مؤلف هذا الكتاب: «رؤيا التماثل» هو الدكتور محمد مفتاح ، ناقد وأستاذ جامعي مغربي، من مواليد الدار البيضاء في العام 1942، معروف بإسهاماته المتعدّدة في مجال الدراسات الأدبية والنقد التي نال عنها جائزة سلطان العويس الثقافية في دورتها التاسعة (2004 ـ 2005م). له مؤلفات عدة، منها: «التلقي والتأويل» و«تحليل الخطاب الشعري ـ استراتيجية التناص» و «مجهول البيان» و «المفاهيم معالم ـ نحو تأويل واقعي» و «التشابه والاختلاف ـ نحو منهجية شمولية» و«دينامية النص» و «مشكاة المفاهيم» و «الشعر وتناغم الكون».

يؤكد المؤلف في مقدمة الكتاب على أنه ينطلق من المباديء الأساسية التي تكوّن جوهر فلسفة التماثل، مثل مبدأ: كل شيء يماثل، أو يشبه، أو يتصل، أو ينسجم مع كل شيء، بجهة من الجهات. وهو يسعى إلى إيضاح تماثل آليات التفكير البشري لتماثل بنياته الذهنية وإيجاد علائق وصلات بين كل ما في الكون حتى تنتشر روح التعاون والتسامح والأخوة وتقلّل النزعات العرقية،

ويخفّف التعصب الفكري والديني. كما يحاول الكشف عن البنيات العميقة المشتركة بين الناس قبل أن تهيمن النظريات السياسية النفعية، أي قبل انتشار أطروحات البقاء للأصلح، وصراع الطبقات، وصراع الحضارات والثقافات، وهي أطروحات ناتجة ـ على حد تعبيره ـ عن قياس عالم الإنسان على عالم الحيوان.

ويركّز المؤلف في المدخل على «التماثل» ليخفّف ـ كما يصّرح ـ من غلواء دعاة التباين الذين كيّفت قراءاتهم وتأويلاتهم كتب المغازي والأخبار في لحظات الصراع، وليحدّ من حماسة دعاة الصراع الذين صاغت فلسفتهم الكتابات والفنون التي نشأت في أحضان الكنيسة وفي مناخ الحروب الصليبية وبعض المذاهب الفلسفية والأطروحات العلمية.

ويرى أن مباديء فلسفة انتظام الكون تقوم على: المحبة، والسّريان، والحياة، والتجاذب، والاختلاف، والاستحالة والاتصال. فالمحبّة مبدأ أساسي من مباديء فلسفة انتظام الكون، وسبب قريب وبعيد للتناكح والزواج. أما السّريان فهو مبدأ أعم تسند إليه المحبة، فالنفس الكلية سارية في جميع أجزاء العالم وأشخاصه بالتدبير والصنعة والإحكام، سريان نور الله في العالم، وكذا حياته وكماله وقدرته سارية في كل شيء، وجمال الله سار في كل كائن ومنبّث في كل شيء:

من القصيدة الشعرية إلى الصخرة الصّماء. ويأتي مبدأ الحياة الشاملة ليشير إلى أن درجة حياة كل موجود هي بمقدار استعداده وقبوله للحياة، وهذا المبدأ جعل كل ومن وما في الوجود بينه تجاذب ودفع، ومناسبة ومنافرة. ويؤسّس مبدأ «الاختلاف» للأكوان والعوالم ذلك أن (المزاج الواحد لا يجمع اثنين في الكون) واختلاف الأمزجة يؤدي إلى اختلاف القبولية، وإلى التفاضل بين أجناس المخلوقات وأنواعها وأشخاصها، والتفاضل هنا يكون في الدرجة لا في الطبيعة.

ويكوّن مبدأ «الاستحالة والاتصال» ركنا أساسيا في فلسفة انتظام الكون، والاستحالات هي ما يقع به التوالد والتناسل والاتصال من جرّاء السخونة ومن جرّاء التطور الطبيعي، وهكذا فإن العناصر الأربعة (النار والهواء والماء والتراب) يستحيل بعضها إلى بعض.

وبعدما يتوقّف المؤلف عند تجليّات فلسفة الكون وترتيب الأكوان عند ابن عربي وابن الخطيب والشاطبي وابن خلدون، يتناول بعض البنيات التي تولّدت عنها مكونات حضارة البحر الأبيض المتوسط وثقافاته ودياناته. وقد اختار من ذلك الفضاء الحضاري الثقافي أربع مسائل كبرى ليبرهن على ذلك التماثل، وهي مكانة الإنسان في الفلسفة وفي الديانات السماوية، ومفهوم الزمان الدائري، ومسألة نهاية العالم، وقضية التوحيد.

فالفلسفات والديانات أحلّت الإنسان مكانة خاصة في نظام الكون وترتيبه وتدرّجه، فالإنسان بما له من استعداد، وخصوصا بعض الأفراد، يمكن أن يصير نبيا أو رسولا. وقد أولت الفلسفة القديمة مكانة خاصة للإنسان وجاءت الديانات لتعزّز هذه المكانة.

أما «الزمان الدائري» الذي يتجلى في تكرار السنوات والفصول والاحتفالات الدينية والدنيوية فقد شاع مفهومه في حوض البحر الأبيض المتوسط لدى الفلاسفة والخاصة والأميين وعامة الناس.

وقد تحكّم هذا المفهوم في التخطيطات الهندسية الدائرية وفي القصائد الشعرية،، وفي دوائر العروض والموسيقى، وفي مصائر الدول. فقد خطّطت بغداد على شكل دائرة، وآخر بيت في القصيدة يرجع إلى أولها معنى وإيقاعا، وكذلك الشأن في اللحن الموسيقي، وأما مصير الدول فإن تنظير ابن خلدون الدائري التشاؤمي ـ على حد تعبير المؤلف ـ الذي قاس أعمار الدول على أعمار الأجيال لخير دليل على هذه الرؤيا.

وقد تولّد عن هذا المفهوم للزمان موضوعة «نهاية العالم» التي شغلت الناس فتعرّضت إليها الديانات بثقافاتها العالمة والشعبية. وإذا كانت المسيحية تتأسس على دعامات منها اتحاد الناسوت باللاهوت أي أن المسيح إله بشر في آن معا، ومنها التثليث: الله والابن والروح القدس، فإن الإسلام يقوم على التوحيد المطلق: توحيد الألوهية، وتوحيد القبائل في أمة، وتوحيد البشرية على عقيدة مجرّدة، ومن هنا تأتي أهمية الحوار الجاد المعلّل بين الإسلام والمسيحية.

ويخلص المؤلف في نهاية مدخله إلى أنه سعى إلى إبراز الصور المتماثلة في فكر حوض البحر الأبيض المتوسط من خلال مفاهيم معيّنة، وكان قطب دائرة تلك المفاهيم هو مكانة الإنسان ثم الشخص في ذلك الفكر. وقد تبيّن له أن كرامة الإنسان مصونة في هذا الفكر، لذلك فإن كل تضييق على الإنسان فيه، أو هدر لقدراته، يناقض المعطيات الجغرافية والتصورات الفكرية والعقائد الدينية.

بعد رصد المؤلف مباديء فلسفة انتظام الكون وأبعادها في حوض المتوسط ينتقل إلى مبحث «الزمنية» ليرصد تجليّات تلك الفلسفة في إطار زمني وفضائي خاص محاولا الربط بين الأعمال الفكرية والبنيات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية.

ولتحقيق ذلك الربط يفرد ثلاثة فصول، أولها بعنوان: «زمن المدينة» وثانيها بعنوان «زمن العصبية» وثالثها بعنوان «زمن القبيلة».

في «زمن المدينة» يقف المؤلف عند كتاب «الضروري في السياسة» لابن رشد، الذي يكشف فيه عن نمط الحكم الذي ساد في الأندلس، ويرى أن تجربة ابن رشد نتاج الثقافة الأندلسية التي هي حصيلة مجتمع مستقر في قلاع وحصون وقرى ومدن، مجتمع امتزجت فيه الأعراق، وتفاعلت فيه الديانات الثلاث.

ثم يتحدّث عن مفهوم مكانة الإنسان، وعقيدة التوسط، ونظرية الاستحالة ،كما تجلّت في فكر هذا الفيلسوف. ويخلص إلى أن المجتمع الأندلسي كما يظهر من خلال هذا الكتاب استطاع أن يدبّر أمره بنجاح باعتماده على ثوابت جامعة، هي هيمنة الإسلام، وسيادة اللغة العربية، ووحدة الغايات والأهداف. الأمر الذي جعل من الأندلس دولة ذات كيان تتأسس على الاختلاف ضمن ثوابت جامعة.

في «زمن العصبية» يعيد المؤلف قراءة ابن خلدون من خلال مقدّمته الشهيرة، التي تعدّ عملا تنظيريا للحكم القبلي المتأسس على العصبية، ويوضّح مكانة الإنسان في فكره، ويخلص إلى أنه واحد من المفكّرين الذين هضموا المتاح من الثقافة في عصرهم ووظّفه لفهم واقع كان يعيش فيه، ولحل بعض مشاكله، إلا أن رؤيته كانت تتماشى مع مذهب «سد الذرائع» فتقبّل علوما، ورفض علوما، ما جعل مواقفه عملية وضعانية تحدّ من انطلاق الفكر والخيال، على الرغم من أنه كان متشبّعا بثقافة جوهرها الخيال.

أما في زمن «القبيلة» فيشخص المؤلف أعراض فكر مفتقد لفضاء مدني مزدهر، ولسند قبلي فاعل، وذلك من خلال تحليله لمخطوطة «رحلة القاصدين ورغبة الزائرين» للرحالة الحاج أبي زيد عبد الرحمن ابن أبي القاسم الشاوي المزمزي الغنامي. ويعدها مؤشرا على وضع عام متدهور كان يعيشه العالم الإسلامي الذي صار محروما من أدوات الثروة والجاه، ومؤشرا على وضع مغربي خاص محاصر من جميع جهاته، ومؤشرا على وضع أخص متجل في شخص متعلّم توجّهه ثقافة شعبية سائدة وثقافة تعليمية فاقدة الصلة بالثقافة الحية.

ويخلص المؤلف في هذا الفصل إلى أن نموذج ابن رشد كان يمثّل حقبة ذهبية عرفت ازدهارا علميا وثقافيا مما كان له تأثير في الجامعات الغربية ثم في العلم وفي الثقافة وفي الدين وفي كثير من دول ضفة البحر الأبيض المتوسط. أما نموذج ابن خلدون فيمثّل وعيا (شقياً) نتيجة تقلّبه في مجتمع مشتّت اجتماعيا، سطحي معرفيا، فقير اقتصاديا، متخلف صناعيا، ونتيجة سماعه عن مجتمع ناهض يجدّد ويطوّر ويستكشف أدوات الفكر والصناعة والفلاحة والمعمار.

وأما نموذج الغنامي فهو تعبير عن أزمة مزمنة تعمّقت بعد العام 1492م لحرمان الغرب الإسلامي من الاتصال بمصدر علمي وثقافي وصناعي كان يستجمع مواده ليكون دفعا للإصلاحات والثورات اللاحقة، ولسيادة عقلية الصراع والتوجس مما زالت بعض آثاره باقية حتى الآن.

وتأسيسا على ذلك فإن المؤلف لا يعني برؤيا التماثل أن مدينة فاضلة ـ على حدّ تعبيره ـ كانت في مجال البحر الأبيض المتوسط، وما اتصل به من مجالات، لكنه سعى إلى بيان البنيات العميقة المتطابقة والمتماثلة والمتشابهة لتكون سندا للدعوة إلى التسامح والتكامل بالاعتماد على تصورات عقلانية وليست وضعانية أسيرة لوثائق متعصبة، وأحداث خاصة. وفي ضوء تلك التصورات ينتقل إلى بيان تماثل آخر بين ضفتّي البحر الأبيض المتوسط ألا وهو «النغم» الذي يتصل بالتعبير عن الأحاسيس العميقة للذات الإنسانية.

ففي مبحث «النغمية» يؤكد المؤلف على أُطروحة وحدة الجنس البشري وتماثل ثقافات البحر الأبيض المتوسط، لاعتبار الموسيقى مكونا إنسانيا حسب الأبحاث الأناسية والنفسانية واللسانية الحديثة التي ترى أن الذهن البشري جبل على الموسيقى كما فطر على اللغة واستعمالها، ولا غرابة في أن تكون المفروضات الموسيقية من مثل الطنين ،والحدّة، والثقل، وما هو مناسب، وما هو منافر موجودة في كل موسيقى.

وما هو مؤكد أن هذه المفروضات شاعت في موسيقى مجال البحر الأبيض المتوسط وما اتصل به. فقد انتقلت الموسيقى الإغريقية إلى مجال الدول العربية والإسلامية في المشرق والمغرب بطرق متعدّدة، فصارت جزءا من مكوناتها العلمية والثقافية. وليس هذا الانتشار بمستغرب إذا نظرنا إلى فطرية الموسيقى ووحدة مبادئها الأساسية والتماثل الجغرافي في حوض البحر الأبيض المتوسط، وما نتج عنه من تماثل في أساليب العيش، وفي التصورات الذهنية التي كانت أسسها واحدة، وهي ارتباط العالم السفلي بالعالم العلوي، بما يقتضيه هذا الارتباط من مكانة للإنسان ضمن مختلف العوالم.

إلا أن التماثل ـ كما يقول المؤلف ـ لا يعني تطابق الثقافات والموسيقات، فإلى جانب المبادئ الفطرية الكونية الإنسانية كانت هناك قواعد موسيقية من ابتداع كل محيط من أشخاص في زمان وفي مكان معيّنين للتعبير عن شروطهم الإنسانية الواقعية، ومن هنا كان هناك «نغم الفطرة» و «نغم الصناعة».

في المبحث الثالث والأخير يتناول المؤلف «الشعرية» باعتبار أن الشعر هو أكثر دقة لتجلية الأعماق البشرية، مشيرا إلى التماثل في الرؤية من خلال نصين شعريين يتناولان مكانة الإنسان في هذا العالم وموقفه فيه، الأول منهما: «أسفار الرؤيا» للشاعر المغربي عبد العزيز محيي الدين خوجة والثاني منهما: «أبجدية جديدة» لأدونيس.

نذير جعفر

* الكتاب: رؤيا التماثل

* الناشر:المركز الثقافي العربي

بيروت 2005

* الصفحات:319 صفحة من القطع المتوسط