروائي الأول للكاتبة الأميركية الجنسية الروسية الأصل أولغا غروشن، إلا أنها استطاعت من خلال روايتها تلك أن تستأثر باهتمام وإعجاب بل باحترام معظم النقاد في الوسط الأدبي سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة. كما يتم حاليا ترجمتها إلى عدد من اللغات الأخرى.
ومن يقرأ هذا العمل يعتقد أن مؤلفته لها تجربة واسعة في الكتابة والنشر لسنوات طويلة. هذا الإعجاب أو التقدير بشأن الكتاب يشمل كما يقول الناقد إدوارد كون من صحيفة لايبرري جورنال في نيويورك محورين استثنائين. أولهما ما تعكسه الرواية من نضج وحكمة كاتبتها على الرغم من صغر سنها، وثانيهما تمكنها من اللغة الانجليزية ومهارتها في السرد والتعبير، آخذين في الاعتبار أن الانجليزية لغتها الثانية.
والأديبة غروشن وهي في أوائل الثلاثينات من العمر، عاشت في عدة بلدان منها موسكو وبراغ وأطلنطا وحاليا في واشنطن. درست تاريخ الفن والصحافة في موسكو. وهي أول مواطنة روسية حصلت على منحة أميركية من جامعة إيموري عام 1993، وباتقانها للغة الانجليزية عملت كمترجمة فورية للرئيس الأسبق جيمي كارتر ومترجمة للبنك العالمي، وخلال ذلك نشرت قصصا قصيرة في أهم المجلات الأميركية.
وتغطي أحداث روايتها الحقبتين السابقتين لموسكو، التي تنتهي في المرحلة الأولى من انهيار الاتحاد السوفييتي. وبطل قصتها أناتولي بافلوفيتش شوخانوف يبلغ من العمر ستة وخمسين عاما، يعمل كرئيس تحرير لأضخم مجلة فنية تصدرها الدولة وتدعى «فن العالم». ويتمثل عمله في تكليف المحررين بالمواضيع التي يختارها ومن ثم مراجعة وتدقيق مقالاتهم، وحذف أية جملة مستوحاة من الانجيل أو أية ديانة أخرى، مع حذف اسم أي فنان أدرج اسمه على اللائحة السوداء من قبل الحكومة، ومن ثم إضافة عدد من الأقوال لكل من لينين وماركس.
كان شوخانوف في شبابه في الخمسينات موهبة فنية واعدة. وأسوة بزملائه من الفنانين كان يستمع بشغف إلى موسيقى الجاز، ويتابع نتاج الفن الغربي بإعجاب، وعلى قناعة تامة بأن التحرر من مطالب البيروقراطية بشأن الفن أمر حتمي.
إلا أنه بعد مضي سنوات فوجيء هو وأصدقائه بهيمنة البيروقراطية ومطاردتها لهم. عدد من الفنانين أمثال صديقه ليف بيلكين، اختاروا متابعة مسار الفن بمفردهم وبصورة متكتمة وأخلصوا لفنهم. أما شوخانوف فقد اختار الطريق الأسهل.
وعندما تزوج من الفتاة الجميلة نينا التي وصفها بقوله، «الصورة المتكاملة للجمال من وجهة نظري»، خيره والدها بيوتر مالينين الشخصية الشهيرة التي تملك النفوذ الأكبر في عالم الفن في ظل النظام الشيوعي، بين متابعة مسيرته الفنية ليصبح منبوذا وتحمل تبعات موقفه، أو السير في ركب الحزب والاستفادة من العديد من المزايا.
وعلى الرغم من إيمان وإعجاب نينا بموهبته كفنان مبدع ومتميز، إلا أنه فضل أن يمنح زوجته وأولاده لاحقا حياة مرفهة وسهلة.
وبعد عدة سنوات يتساءل شوخانوف بدهشة عن «الخيارات في الحياة وكيف توقع الإنسان في كمين بصورة غير عادلة، ومن دون لحظة تحذير أو شعور بالصراع الداخلي. ففي مساحة لحظة واحدة فقط يتغير مصير حياته. وهو خيار اعتمده شوخانوف بميله للاستقرار والحياة السهلة. مع قبول عرض والد زوجته بدأ يرتقي في عالم الصحافة ليتسلم رئاسة تحرير أضخم مجلة وأكبر وأفخم شقة في قلب موسكو القديمة إلى جانب منزل صيفي مع حضور مدبرة للمنزل بصورة يومية تطهو أفضل أصناف الطعام.
عاش حياة سعيدة هانئة محاطا وعائلته بالبذخ. وكان بين الحين والآخر يتأمل في السعادة التي يعيشها، فزوجته الجميلة بجانبه وابنه الشاب ينتظره مستقبل باهر في السلك الدبلوماسي، أما ابنته ففي عالم الصحافة. لم يكن يراوده أي شك فيما يتعلق بهما فكلاهما موهوب ويملك ما يكفي من الطموح.
وبالتدريج تبين له بأن عالمه ليس آمنا كما اعتقد. فمع ظهور بعض المواقف الغريبة والغامضة والمقلقة، اقتحمت الكوابيس لياليه بلا مهادنة. بدأ يشعر بأنه محاصر وعاجز، وأسير ماضيه. فها هو صديقه القديم ليف بيلكين يظهر له في الظلام بصورة مفاجئة بعد غياب سنوات، وابن عم له لا يذكره يفرض نفسه ضيفا عليه وعلى عائلته. أما على صعيد العمل فقد عانى من عجز في الكتابة بالإضافة إلى تدخلات خارجية في اختيار مقالات المجلة.
كما شملت تقلبات حياته الأسرة، فنينا زوجته تقرر الذهاب إلى البيت الصيفي للانفراد بنفسها لإدراكها الثمن الذي دفعه كل منهما مقابل الحياة المرفهة، في حين بدأ ابنه الشاب فاسيلي يقلل من شأنه لمحدودية طموحه في الارتقاء بنفوذه، أما ابنته كسينيا فكانت تأخذ عليه مهادنته للسلطة وانتهازيته، فهي الفتاة الشابة التي تؤمن بالحرية والتغيير.
وتلمح الكاتبة لبداية مرحلة التقلبات سواء على الصعيد الشخصي لشوخانوف أو العامة في الاتحاد السوفييتي، بظهور شخصية سياسية جديدة في موسكو تسعى للتغيير والمقصود بها ميخائيل جورباتشوف وإن لم تذكر اسمه. ويتضح لكل من بطل الرواية والقارئ بأنهما أمام مرحلة جديدة تهدد بانهيار عالم شوخانوف.
وفي وسط تلك التطورات، ينكفيء شوخانوف نحو الماضي الذي كان يود بكل جوارحه نسيانه. فتعود إليه ذكرى مشاعر السعادة التي اكتنفته حينما اطلع على نسخة من لوحة «مولد فينوس» للفنان بوتشيللي عندما كان في الثامنة من عمره، واعتقاده بأن حياة جديدة مختلفة في انتظاره. وكذلك اكتشاف استاذه المتواضع لموهبته الفنية وتشجيعه له على الرسم والإبداع.
وفوق كل ذلك ذكرى والده الحبيب، الذي عاد بعد غياب سنين، ليدخل الشقة ويرمي بنفسه من النافذة بعد أن ترك له رسالة تحذير يقول فيها، «لا تدع أياً كان يقص أجنحتك»، ويتذكر لوحات مارك شاغال الساحرة التي أحبها يوما ما، والممنوعة من قبل الاشتراكية الواقعية.
وتعتمد غروشن في عرض تلك الأحداث بالتأرجح ما بين الماضي والحاضر، الذكريات والأحلام، المعروف والمجهول. مع التزامها السرد بصورة حيادية على الدوام. أما السرد فيتم إما من خلال الرواي أو شوخانوف نفسه. والقاريء في معظم الأحيان لا يستطيع التمييز بين الأحداث المتخيلة والحقيقية،
وهذا ما يزيد من متعة قراءة الرواية، التي تأخذ القاريء تارة إلى موسكو القديمة المخلصة لتاريخها والكامنة في قلب وعقل شوخانوف، وتارة أخرى إلى موسكو الحاضر التي تعرفها المؤلفة جيداً، حيث عاشت ودرست فيها لمدة عشر سنوات منذ كانت في العاشرة من عمرها.
ومن مؤشرات حكمة ونضج المؤلفة أسلوبها في تقديم بطلها شوخانوف، تلك الشخصية العميقة والمعقدة، التي تدعو للاهتمام والشفقة في ذات الوقت. إلى جانب الشخصيات الأخرى المقاربة من الواقع، التي تتحول أمام القاريء بصورة لا يمكن التنبؤ بها. وعلى الرغم من حياديتها في السرد إلا أنها نجحت في تقديم شخصيات مؤثرة أسيرة ظروفها، شخصيات لا يمكن وصفها بالشريرة أو الخيرة، حيث تتجلى صفاتها من خلال الفرص التي تواجهها.
وتبين الناقدة والروائية لوسي إيلمان في عرضها لهذه الرواية في صحيفة الغارديان، وبعد إشادتها بالرواية، بأن هذا العمل فيه شيء من الإسهاب مما يضعف عنصر التشويق بعض الشيء. وتأخذ على غروشن اهتمامها الشديد بربط جميع التفاصيل والمبالغة في شرحها . كما أن حصر فكرتها بكون الفن مستمد من الجمال فيه شيء من السطحية، إلى جانب إصرارها في تناول كل تحول تمر به الشخصيات حتى لحظة الانهيار. كما انتقدت مغالاتها في استخدام العديد من المفردات لوصف مشهد بسيط.
أما الناقد ليسلي شامبرلين فيبين بأنه على الرغم من الحبكة المحكمة لروايتها، إلا أن سردها للوعي الداخلي من خلال الواقعية السحرية بأسلوب دقيق محكم لا يتيح الفرصة لأي تصور آخر. وفي حين يذّكر هذا العمل النقاد بأسلوب كونديرا وغارسيا ماركيز وجي إم كوتزيه، إلا أن ما يتبادر إلى ذهن القاريء الروسي هو اللعبة الروسية السحرية في الأدب الروسي،
فمع فتح كل علبة تظهر حيلة جديدة فتارة نوباكوف وأخرى بولغاكوف وغيرهما. وعليه فإن هذه الرواية المتميزة تفتقر بعض الشيء إلى الأصالة، إنما تؤكد مجددا على مكانة الأدب الروسي في الإبداع سواء في الماضي أو الحاضر.
في حين يبين ريتشارد إيدير من صحيفة نيويورك تايمز بأن ميزة هذه الرواية تكمن في تسليط الضوء على حياة شريحة من الناس من فئة القائمين على النظام الشيوعي قبل وخلال مرحلة انهياره، بعكس الصورة العامة التي كانت تتناول على الدوام الذين تحرروا من سلطته.
ويجدر بنا هنا أن ننوه إلى القارئ بملاحظة الأسلوب النقدي لرأي النقاد، ودورهم الفعال والإيجابي في تقديم قراءة جديدة للعمل تساعدنا على الإلمام بكافة أبعاد العمل.أقوال سخية
لم يعد شوخانوف يكتب أي موضوع بنفسه: ولمن في مستوى أهميته، فإن الإبداع لديهم يتدهور وبصورة حتمية إلى أدنى قائمة الأولويات. كان سعيدا بتنظيم مسار مجريات العمل، الإشراف على انسيابية العمل المحترم لموظفيه، التوزيع الشهري للمواضيع المختارة على عدد من النقاد الحائزين على الثقة، ثم قراءة نصوصهم لنزع أية فرصة تصادف ذكر أسماء يفضل عدم ذكرها، أو لتطويع جملتين أو ثلاث لإعادتهم إلى القطيع.
كما كان يعد كل عدد من المجلة ذات الورق المصقول «فن العالم» بحبور، بنفس الوصفة البسيطة التي لا تخيب: أخذ كمية من الحوارات المسرحية حول أساليب ومبادئ ثورة الفن، وحشوها بقولين أو ثلاثة ، موسميان يظهران أمثال ريبان وفيدوتوف كأسلاف الواقعية الاشتراكية وليفيتان كعدو من عهد القيصر،
ثم خلطها بطبقة سكرية من سيرة حياة رائد الفن السوفييتي مالينين وتبهيرها باكتشاف لفنان عبقري مجهول من عصر النهضة الإيطالية تم إعدامه من قبل الكنيسة، مع إضافة نكهة من مقابلة مع شخص ما من إحدى الجمهوريات الآسيوية.. وأخيرا إضافة تتبيلة سخية من أقوال لينين وماركس.
مقتطف من رواية «حلم حياة شوخانوف
* الناشر: مجموعة بنغوين
الولايات المتحدة 2006
* الصفحات: 386 من القطع المتوسط
The Dream Life of Sukhanov
Olga Grushin
Penguin Group - (USA) 2006
P. 386
