إن رواية «حلم حياة شوخانوف» لمؤلفتها أولغا غروشن، بمثابة مرآة للتحولات التي تشمل كلاً من الاتحاد السوفييتي والمواجهة القاسية والمؤلمة لإحدى شخصيات النظام والنتائج التي عليها أن تتحمل تبعتها. أما المقابلة التي أجرتها لوري جرير مع غروشن في الصحيفة الإلكترونية «ويلكوم تو بولتيتيكس أند بروس بوكستور»،

فمبثابة تفكيك لبنية هذا العمل ومدخل لفكر هذه الكاتبة المبدعة وتجربتها الأولى في عالم الرواية. إن من أهم ميزات هذه الرواية لغتها، الكلمات، النقلات الزمنية وتمايز أصوات الشخصيات التي تتسم دوما بالوضوح. فالقراءة انسيابية بصورة يصعب معها الاقتناع بأن اللغة الانجليزية ليست لغتك الأم.

* هل فكرت بكتابتها بلغتك الروسية ؟ والكتاب يتناول بالتحديد لحظات خاصة بروسيا أو الاتحاد السوفييتي، هل شعرت في بعض الأحيان بحاجة ملحة للبحث في اللغة الانجليزية عما هو بديهي للمواقف باللغة الروسية؟ فبعض المفردات الانجليزية المستخدمة التي تحمل معنى مزدوجاً أتت ضمن سياق ما أردت استخدامه كرمز، فهل لمثل تلك المفردات مقابل في الروسية؟

ـ عندما بدأت بكتابة هذه الرواية، كانت الانجليزية لغتي اليومية منذ ما يزيد على عشر سنوات، كما سبق وكتبت قصصي القصيرة بالانجليزية، وبذا كان الأمر طبيعياً بالنسبة لي. عندما أكتب بالانجليزية، أفكر بالانجليزية أيضا. ونتيجة لذلك وبصورة تلقائية يأتي السرد والوصف بذات اللغة. كما أنه ليس من السهل ترجمتها إلى الروسية. وللحفاظ على هوية النص الروسية فقد كنت استخدم بعض العبارات الروسية، في إطار قواعد اللغة الانجليزية.

إلى جانب تبني طريقة التفكير المحلية للجيل الروسي بصورة عامة والمخابرات في الستينات بصورة خاصة حيث يتكرر استخدامهم لعبارات مثل الروح والجمال والحقيقة بصورة يومية وفي مختلف المواضيع.

ـ ليس من السهل التخلي عن لغتك الأم. هل يعني ذلك بأنك فقدت جزءاً من نفسك من خلال اللسان؟ هل تحاولين الكتابة بلغتك الأم؟

ـ إن التخلي عن لغتي الروسية كان أمراً مؤلماً بالنسبة لي. وأنا أعي هذا الأمر على الرغم من أن كتابتي بالانجليزية سهلة علي. فأنا لا أستخدمها حينما أفكر مع نفسي،

وأتساءل كيف سيكون مستوى كتابتي بها اليوم لو أنني استمريت في استخدامها خلال طفولتي وشبابي، بدلا من تعلم لغة جديدة تماما وأنا في العشرين من عمري. لا أشعر بأن استخدامي للغة الانجليزية قد كان على حساب نصف هويتي كروسية. وغالبا ما أفكر بما قاله شارلمان، «معرفة لغة أخرى بمثابة اكتساب روح ثانية».

أنا أعيش بشعور انتمائي لحضارتين، وتواجدي في عالمين مدهشين وإن كانا مختلفين تماما. وآمل من خلال عملي أن أصل إلى مزيج أصيل للطرفين. تبقى الروسية لغتي الخاصة في رسائلي للعائلة ومذكراتي التي أكتبها بين الحين والآخر في أميركا.

* هل لديك خطط لنشر روايتك باللغة الروسية وهل ستترجمينها؟ وكيف تتصورين استقبالهم لها هناك؟

ـ تمت ترجمة عملي إلى ثماني لغات (وهذا أمر يثير دهشتي)، إلا أنه لم يتم التخطيط بشأن الترجمة الروسية. وناشري يعمل حاليا على هذا الأمر، وأتمنى أن يتحقق ذلك. لست واثقة إن كنت من سيقوم بالترجمة، ولكن بالتأكيد سأتابع هذا العمل. وفي حال نشره بالروسية سينتابني القلق بشأن كيفية تلقيه.

فمن عادتنا نحن الروس أن نتذمر حينما يحاول أحدهم من بلد آخر ادعاء فهمه لحضارتنا، وأخشى أن يتعاملوا معي بصفتي غريبة، شابة أميركية تدلي بحكمها على خمسين عاما من التاريخ السوفييتي. آمل أن يرى القارئ الروسي روايتي كعمل من الأدب الروسي الكلاسيكي، وآمل أن يجده مشوقا.

* في التعليق المذكور على غلاف روايتك وضعك جيمس لاسدون في مصاف غوغول وبولغاكوف ونابوكوف الذي هو يتقن الكتابة باللغة الانجليزية، فهل تعتبرين نفسك في نفس مسار كتابتهم غير الواقعية؟ انطباعي الخاص بأن روايتك في إطار الواقعية - الواقعية الصرفة، التي هيمنت على شوخانوف الذي لا يستطيع مواجهة إلا جزء منها بين الحين والآخر. وهذا يذكرني بمقولة إليوت، «إن الكائن البشري لا يستطيع احتمال الكثير من الواقعية».

ـ إن الفانتازيا والواقعية يحتلان مكانة مميزة في الأدب الروسي، وفي عملي جمعت بين النمطين. إن بولغاكوف وخاصة غوغول من كتابي المفضلين، واستخدام الكوابيس كأداة من الفانتازيا مثل حكايا الأساطير في حياتنا اليومية، كان جزءاً حاضراً من كتابتي. أحب البحث عن غير المألوف، عما هو مقلق، السحرية فيما هو عادي.

كما يوجد بالطبع جرعة كبيرة من الواقعية في تحليلي لحياة شوخانوف، فقره وانتهازيته، وطفولته، وذكرياته القاتمة عن ستالين وسنوات الحرب، إلى جانب رائحة الألوان الزيتية التي كانت تثير غثيانه خلال عمله على اللوحات بصورة سرية في مكان مغلق.

إلا أن الطبيعة الفنية لشخصية شوخانوف، الغامضة والرائعة واللامعة تبدأ تدريجيا بالظهور لاحتلال شخصيته العامة، أحلامه وكوابيسه، وممتلكاته المادية من خلال تيار سريالي قوي.

* ختمت الناقدة ليسيل شيلينغير عرضها لروايتك في ملحق مراجعة الكتب الخاص بـ «نيويورك تايمز»، بتلخيصها لمحور الرواية على أنه موضوع سياسي. قالت، «لا يمكن لوم شوخانوف بالكامل لتخليه عن موهبته،... الكتاب يترك سؤالين معلقين هما: من مسؤول أيضا؟ ومن عليه أن يدفع؟. هل كانت فكرة رد اعتبار الشعب ما أردت التركيز عليه؟

علما بأنه من الجلي أن الجانب السياسي والشخصي متلاحمان طيلة مسار الرواية، حيث كانت الضغوط السياسية تملي القرارات الشخصية. هل تعتقدين بأنه يمكن فصل هذين الجانبين، أم أن أحدهما يهيمن على الآخر؟

ـ في حين أستطيع تفهم لم وجد بعض القراء أنه من المثير للاهتمام النظر إليها من خلال إطار السياسة، إلا أنني أعتقد أنها في المجمل خارج الواقع السياسي. ليست هي برواية عن البروسترويكا. إنها تغطي عشرة أيام من شهر أغسطس من عام 1985، أشهر قليلة بعد استلام غورباتشوف للسلطة حينما لم يكن هناك أي حوار عن تغيرات دراماتيكية.

شوخانوف رجل أدار ظهره لهبة عظيمة، وعاش لعشرات السنوات في رضا، والآن ومع بداية ظهور مؤشرات المعارضة، وبعد مواقف في غاية البساطة، يجد بأن ماضيه يتحرر منه، وبأن العالم من حوله ينهار بالكامل. وحالته مأساة إنسانية، تتجلى في الاختيار بين اتباع الإنسان لحلمه وبين تأمين معيشة عائلته، بين عذاب السعي للبقاء على قيد الحياة وبين الحياة المريحة، بين عدم اليقين والاستقرار. وبالطبع فإن الوضع السياسي السوفييتي أثر بقوة في القرار الذي اتخذه شوخانوف.

وبمنظور آخر فإنه من الممكن قراءة قصته على أنها مأساة أمة بأكملها، حينما تجد نفسها في ظرف شبه مستحيل. ومع ذلك فإن الخلفية السياسية تبقى مجرد خلفية، مثل الخمسين عاما من التاريخ السوفييتي الذي يمكن رؤيته من خلال الذكريات الشخصية والانطباعات. وأقصد من هذا العمل تقديم قصة كونية لرجل يتعامل مع نتائج اتخاذه لقرار سيء بحقه، ومواجهة متاهة بين الحياة التي يعيشها وبين الحياة التي كان يمكن له أن يعيشها.

* شوخانوف هو الفنان المسحوق من قبل النظام السوفييتي، هل يمكنك التعليق على دور الفن في السياسة ؟ وهل يستطيع الفن إنقاذ روح عداك عن بلد؟

ـ نعم يستطيع الفن إنقاذ روح إنسان. أما فيما يتعلق ببلد، فلن أعمم كلامي على كل مكان أو زمان حينما أقول بأن الفن قد تبوأ مكانة فريدة من نوعها وأهميتها في روسيا. ففي القرنين الماضيين نجد الفنان سواء كان رساماً أو شاعراً أو ملحناً يتمتع بمكانة عالية ونفوذ كبير، كمحارب أو بطل واجبه الوحيد هو التحدث ضد الظلم، والمطالبة بالحقيقة، لمنح صوته للناس.

الأعمال الفنية ساهمت في صمود آلاف من الناس خلال مواجهة محن مرعبة وتراجيدية، وكذلك في المراحل الأخيرة من تاريخ انهيار النظام. فالعديد من روائع الأعمال الفنية الممنوعة عادت للظهور كقصائد أخماتوفا عن قهر ستالين واللوحات الجدارية لشاغال. وبالطبع هذا الاهتمام لن يستمر لمدة طويلة فروسيا اليوم انضمت إلى بقية العالم الحديث، ودور الفن بين العامة سيتضاءل ليصبح جانباً ترفيهيا لتمضية الوقت بدلا من كونه فعلا يحمل مصداقية الثقة.

* تحمل خاتمة الرواية نهاية غير محددة مفتوحة على احتمالات عديدة. فنحن لا نعرف إن كان بمقدور شوخانوف أن يصبح فنانا إذا صمم على ذلك، أم فات الآوان. لا نعرف إن كان قد فقد نينا زوجته، أم أن هذا الأمر مجرد جزء من هلوساته الملحمية التي تأتي في المشاهد الأخيرة في المدينة الكامنة في رأسه. هل ترين أملا أمام شوخانوف أم أنه وجيله بالكامل قد حكمهما الضياع؟

ـ من الأفضل عدم قول أي شيء محدد بشأن مصير شوخانوف، فأنا أريد من القراء أن يرسموا النهاية التي يريدونها للرواية. أما فيما يخص جيل شوخانوف، فأنا أعتقد بأن معظمهم قد تزلف أو زحف طويلا مما أفقدهم القدرة على المشي بحرية، وهذا لا يعني بأن العودة الفردية غير ممكنة. إن فكرة الحصول على فرصة أخرى في الحياة تشد اهتمامي على الدوام.

حياة أولغا غروشن

* ولدت أولغا غروشن عام 1971 في الاتحاد السوفييتي وعاشت فيه حتى عام 1976، ثم انتقلت مع عائلتها للإقامة في براغ لمدة خمس سنوات، ومن ثم العودة إلى الوطن مجددا والإقامة فيه لمدة ثلاثة عشر عاما من 1981 إلى 1989، قبل الهجرة إلى أميركا.

* متزوجة من أميركي وأم لطفل واحد

* نشرت مجموعة من القصص القصيرة في عدد من المجلات الأدبية قبل إصدار روايته

رشا المالح