كارل ماركس

كارل ماركس

ت + ت - الحجم الطبيعي

مؤلف هذا الكتاب هو الباحث مانويل خيمينيز سورينا المختص بكارل ماركس والفلسفة الماركسية بشكل عام. وهو هنا يقدم لمحة تاريخية عامة عن حياة ماركس وأعماله. فعلى الرغم من أن الشيوعية قد انهارت، وأن الماركسية فقدت الكثير من مصداقيتها في الآونة الأخيرة، إلا أن حياة مؤسسها لا تزال تثير الاهتمام لدى الباحثين والمختصين بالشؤون الإيديولوجية. يضاف إلى ذلك أن فكره لا يزال حاضرا بسبب تركيزه الشديد على العدالة الاجتماعية.

منذ البداية يقول المؤلف ما معناه: ولد كارل ماركس بألمانيا في الخامس من شهر مايو عام 1818 ومات في لندن يوم الرابع عشر من مارس عام 1883. وهذا يعني أنه عاش خمسة وستين عاما. وبين هذين التاريخين شهد العالم ظهور شخصية فكرية وسياسية سوف يكون لها تأثير ضخم على الأجيال التالية. وقد اشتهر ماركس بنقده للرأسمالية نقدا شديدا على الرغم من اعترافه بالتقدم الذي حققته البورجوازية كطبقة اجتماعية عقلانية وعلمية.

كما اشتهر بفلسفته التي اختزلت التاريخ البشري كله إلى مجرد صراع للطبقات بين الرأسماليين والعمال البروليتاريين. وهي نظرة صحيحة وناقصة في ذات الوقت ولا تنطبق إلا على مجتمعات الغرب الصناعية المليئة بالمعامل والطبقات العمالية. وحتى هنا نلاحظ أن الرأسمالية كانت ذكية عندما رفعت مستوى العمال وأسقطت بالتالي أطروحة ماركس حول الثورة المحتومة وانهيار الرأسمالية.

ثم يردف المؤلف قائلا: كان والده محاميا من أصل يهودي ولكنه تخلى عن يهوديته عام 1824 وجعل أولاده الأربعة يعتنقون الدين الغالب في ألمانيا أي المسيحية على الطريقة البروتستانتية. وكان ذلك عام 1824: أي عندما كان عمر ماركس ست سنوات فقط. وبعد أن نال ماركس شهادة البكالوريا في مدينته الأصلية انتقل إلى بون لدراسة القانون،

ومن هناك ذهب إلى جامعة برلين لإكمال دراساته الجامعية والاهتمام بالتاريخ والفلسفة بالدرجة الأولى. ومعلوم أن ذكرى هيغل كانت لا تزال حية وقوية باعتباره أستاذ الفلسفة الأكبر في جامعة برلين وصاحب النظريات الشهيرة التي ستؤثر على ماركس وكل جيله كثيرا كما هو معلوم.

ولكنه لم يستطع أن يتتلمذ على يد هيغل مباشرة لسبب بسيط هو أن هذا الأخير كان قد مات عام 1831، أي عندما كان ماركس في الثامنة عشرة من عمره وقبل أن يصل إلى مدينة برلين للدراسة فيها. وقد أنهى ماركس أطروحة الدكتوراه في جامعة برلين عام 1841 وناقشها تحت العنوان التالي: الاختلاف في فلسفة الطبيعة بين ديقريطس وأبيقور، وهما فيلسوفان يونانيان قديمان.

ثم يردف المؤلف قائلاً: وفي برلين انتسب ماركس إلى الحلقات الثقافية التي تدعى باليسار الهيغلي. نقول ذلك ونحن نعلم أن فكر هيغل أدى إلى توليد تيارين متزامنين: الأول يميني محافظ والثاني يساري ثوري. ومن أشهر الهيغليين اليساريين يمكن أن نذكر برينو بارير وفويرباخ.

ومعلوم أن هذا الأخير كان قد انخرط في نقد جذري لعلم اللاهوت المسيحي بدءًا من عام 1836: أي بعد موت هيغل بخمس سنوات فقط. وأخذ فويرباخ يتجه أكثر فأكثر نحو المادية المحضة: أي الإلحاد في نهاية المطاف. وكان ذلك مناقضا لمثالية هيغل الذي حاول المصالحة بين الدين والفلسفة، أو بين السماء والأرض. ومعلوم أن ماركس تأثر بفويرباخ وسار على خطاه.

وقد عبّر فويرباخ عن توجهه الجديد هذا في كتابه «جوهر المسيحية». وحاول عندئذ استخدام الجدل المثالي لهيغل من أجل فهم الواقع بشكل تاريخي وعلمي ومن خلال تطوره الجدلي الخلاق. بمعنى آخر فقد حرف فلسفة هيغل عن مثاليتها لكي تصبح واقعية أو مادية بحتة.

ثم يردف المؤلف قائلا: وفي عام 1842 كان ماركس في الرابعة والعشرين من عمره عندما عرض عليه بعض البورجوازيين الراديكاليين أن يستلم رئاسة تحرير جريدتهم في مدينة كولونيا. وكانت مناهضة لسياسة الحكومة التي تعتبرها رجعية محافظة. وقد سرّ ماركس بهذا المنصب في وقت كانت أبواب الجامعة مقفلة كليا أمامه.

وراح كارل ماركس يزيد من راديكالية الجريدة في الاتجاه الديمقراطي الثوري. ولكن الحكومة كانت له بالمرصاد. فقد فرضت عليه رقابة صارمة. ثم منعت الجريدة من الصدور عام 1843. وكان ماركس قد اضطر للاستقالة من منصبه قبل ذلك التاريخ من أجل إنقاذ الجريدة، ولكن عبثاً.

ثم تزوج ماركس من صديقة طفولته جيني فون ويستفالين عام 1843. وكانت خطيبته منذ زمن طويل، وبالتالي فالزواج جاء كتتويج لقصة حب حقيقية. وكانت خطيبته من عائلة أرستقراطية بروسية شهيرة. وقد أصبح أخوها وزيرا للداخلية في إحدى الفترات الأكثر رجعية وقمعا من تاريخ الحكومة البروسية. وكان ذلك بين عامي 1850 ـ 1858. ومعلوم أنه أرسل جاسوساً إلى لندن للتجسس على زوج أخته كارل ماركس، وكان يعيش آنذاك في لندن. بل ونزل عندهم في البيت وراقبهم جيدا قبل أن يكتب تقريرا شهيرا لا تزال الأدبيات البوليسية أو المخابراتية تحتفظ به حتى الآن.

ثم غادر ماركس ألمانيا مع زوجته عام 1843 وذهب إلى باريس حيث أسس جريدة راديكالية لم يصدر منها إلا عدد واحد. وكانت باسم: الحوليات الفرنسية ـ الألمانية. وقد ساعده على نشرها شخص يدعى أرنولد روج (1802 ـ 1880). ولكنه اختلف معه لأن ماركس كان راديكاليا أو ثوريا أكثر من اللزوم.

فقد طرح عندئذ الشعار التالي: ينبغي نقد كل ما هو موجود بشكل لا شفقة فيه ولا رحمة. وقال عندئذ هذه العبارة: إن نقد الأسلحة لا يمكن أن يحل محل سلاح النقد. وبدءًا من تلك الفترة راح ماركس يعلق آماله على جماهير العمال (البروليتاريا) من أجل تغيير نظام الأشياء، لا على حفنة من القادة البورجوازيين المستنيرين.

ثم يردف المؤلف قائلا: وفي عام 1844 التقى انجلز بكارل ماركس لأول مرة عندما كان في زيارة خاصة إلى باريس. وسوف يصبح لاحقا صديقه الأكثر إخلاصا وحميمية. وكان انجلز ألمانيا مثل ماركس ولكن من عائلة غنية. وقد درس فلسفة هيغل مثل ماركس وأعجب بها ولكنه رفض المشروعية الفكرية التي خلعها هيغل على الدولة البروسية المحافظة.

وفي عام 1842 غادر انجلز مدينة «بريم» في ألمانيا لكي يلتحق بالشركة التجارية التي كان والده يمتلكها في مدينة مانشستر في انجلترا. وعندئذ تعرف على الأحوال البائسة والمرعبة التي يعيش فيها عمال المصانع. ورأى بأم عينيه مدى استغلال أرباب العمل للعمال المساكين. وعندئذ أصدر دراسة عام 1845 بعنوان: أحوال الطبقة العاملة في انجلترا.

وبالتالي فإن لقاءه بماركس جاء في الوقت المناسب لأنهما كانا ينتميان إلى نفس التيار الفلسفي والسياسي ويحملان نفس الهموم والآمال. وبعد هذا اللقاء بوقت قصير تعاون ماركس وانجلز على كتابة أول عمل مهم وناضج من أعمال الفلسفة الماركسية ألا وهو الإيديولوجيا الألمانية. ويمكن القول إن هذا الكتاب بلور الأسس العقائدية للإيديولوجيا الماركسية: أي للمادية التاريخية. وللمرة الأولى راح ماركس ينتقد أستاذه فويرباخ ويهاجم تصوره اللا تاريخي للفلسفة المادية.

ولم يقطع ماركس وانجلز عندئذ مع فويرباخ فقط وإنما أيضا مع الأستاذ الأكبر هيغل: أي مع تصوره المثالي لفلسفة التاريخ. وقد كتب ماركس في أطروحاته عن لودفيغ فويرباخ التي تشكل مقدمة الكتابة العبارة الشهيرة التالية: إن الفلاسفة لم يفعلوا على مدار التاريخ إلا تفسير العالم بطرائق مختلفة. وقد آن الأوان لتغييره.

* الكتاب: كارل ماركس

* الناشر: اديمات ليبروس - لندن 2005

* الصفحات :192 صفحة من القطع الكبير

Karl Marx

Manuel Gimenez Saurina

Edimat Libros - London 2005

p.192

طباعة Email