ساهمت الرقابة العربية في سعة انتشار بعض الكتب المتواضعة فنيا وفكريا عندما أقدمت على منعها أو حظرها، وحولتها من كتب عديمة الأهمية إلى كتب تتخاطفها الأيادي، وكلما أمعنا النظر في تلك الكتب أدركنا خطأ الرقابة وقراراتها غير الحكيمة في الحجب والحظر، حتى بات لدينا مئات الكتب الممنوعة من التداول ولكنها فارغة المحتوى ولا قيمة لها سوى أيدي الجهلاء التي تتخاطفها ظنا أنها كتب مشوقة.
فإذا تضيق مساحة توزيع الكتاب العربي يوماً بعد يوم بسبب عقليات الرقابة التي أنتجت نماذج من الممنوعات والمحرمات لتصل إلى حدود الإلغاء والحرق أو التكفير، فان ذلك يذكرنا بما كانت تفعله الكنيسة خلال القرون الوسطى، وبما كانت تفعله محاكم التفتيش وكأن خمسة قرون لم تمض من عمر البشرية.
لقد ضاقت مساحة التوزيع لأن الرقيب عربياً يشعر بالخوف من الكتاب الجريء »الجرأة لا تعني المساس بالعقائد أو تشريح فيزيولوجيا الجنس« الجرأة التي تعتمد هذا النموذج هي جرأة سلبية ولا طائل منها، لكن الرقيب يخاف من جرأة الحوار والمناقشة من جرأة السؤال من جرأة حقوق المعرفة وواجبات الفرد تجاه مجتمعه وليس تجاه السلطة لذلك يمنع الرقيب الكتاب ويسد عليه المنافذ ظناً منه ان ذلك سيحمي وجوده ويديم سلطته!
لقد نسي ذلك الرقيب ان الحماية الحقيقية توفرها المعرفة وتسيجها الثقافة بسور من الأخلاق النبيلة، ونسي أيضا ان سلوك المنع والإلغاء انتهت صلاحيته منذ سنوات بعيدة، ولم يعد الكتاب تمجيداً للسلطة وتربيتاً على أكتاف أولياء النعمة، انه وثيقة تاريخية تنقل الرسائل للأجيال القادمة وتضيء طريقهم بمصابيح زيتها من كبد الحقيقة.
لذلك عمر الأجداد تاريخاً أفضل وبنوا حضارة يعتزون بها، في حين إننا لم نفعل سوى التغني بتاريخ وحضارة هؤلاء وهي على العموم حضارة إنسانية وليست حكراً على جهة أو أمة ما، والدليل الأبرز ان الأسبان يعتزون ويصونون الحضارة العربية في الأندلس أكثر من العرب أنفسهم، بل ان الأسبان ينسبونها إلى أنفسهم.
ما فعله الأجداد كان أحد طرق المؤازرة للكتاب وليس المنع، ولم تتسع مساحة المحرمات بل اتسعت مساحة الحريات، وأصبح الكتاب زاداً للسلطة قبل الشعب، والحاكم المثقف هو من يقود شعبه إلى شاطئ الأمان والراحة.
ولأن الدخول في متاهة المسموح والممنوع عربياً يؤديان إلى إرهاق الفكر، يفضل المرء عدم الخوض في هذا المستنقع حتى لا تضبطه الرقابات متلبساً أو متنسماً هواء حرية التأليف والنشر، لكن حتى لا تتسع قائمة المسكوت عنه يجد المرء نفسه ميالاً إلى الصراخ مطالباً بإيقاف سياسة المنع وإحالة الرقيب إلى التقاعد أو صرفه من الخدمة الاجتماعية، ولا بأس بمحاكمة زعماء الرقابة باعتبارهم المسبب الاول لتراجع الامة وتجهيلها وتخلفها عن الحضارة.
لقد منعت كتب من التداول هي أقل شأناً من ان تسمى كتبا ولكنها منعت أحيانا لشكلها او لاسمها، أو لمزاج رقيب لا يفقه فأصبحت كتبا مشهورة ودخلت دائرة الاهتمام المؤقت حتى نفاد الكمية .. ثم من سيتذكرها؟
أعتقد لا أحد
hussain@albayan.ae