يعالج هذا الكتاب لمؤلفه محمد مظلوم الوضع العراقي منذ لحظة سقوط بغداد أمام الغزو الأميركي في التاسع من أبريل 2003 وصولا إلى ما قبل انتخابات الثلاثين من يناير 2005 بقليل ويرصد تفاعلاتها وامتداداتها وتجذرها في تاريخ العراق ويدقق في ممكناتها واحتمالاتها اللاحقة.

ويتناول المؤلف موضوعه الذي يعد في قلب العملية السياسية بلغة تبدو أقرب إلى الأدب السياسي منها إلى السياسة المباشرة، وهو ما يعكس الطبيعة الأساسية للمؤلف الذي يغلب عليه الأدب من شعر ونثر حيث قدم للمكتبة العربية العديد من الأعمال الشعرية من قبل منها «محمد والذين معه» و«النائم وسيرته معارك» فضلاً عن عدد من الدراسات النقدية منها تلك التي حول «عبد الوهاب البياتي ـ كتاب المختارات».

وحسبما يشير محمد مظلوم فإنه في تناوله لموضوع كتابه عمد إلى تغليب نبرة الشهادة والتحليل الاجتماعي القريب في الكتابة عن العراق وفي الاستعانة بالساخن والمهمش في حياة الناس على التنظير السياسي المباشر الذي طالما نحى جانبا فكرة الفرد لصالح المصلحة، ومرر الحقيقة في مختبر الأيديولوجية الصارم وهو ما يكاد في عراق اليوم يخلو من أي من عناصره الأولية.

والسؤال الأساسي الذي يطرحه المؤلف محمد مظلوم هو ما اذا كنا حسبما نسمع من ممثلي الاحتلال أمام عراق يتشكل أم حسبما تشير الحقائق أمام عراق يتقوض؟ وهو السؤال «الشكسبيري» الذي ارتقى مسرح العالم بعد الاحتلال الأميركي للعراق.

في محاولته للإجابة يقرر مظلوم رؤية شاملة تلخص من وجهة نظره تطورات الأوضاع في العراق على مدى القرن المنصرم وتتمثل في أنه منذ الكولونيالية الأنجلوسكسونية الأولى ممثلة في الاحتلال البريطاني للعراق مارس 1917 وحتى الكولونيالية الثانية ممثلة في الغزو الأميركي مارس 2003 تشكلت الدولة العراقية لتهدم بالمعول ذاته الذي صيغت به، وأنه ما بين الصياغة الأولى والصياغة الثانية كان على العراق، كيانا وشعبا، أن يدخل ما يصفه بالتجربة .. لا ليتعلم بل ليمتحن، أو ليكون نموذج اختبار بدئيا، قبل أن يجري تعميمه أو عزله!

ويزيد من حجم المأساة أن الديكتاتور - صدام قد ترك العراق في معضلات كبرى، أكثر من تلك التي تركها الحكم العثماني أو الاحتلال بصيغة الخلافة رغم أن فترة حكم العثمانيين للعراق فاقت عشرة أضعاف فترة حكم صدام، لكن الأمر هنا، حسبما يذكر مظلوم، لا يتعلق بالفترة الزمنية بل بمستوى وطبيعة المعضلات التي خلفتها كل من التركتين العثمانية والديكتاتورية.

انطلاقا من هذه الرؤية العامة لمسار العراق الحديث وفي القلب منها أيضا يلخص المؤلف رؤيته لتطورات ما بعد الغزو الأميركي وحتى الثلاثين من يونيو بتأكيده على ان العراق انتقل في رحلة دامية ومضيق خطر من عهد إلى آخر أو من حقبة إلى ثانية، سميت في الأدبيات السياسية .. فترة الانتقال من الاحتلال إلى السيادة، فيما سميت في الخطاب الكولونيالي الجديد بأنها رحلة الطريق نحو الحرية.. بيد أن راهن البلاد حسبه يقول إنها رحلة بين حدين ما زالا غامضين بل وملتبسين ومتداخلين مبتدأ ومآلا.

والخلاصة أنه إذا كان مفهوم الدولة في العراق بدأ تصورا كولونياليا فإنه يتجلى اليوم ملتصقا بتصوره الأول ومحكوما به مرة أخرى، وأنه اذا كان العراق دولة لم تكتسب شرعيتها الداخلية عندما قامت، فإنها لهذا أيضا لم تخسر تلك الشرعية عندما انهارت

وليس هناك ما يشير إلى أنها تطمح في شرعية جديدة في صياغتها الحالية. كما أنه إذا كانت ارتكزت منذ اقتراحها الأول على فكرة الفرد أو في أحسن الأحوال على النخبة فإنها ظلت مجتثة عن الجماعات وبهذا فهي تحمل بذور هشاشتها إزاء أية مواجهة أو تحديات فتنعدم الاستجابة وتغيب الدولة بغياب الفرد.

وتحت عنوان «العاصمة المستعارة» يصف مظلوم وضع بغداد فيما بعد الغزو الأميركي والعودة إليها من قبل المؤلف ذاته وآخرين كثيرين .. فبغداد القديمة .. تبدو ضائعة إلا بالتباس تسميتها. وإذا كان لوقع تعبير السقوط تأثيره السلبي على سامعيه فإن المؤلف يذكرنا بحقيقة أن بغداد في حقيقتها كثيرة السقوط ودائما بسهولة بيد الغزاة الخارجيين والداخلين اليها في الصراعات على السلطة ..

فقد سقطت ما بين تأسيسها على يد أبي جعفر وسقوطها على يد هولاكو مرات، كما سقطت منذ المغول إلى المارينز مرات عدة أخرى. ومن المفارقات أن هذا السقوط الأخير هو الذي حقق للمؤلف وغيره كثيرين حلمهم الذي كان ينهش أوقاتهم بالعودة، فقد كان العراق قبل ذلك حلما غير ممكن التحقق بالنسبة له وأصبح منذ تلك اللحظة واقعا ممكنا ، «فاستيقظت بغداد فيّ، ومنعتني من النوم، ها أنا اليوم على تخوم بغداد».

إنه يعود إلى المدينة التي تركها منذ 13 عاما عندما كانت حريقا هائلا واليوم يعود إليها وألسنة الدخان هي اللغة المشتركة بين هذين الزمنين أو بين هذين الخرابين إن صح التعبير.. فما أن تعبر بوابة العاصمة من شمالها حتى تقدم لك بغداد جزءا من الفزع الذي عاشته طيلة سنوات غيابك عنها، لكن الغريب أن المدينة، بشرا وأمكنة، بدت وكأنها راضية مرضية ومتكيفة مع خرابها!

وتحت عنوان «الدكتاتور ينسج العنكبوت والتاريخ يتفكك» يعرض لنا المؤلف جانبا من مأساة صدام التي هي مأساة وطن أصر الدكتاتور على أن يكونا وجهين لعملة واحدة.

وفي هذا يحاول أن ينظر نظرة تأملية ليس في لحظة سقوط بغداد وإنما سقوط صدام نفسه في أيدي قوات الاحتلال مشيرا إلى أن ما استرعى انتباهه وجود بعض الكتب التراثية لدى صدام لحظة القبض عليه مثل «مروج الذهب» للمسعودي وكتب ابن خلدون ودواوين عدة من الشعر العربي .. منتهيا إلى أن قراءة صدام لإبن خلدون جاءت متأخرة ولتؤكد أن التاريخ ليس خبرا أو حدثا مجردا يكمن في زخرف الرواية وتدليسها لكن في المعطيات التي شكلت الحديث ودفعت لتدوين الخبر..

لقد جاءت هذه اللحظة لتؤكد أن صدام لم يخسر فقط فيالق جيشه المتعددة فحسب بل انفض عنه وهو بعد فيما نسجه من حفرة العنكبوت فيلق آخر من المسبحين باسمه هو الفيلق الإعلامي الذي كان يطلق عليه الفيلق الثامن حيث كان الجيش العراقي مؤلفا من سبعة فيالق.

في هذا السياق ينعي المؤلف على النظام العراقي السابق ربطه وزارة الثقافة بوزارة الإعلام لسنوات حين أضحت الثقافة العراقية برمتها طبخة إعلامية وتعبوية من أجل المعركة وهو ما برر قتل وإعدام العديد من المثقفين لتخاذلهم وخيانتهم في هذه المعركة. ولأن الثقافة العراقية ما زالت تعاني من تأثيرات تلك الفترة فإن مظلوم يقرر أنه سيكون أمام الخطاب الثقافي العراقي وقت طويل قبل أن يتخفف ولو جزئيا من سطوة خطابه القديم المتشبع بروح القطيعة والجزم في توصيف الظواهر وتفسيرها.

من نقد الداخل إلى الخارج يأخذنا المؤلف في تناول نقدي للمواقف الأميركية، مشيرا إلى اتجاه الاحتلال إلى اختزال القضايا الواضحة بإشارات تنطوي على غموض وتقترب من «التلغيز»، وعلى ذلك لا تبدو رموز السيادة اليوم في العراق إلا جزءا من الانشغال بـ «الطوطميات» بينما تنضح الوقائع دلالات أخرى.

يعرض المؤلف هنا لعدد من الطوطميات تتعلق بالعملة والدستور والعلم ورئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة وأخيرا نقل السيادة، يرى أنها جميعا دون استثناء تداعت كلها في الطريق وتقوضت حتى قبل أن تكتمل . تدليلا على رؤيته تلك يشير إلى أن الرمز الأول الذي اتجهت إليه إدارة بريمر لتشكيل فكرة العراق الجديد هو العملة باعتبارها أقرب الرموز إلى يوميات الناس.. منتهيا إلى ان العراق اليوم منطقة حرة للنقود المزيفة والحقيقية وأن دلالات العملة ما بين كونها وطنية أو غير وطنية، شريفة أم غير شريفة، ونظيفة أم سوداء وقذرة، مفروضة أم مرفوضة، ستجعلنا أمام القضية الكبرى من جديد:

ما معنى العملة وما دلالاتها السيادية؟. ومن العملة إلى الدستور إلى العلم.. يشير المؤلف إلى مفارقة تثبيت جندي أميركي علم بلاده على أول بناية على الحدود الجنوبية للعراق في ام قصر ما جعل الكل يتساءل حول هدف الولايات المتحدة وبريطانيا هل هو تحرير العراق ام احتلاله؟ لكن العلم العراقي عاد مرة أخرى إلى مكانه وإن كانت عودة بدا أنها لا تعني الكثير للعراقيين..

فالعلم الذي أنزل من تلك البناية المهجورة على الحدود الجنوبية كان قد أنزل من علياءات كثيرة في النفوس قبل وقت ليس بالقريب، أو أنزل هو بالذات مصيرا أسود على الآلاف من رؤوس العراقيين وغطى أجساد مئات الآلاف من أحبائهم في قصص لم يدفع شعب في المنطقة أو العالم برمته ما دفعه شعبه (العراقيون) ثمنا كي يبقى هذا العلم خفاقا ليس في أعلى سارية بل أمام منصة السيد الرئيس ليس إلا..!

وفي نظرة تأملية إلى ما يحتاجه العراق يقرر محمد مظلوم أن طبيب الأعصاب الجراح والمهندس المدني تعدان صفتان أو مهنتان يحتاج لهما العراق اليوم حقيقة أو مجازا للخروج من صدمته العصبية وخرابه العمراني والإنساني. وقد قيضت أقدار أو ظروف ما أو تدبير ما أن يكون أول رئيس للحكومة العراقية بعد صدام الدكتور أياد علاوي وأول رئيس للجمهورية الجديدة غازي الياور يحملان شهادة من أرقى الجامعات في مجالي الطب العصبي والهندسة المدنية على التوالي. السؤال:

هل يستطيع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء أن يستفيدا مما تعلماه تشخصياً وتصميماً وعلاجا وتنفيذا في وراثة عراق مريض ومخرب ومنهك ومصدوم؟ في الإجابة يقول إن الأول جاء إلى بغداد مع الدبابات الأميركية بل إنه تواجد في مناطق غرب العراق حتى قبل احتلال بغداد أو أية مدينة عراقية أخرى بينما دخل أتباعه القليلون بغداد بعد بضعة أيام من دخول الأميركيين إليها. أما الياور فقد انتظر شهرين قبل أن يأتي من حيث كان يقيم مما يجسد نوعا من الحذر الإقليمي لديه الذي لا يبادر إلى طرح الأوراق إلا بعد تكشف الموقف.

في سياق تناوله لطوطميات السيادة يصل إلى الطوطم الأخير وهو نقل السيادة في الثلاثين من يونيو. إن قراءة المؤلف لهذا الجانب تشير إلى أنه ما أشبه الليلة بالبارحة .. إن العراق لم يتقلب سوى بين كولونياليتين .. أنجلوسكسونية وأميركية.. وفيما شهده العراق على يد هذه الأخيرة تكراراً واستنساخاً لما شهده على يدي الأولى..

حيث كان قد جرى تعيين الملك وإعلان العراق دولة ملكية بعد ثورة العشرين لكن استقلال العراق الرسمي لم يتحقق إلا بعد أحد عشر عاما من إعلان قيام الدولة بيد أنه كان استقلالاً رسميا وليس فعليا.. وهو الوضع الذي يتكرر حرفيا اليوم.. الأمر الذي يجد أبرز مظاهر التعبير عنه في كون السفارة الأكبر للولايات المتحدة في العالم ستكون في العراق لتحمل تعبيرا عن عصر الكولونيالية في طوره الثاني في العراق المعاصر.

مصطفى عبدالرازق

* الكتاب: عراق الكولونيالية الجديدة

* الناشر: رياض الريس للكتب والنشر ـ بيروت 2005

* الصفحات: 423 صفحة من القطع الكبير