فيما تتجه أنظار العالم إلى القارة الإفريقية للوقوف على معاناتها التي لا توصف من الفقر والمرض والصراعات السياسية، تقدم مجموعة «حياة في مكان آخر» «للكاتب النيجيري» س. ا. أفولابي » الصادرة عن دار جوناثان كيب للنشر، نوعاً من الأمل بمستقبل ربما كان أكثر إشراقاً وتفاؤلاً.

سيغن أفولابي أو س.ا. أفولابي كما قدمته جائزة كين للكتابة الإفريقية لسنة 2005 هو سادس كاتب إفريقي يفوز بهذه الجائزة الأدبية التي استحقها عن قصة « صبيحة الاثنين » إحدى قصص مجموعته الأولى، وهي قصة مثيرة على الرغم من تضمينها رسائل كئيبة وموجزة عن الوطن والهجرة واللجوء والانتماء لأكثر من ثقافة و الهوية، إلا أنها تتضمن كذلك الكثير من مشاعر التفاؤل والأمل بحياة أفضل للمواطن الإفريقي البسيط.

يلقي الموضوع الرئيسي لقصة، صبيحة الاثنين، الضوء على تجربة أسرة إفريقية لاجئة يسعى أفرادها إلى شق طريقهم في الحياة اكتساب هوية جديدة في بلد غير بلدهم الأصلي، بشكل فردي وجماعي، مجربين كافة السبل الغريبة، وغير العادية، وحتى الأكثر قسوة في حياة الإنسان.

فبعد فرارها من قهر النظام السياسي في بلد لايفصح المؤلف عن اسمه، وبعد معاناة جسدية تطال كل أفراد الأسرة ( فقد بعض أفرادها حتى لأجزاء مهمة من أجسادهم جراء الصراعات المسلحة، كما تجسد ذلك شخصيتا كل من الأم التي تفقد يدها، و الأب المهووس الذي تطارده كوابيس الحرب والانتقام والاغتصاب والقتل) يظل الأمل في الحياة هو المحرك الوحيد لكل شيء بما في ذلك العواطف القوية المتبادلة بين أفراد الأسرة، يقول أفولابي في حوار معه « الواقع أن لدى الناس القدرة على التكيف ».

وكما يرى الأب الكوابيس المزعجة في نومه فإن هذه الكوابيس لا تجعله يغمض عينيه عن الأحلام الجميلة المتفائلة من جانب آخر، ومنها حلمه الذي يتحقق أخيراً ممثلاً بالانتقال بأسرته إلى دولة غربية للعيش على أرضها، متناسياً عذابه النفسي وآلامه الذاتية، متذكراً همومه الجماعية التي لا يمكن حلها إلا بالحياة في مكان يتمتع فيه الجميع بالشعور بالأمان.

يقول أفولابي تعليقاً على موضوع قصته: « لقد أردت المضي بعيداً عن الواقع على نحو يمكنه أن يجعل السلوك الوحشي غير المقبول عادياً وأكثر خصوصية، وقد جاءني الإلهام في فكرة العائلة التي تتعرض لصعوبات جمة وعوضاً عن الاستسلام إلى القهر يسعى أفرادها إلى الخروج من مأزقهم.

غير أن الحلم هو الوسيلة الوحيدة التي تنقل هؤلاء البشر على بساط الريح لكي يجدوا أنفسهم مثل غيرهم في مكان آخر.

وربما في مواجهة أزمة جديدة هي أزمة اللجوء. يعلق أفولابي على هذه الجزئية «أعتقد أن الكثيرين ينظرون إلى اللاجئين بوصفهم لاجئين لا أكثر، دون التفكير في ظروف الحياة المعقدة من حولنا. الحقيقة أنني لم أسع إلى تقديم صورة مختلفة لهؤلاء البشر، غير أن كل ما أردته هو أن (تخبرني) هذه العائلة بقصتها».

لقد عاش أفولابي حياته متنقلاً بين العديد من دول العالم وحسب هذه التجربة فإن موضوعات كالهجرة واللجوء وتضارب الثقافات وتعددها في حياة الناس بالإضافة إلى موضوع الهوية هي الموضوعات الرئيسية بالنسبة له على الرغم من اختلاف رؤيته لنفسه. فهو مهاجر باختياره بوصفه ابناً لأب دبلوماسي وطالباً جامعياً يواصل دراسته في إحدى الجامعات البريطانية، وهو في النهاية مؤلف يكتب ما يمليه عليه الواقع. في حين تبدو علاقته بما يسمى الفوارق الثقافية أمراً مفروغاً منه حسب تعبيره، إذ لم يتبق لديه من الشعور بعدم الانتماء إلى العالم من حوله سوى ذكريات ربما كانت تعود إلى فترة مبكرة من حياته، في البداية.

بعد يوم من الإعلان عن حصوله على الجائزة الأدبية التي تبلغ قيمتها 15000 دولار أميركي، والتي يطلق عليها أحياناً جائزة بوكر الإفريقية، بالنظر إلى علاقتها برجل الأعمال البريطاني سير مايكل كين، الذي ترأس لفترة طويلة، قبل رحيله اللجنة المشرفة على جائزة «مان بوكر»، صرح أفولابي بأنه لا يميل عادة إلى كتابة الأعمال التراجيدية، وأنه يعتقد باستمرار بوجود الأمل وبوجود خيارات أفضل في الحياة يتكشف عنها المستقبل بشكل مستمر.

غير أن ما يحتاج إليه كاتب مثل أفولابي هو توصيف الأوضاع التي تشرع من أجلها أبواب الأمل. فبالنظر إلى تجربته الطويلة في التنقل والعودة إلى بلاده يعتقد أن تلك التجربة قد أكسبته نوعاً من القدرة على البحث في حقيقة الأشياء التي يراها من حوله. وفي حين يرى أفولابي بلاده ممزقة بفعل الفوضى والفقر والمرض فهو يرى من جانب آخر أن هذه الأشياء لا توجد لها مبررات مقنعة.

في أحد المواقف يتذكر صدمته لدى مشاهدة الناس وهم يقفون في طوابير طويلة من أجل الحصول على حصصهم التموينية من الغاز.

ثم يتساءل إن كان ذلك يحدث في بلد غني بثروته النفطية. كما يتذكر الأعداد الكبيرة من العائلات التي تخرج بأكملها لكي تنتظر، دون أن يتوقف أفرادها عن الضحك أو ممارسة أشياء تدل على الطيبة. يعلق على هذه الجزئية « إن ما يخطر ببالك هنا هو الأمل في مثل هؤلاء الناس وفي المستقبل.»

والواقع أن أفولابي كما يكتب عن أمور أخرى فهو يكتب كذلك عن تأثير السياسة في حياة الناس وإن لم يكتب عن هذا الموضوع بشكل مباشر كما يرى نقاده. ومع ذلك فهو لا يزال يتطلع إلى اللحظة التي يبادر فيها العالم إلى الاهتمام بالقارة السوداء لا بوصفها موضوعاً مهماً لفترة محددة من الوقت بسبب أحداث كالمجاعة أو المرض، وإنما بوصفها أحد المحاور المهمة في كل مرة تجتمع فيها جهود العالم لإحلال الأمن والسلام والرخاء الاقتصادي محل الفقر والمرض والصراع على سطح كوكبنا الأرض.

بالإضافة إلى المشاهد الكثيرة السابقة التي تشكل الخلفية التي تنطلق منها قصة أفولابي تهيمن على هذه القصة مشاعر استفزازية محرضة للحياة في المدن الكبرى، مثل لندن. عندما يصل أفولابي إلى لندن تبدو بالنسبة له مكاناً يبعث على الشعور بالرهبة عوضاً عن الاطمئنان النفسي. فهي مدينة غير عادية على المستوى الاقتصادي، وعلى مستوى الحياة الاجتماعية اليومية، ومن هنا تبدو غير قابلة للمجاراة في أمور كثيرة حتى تلك التي تبدو أحياناً متناقضة مع صفاتها كالرقة والطيبة، الأمر الذي يبدو مشجعاً على الكتابة.

إن ارتباط لندن أو غيرها من المدن الغربية في ذهن هذا المؤلف أو غيره من الكتاب الشباب بالكتابة يكاد لا يمتد إلى الشعور بالاستقرار في مكان بعينه، في حين يعبر أفولابي عن هذه الإشكالية بقوله « الوطن هو المكان الذي تشعر فيه بالارتياح، المكان الذي توجد فيه عائلتك وأصدقاؤك، المكان الذي تشعر فيه بالقناعة بينما أنت تعيش وتعمل».

في حديث له تلا مراسم الاحتفال بالجائزة، أقيم في جامعة أكسفورد البريطانية، وصف أفولابي فوزه بقوله «على الرغم من أن الحصول على الجائزة شيء عظيم بالنسبة لي، إلا أنه يكاد يقترب من السريالية أو الحلم.» تمنح جائزة كين للكتاب الأفارقة الذين تجسد أعمالهم القصصية الوعي الحقيقي بمشكلات بلادهم. وتحديداً لأفضل عمل قصصي مكتوب باللغة الإنجليزية يعكس جوهر الحياة الإفريقية. تبلغ قيمة الجائزة 15000 دولار أميركي.

من جانبها وصفت لجنة المحكمين المشرفة على الجائزة لسنة 2005التي ترأستها البريطانية، البارونة يونغ، الكيفية التي كانت عليها مداولات اللجنة بأنها كانت، شيقة، وصارمة، وهو ما يعود الفضل فيه إلى جودة الأعمال المتنافسة. وفي حين تميزت الأعمال المقدمة بقوتها جاءت المساهمات موزعة على أجزاء مختلفة من القارة الإفريقية،

حيث شارك الروائي البريطاني السوداني جمال محجوب، وهو مؤلف أربعة أعمال روائية، حائز على جائزة «الغارديان» للقصة القصيرة من الأدب الإفريقي عن قصة « ملاك راسم الخرائط » 1993 بقصة « تانغو النعي ». كما شارك النيجيري إيك أوكونتا بقصة « تندي في بلاد الموتى».

حقائق عن أفولابي

* اس.ا. أفولابي كاتب نيجيري شاب حائز على، جائزة كين، للكتاب الأفريقية لسنة 2005، في دورتها السادسة، عن قصة «صبيحة الاثنين».

* أفولابي من مواليد كادونا، نيجيريا. تنقل بين العديد من دول العالم مع أسرته بما فيها الكونغو، وكندا، وألمانيا الشرقية، واندونيسيا، وبريطانيا وهي الدول التي عمل فيها أبوه دبلوماسياً. تلقى الجزء الأهم من تعليمه في كل من نيجيريا وبريطانيا وتخرج في يونيفرستي كوليج كارديف.

* نشرت أعماله القصصية في مجلات، وسفيري، لندن، أدنبره ريفيو، نيوولش رفيو.

* أهم إصداراته « حياة في مكان آخر «مجموعة قصصية، كما ينتظر صدور روايته الأولى « وداعاً لوشيلا» 2007.

* يعمل في هيئة الإذاعة البريطانية «بي. بي. سي»، سبق له العمل بائعاً للكتب بإحدى مكتبات لندن.

* الكتاب:حياة في مكان آخر

* الناشر: دار جوناثان كيب للنشر لندن 2006

* الصفحات: 224 صفحة من القطع المتوسط

A Life Elsew

S. A. Afolabi

Jonathan Cape - London 2006

P.224