مؤلف هذا الكتاب هو إدغار موران الأستاذ المتقاعد الذي ما زال يعمل مديرا للدراسات في مركز الأبحاث القومي العلمي الفرنسي والذي نال بسبب تبحره العلمي شهادات الدكتوراه الفخرية من عدة جامعات في العالم. ويعتبر إدغار موران واحداً من أهم علماء الاجتماع والذي تميّز بكثرة مقالاته ومؤلفاته على امتداد أربعين عاما ومن بينها:
الإنسان والموت (1951)، النقد الذاتي (1959)، مدخل إلى سياسة الإنسان (1965)، المنهج (6 مجلدات 1981 ـ 2003)، علم الاجتماع (1984)، مدخل إلى التفكير المعقد (1990)، الاقتتال الأخوي (1996)، من أجل الدخول في القرن الواحد والعشرين (2004). كانت أوروبا مركز السيطرة البربرية على العالم خلال خمسة قرون، بنفس الوقت الذي كانت فيه وطن الأفكار التحررية التي ضعضعت هذه السيطرة. بهذا يجب إدراك العلاقة المعقدة، التناحرية والتكاملية بين الثقافة والبربرية، ومن هنا موضوع الكتاب.
فالتجارب المأساوية التي حفل بها القرن العشرون كانت مقصودة، ويجب أن تقودنا اليوم إلى وعي إنساني جديد. فليس المهم إعلان الندم أو التوبة بقدر ما يهم الاعتراف بما حصل لعديد من الجماعات البشرية على يد السيطرة الأوروبية لأنه يشكل شرطا لتجاوز البربرية.
ذلك أن عودة هذه الأخيرة تشكل باستمرار جزءاً من حقائق المحكمين.في الفصل الأول يطرح الكاتب مسألة البربرية البشرية والبربرية الأوروبية مبيّنا أن ما طُرح من مفاهيم عن الإنسان المتعقل أو الإنسان التقني أو الإنسان الاقتصادي غير كافية لفهمنا الكائن البشري بحد ذاته. فالإنسان الذي يستخدم عقله استهدافا للصواب والحقيقة يتصرف أيضا بشكل أخرق وهذياني.
والإنسان الذي يصنع الأدوات للسيطرة على الطبيعة قادر على إنتاج الأساطير والخرافات. والإنسان الاقتصادي الذي يوجه سلوكه من خلال حاجاته ومنفعته الخاصة، يمكن أن يكون أيضا إنسان إسراف وتبذير.
هكذا لا بد من الأخذ بعين الاعتبار هذه الصفات المتعارضة في الكائن البشري، وأن تصور بربريته يأتي من هذا الجانب اللاعقلاني وبالأحرى الفلهوي الذي يفقده التوازن والصواب، وينتج لديه الهيجان والحقد والازدراء والمغالاة، ذلك أننا نعتقد أحياناً كثيرة أننا في حالة عقلانية تسيطر علينا، في حين أننا في وضعية تعقّل، أي في نظام منطقي صرف نرى فيه الأمور، وفي حين أن هذا التعقل يمكن أن يستخدم من أجل نزواتنا.
والإنسان الصانع للأدوات صنع الأساطير والخرافات. لقد أعطى الحياة لقوى ضارية وشرسة تقوم بأعمال بربرية بحيث أن عالم الأدوات تواجد مع عالم المتخيلات في الثقافة البشرية، وهذا يعني أن الإنسان الصانع للأدوات كان يعبر عن بربريته عبر آلهة انتقامية مريعة تدعو بدورها الناس إلى البربرية؟
وكعالم الأفكار والمتخيلات، فإن التقنيات التي يصنعها الإنسان اليوم من شأنها أن ترتد عليه. فالعصر القائم يبين أن التكنولوجيا تتعاظم في الانتشار لتفلت من زمام الإنسانية التي أوجدتها في الوقت الذي تنتج فيها بربرية خاصة بها ألا وهي بربرية الحساب الجامد، البارد الذي لا يحفل بالحقائق الشعورية والعاطفية للفرد البشري. باختصار نجد في هذا كله إمكانيات واحتمالات البربرية التي تظهر في كل الصفات الخاصة بالنوع الإنساني.
هذه المجتمعات لا يوجد ما يجمعها بالمجتمعات التاريخية التي انبثقت عن التحولات التاريخية التي جرت منذ ما يقارب 8 آلاف سنة عبر الأرجح، وذلك في منطقة الشرق الأوسط، وفي الصين أو المكسيك. فالتحولات تلك خلفت حضارات لمجتمعات كثيفة السكان، تمارس الزارعة، وتبني المدن وتقيم الدول، وتشيد الديانات الكبرى، وتطور التقنيات. وحتى إذا سلمنا بوجود نوع من البربرية في المجتمعات القديمة، فإننا نجد بربرية أخرى في المجتمعات التاريخية مرتبطة بالدولة والتوسع والاسترقاق.
لقد تمت في هذه الفترة غزوات وحروب تتعدى الحاجة الحيوية لمن يقوم بها وتتجسد بأعمال الهدم والنهب وسبي النساء والعبودية المختلفة. هناك إذن بربرية تبرز وتطلق عنانها مع نشوء الحضارة.
لقد خلقت المسيحية تيارات فكرية متعددة وتأويلات مختلفة للمشيئة الربانية، ولكن عوضا عن تكريس ذلك كأفق حضاري لها، فلقد أوجدت أرثوذكسية عقيدية واحدة وصارمة تجعل من كل ما يفكر بغيرها «هرطيقا» والعمل على ملاحقته وتكفيره وتصفيته.
هذا يدل على أنه إذا كانت البربرية ليست حكراً على أوروبا، فلقد أبدت هذه الأخيرة نفس أعراض بربرية المجتمعات التاريخية المشار إليها، بل وبشكل أكثر قوة وابتكاراً خاصة مع تشكل الأمم القومية الأوروبية: إسبانيا، فرنسا، البرتغال، بريطانيا. وهذا التشكل القومي مختلف جذرياً عن المدن ـ الدول الشرق أوسطية وعن الإمبراطوريات السابقة. فهي تجمع في إطارها جماعات بشرية لأقوام متعددة يراد دمجها وصهرها في هوية قومية مشتركة مترافقة بأعمال بربرية، كما يشهد المثال الإسباني مثلا.
فالمنطقة الإسلامية فيها أي الأندلس كانت تتمتع بتسامح ديني نموذجي ينعم به المسلمون والمسيحيون واليهود حتى عام 1492 لتجري بعد ذلك وباستيلاء الاسبان على غرناطة فرض اعتناق المسيحية على المسلمين واليهود أو طردهم من إسبانيا بحيث قامت الأمة الإسبانية على التطهير الديني وعلى التطهير الاثني ـ الديني أيضاً لماذا؟ لأنه شاعت في قسم واسع من الأرستقراطية والبورجوازية الإسبانية نزعة عدوانية دينية عرقية ـ عنصرية اجتمع الصفاء العرقي (الدم) والصفاء المذهبي (الدين) لإضعاف الآخرين وسبيهم.
ويمكن اعتبار هذه التصفيات «مرضاً طفولياً للأمم الغربية الحديثة» التي ستعرف باستلهامها «عصر الأنوار» مفهوماً جديداً للأمة انبثق مع الثورة الفرنسية عام 1789. فبعد سنة من الاستيلاء على «الباستيل» اجتمع مفوضو الفيدراليات الفرنسية لإقامة وطن للأمة الكبيرة ـ لا ديني ولا عرقي ـ بمعنى أن أمة كفرنسا قد تم صنعها كنتاج للإرادة المشتركة لأبنائها في العيش المشترك والتقرير بحرية في شؤونهم.
هذا المفهوم متعارض أيضاً مع فكرة بناء الأمة على أساس الأرض واللغة والثقافة كمحررات لإقامة الدولة ـ الأمة.ولكن لا يعني هذا أن أوروبا قد تخلصت بسهولة من المشكلة الدينية ـ الاثنية كما نجد في أيرلندة الشمالية حتى اليوم وإن كانت هذه المشكلة في طريقها إلى الحل بعد أن عرفت مختلف أنواع البربرية فيها.
ومن الطبيعي ألا نقصر الأمة على الجوانب البربرية التي أنتجتها، لأنها عامل دمج لمختلف مجموعاتها السكانية وتفاهمها وتعاونها، لكن هذا لا ينفي أيضاً جانباً آخر قامت به الأمم الأوروبية في غزو الشعوب والأمم الأخرى بقوة السلاح الحديث وما نجم عنه من آثار فادحة على هذا المستوى أو ذاك.
هذا يعني أيضاً أن نقول في الوقت نفسة إن خمسة قرون من البربرية الأوروبية أدخلت منتوج المعطيات الحضارية لماذا؟ لأنه من خلال «عولمة البربرية» حدث اختلاط في الثقافات وتحت تبادلات، وانتشرت تقنيات ومعارف، دعّمت قيم وأفكار اليوم يتم السجال حول إدخال «السمة الإيجابية» للاستعمار الفرنسي في الكتب المدرسية في الوقت الذي تتلخص فيه القضية كلها،
فيما إذا كانت السمة الإيجابية هذه أساسية أم ثانوية، وبربطها بإطار عام واسع في العلاقة المعقدة التي رأيناها بين البربرية والحاضرة وهذا لا يعني بأي شكل من الأشكال تبرير الأعمال البربرية وإنما فهمها وبالتالي عدم سيطرتها على أذهاننا والعمل على عودتها. لقد توقفت الأمم الأوروبية عن أن تكون أمماً استعمارية، بحيث أن بربريتها بدأت تتراجع لخلق مجال أوروبي تكنولوجي ـ اقتصادي ـ ثقافي واحد، بمعنى أن المضادات الحيوية البربرية قد لعبت دورها في قلب البلدان الأوروبية وبما يسمح بتعريف أوروبا اليوم.
في الفصل الثاني يتعرض الكاتب للمضاد الثقافي الحيوي بالضبط. فمنذ القرن السادس عشر حدث تحول كبير مع النهضة الأوروبية التي أنعشت التراث اللاتيني والإغريقي، ربما أدى لتحرير الفكر الإنساني وانطلاق العمران والفلسفات الحديثة وتنمية مناقب الإنسان وقدراته وجعله هدفاً للحياة البشرية.
وهذه النزعة الإنسانية التي استمرت والتي جعلت من الإنسان الفاعل الوحيد في العالم وتبلورت لدى الفيلسوف «ديكارت» بمهمة قيام الفرد البشري بفتح العالم بفتح العالم ليصبح سيد ومالك الطبيعة وامتدت حتى المفكر»ماركس» قادت إلى تردي المحيط الحيوي للبشر وإلى روح التفوق الأوروبية على المجتمعات الأخرى بحيث لا بد من مواجهتها بجانبها الثاني أي احترام موجودات الطبيعة وكافة الثقافات والمجتمعات الإنسانية.
فإذا كانت النظرة الأوروبية للمجتمعات الأخرى قائمة إلى حين على أنها متخلفة وبدائية ـ مسجونة في التفكير السحري والأسطوري ـ فلابد من القول إن «كل مجتمع إنساني يحمل تفكيراً عقلانياً، ثقافياً وعملياً، كما ويحمل تفكيراً سحرياً وأسطورياً»، بما في ذلك المجتمع الأوروبي.النزعة الإنسانية بهذا صالحة لكل البشر، ولكن الغرب قصرها على نفسه، وهي تحتاج اليوم إلى ربطها بالعقلانية النقدية بل وبالعقلانية النقدية ـ الذاتية أي اعتبار كل منا موضوعاً للمعرفة والنقد.
وللأسف فإن العقلانية النقدية ـ الذاتية ستصبح جانبا جزئيا من النزعة الإنسانية الأوروبية. ففي القرن الثامن عشر (عصر الأنوار) أصبحت العقلانية مجرد نقد يرى في الديانات نسيجا من الخرافات بحيث تم اختزالها دون الأخذ بعين الاعتبار مما سيشير إليه ماركس في أن الدين يمثل في جانب هام منه «زخرة البائس» الذي يعبر من خلالها عن تطلعاته العميقة الإنسانية. مع ذلك فإن العقل سيستمر في انتصاراته خاصة مع الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن للثورة الفرنسية.
وفي القرن التاسع عشر سيبدأ تخمر جديد للنزعة الإنسانية الأوروبية مع المفكر الاشتراكي وخاصة مع ماركس الذي «صاغ أطروحة ممتازة فلسفية وفكرية في خدمة تفتح الشخصية الإنسانية»، هذا التفتح الذي تحمله الاشتراكية كتطلع لمزيد من الحرية والمساواة. والحقيقة أن الماركسيين الرسميين (السوفييت وغيرهم) اعتقدوا أنهم يمارسون بتطبيقاتهم عقلانية خالصة دون أن يعوا الجانب البربري فيها. هناك فكرتان:
الأولى أن أوروبا الغربية كانت مركز السيطرة الأوسع والأفدح على العالم، بنفس الوقت الذي كانت فيه بؤرة الأفكار المحررة والحضارية. والثانية هي «السيرورة العالمية» التي بدأت منذ احتلال القارة الأميركية حيث أصبح العالم نظام اتصال سيتسع أكثر فأكثر وإن كانت هذه السيرورة العولمية غير مفصولة عن إخضاع الشعوب الأخرى.
لكن بذور الحرية ومبادئ حقوق الإنسان والشعوب وحق الاختلاف وحقوق الثقافات كانت تواكب أيضا وتغذي هذه العولمة. فهذه الأخيرة لا يمكن اختزالها إلى ما هو اقتصادي وسلعي وتكنولوجي بقدر ما أنها تتغذى بنفس الوقت ب«العولمة الأخرى» أي عولمة في خدمة الإنسان والإنسانية ومن أجل مواطنة عالمية. وهكذا فإن العولمة ليست ما يجب التأسف عليه وإنما عدم ضبطها وتوجيهها وإيجاد سلطة شرعية ذات بعد عالمي للتحكم بها.
* الكتاب: الثقافة والبربرية الأوروبية
* الناشر:بايار ـ باريس 2005
* الصفحات : 94 صفحة من القطع المتوسط
Culture et barbarie européenne
Edgar Morin
Bayard - paris 2005
p.94
