يواصل جعفر حسن الناقد وعضو أسرة كتاب وأدباء البحرين عمله النقدي في مجال الشعر والسرديات فبعد كتابيه «في غابة التأويل» الذي صدر بالاشتراك و«عبور الأبد الصامت» يأتي كتابه الجديد «تمنّع الغابة الطرية توغلات في نصوص شعرية» مساهمة في استقراء بعض دوافع التجديد في الشعر والنقد بحثا عن لغة شعرية جديدة كما تجلت في تجارب عدد من شعراء البحرين في العقود الأخيرة،

لكنه قبل القراءة النقدية في تلك التجارب يحاول أن يستكشف في مقدمة الكتاب الخلفية الثقافية التي ترتسم عليها صورة المشهد الشعري العربي وفي مقدمة ذلك صعود الرواية الذي شكل تحديا كبيرا بالنسبة للشعر العربي الذي ظل يتسيد هذا المشهد طويلا مما ألقى على الشعراء العرب ثقلا كبيرا استدعى منهم العمل على تجديد رؤاهم الإبداعية وقد ظهر ذلك من خلال عدد من المظاهر التي وسمت تلك التجارب وأهمها الميل إلى الكثافة في اللغة والتمركز حول الذات والقصر.

منذ البداية يحدد وظائف الناقد في ضوء استحالة قراءة النتاج الشعري في اصطياد الكلي والشامل ضمن الجزئي والمحدد في علاقة الخاص بالعام عند لحظات انفصالهما واتصالهما، ولذلك تحاول الدراسات في هذا الكتاب مقاربة النصوص المختلفة للشعر في البحرين وبعض التجارب الخليجية الأخرى انطلاقا من كون تلك النصوص الشعرية تمتلك خصوصية محلية تنطلق منها نحو أفق أعم

ويأتي هذا الاختيار نابعا من الدور الذي يلعبه الشعر البحريني في التحولات الفنية التي شهدها الشعر العربي في منتصف القرن الماضي إذ توافرت لهذا الشعر نصوص باكرة في قصيدة النثر كما تجلى ذلك في تجارب قاسم حداد وأحمد العجمي وفوزية السندي وفاطمة التيتون وغيرهم وقد تميز المشهد الشعري آنذاك بعجز النقد عن مواكبة تلك التجارب وبالتالي العجز عن خلق وعي جمالي يتناسب مع حجم هذا الإنتاج في المجتمع.

ومع بدايات القرن الحادي والعشرين برزت تجارب عديدة في إطار قصيدة النثر إلى حدّ أنها لم تعد ظاهرة جانبية في تطور الحركة الشعرية في البحرين. ويشير الناقد إلى قضية عجز التذوق الفني للشعر والذي بدأ مع قصيدة التفعيلة عن التطور إلى الحد الذي لم يستطع فيه أن يسهم في إضاءة قصيدة النثر والتي يجد أن أهم سماتها تتجلى في الحذف والتكرار والثنائيات الضدية والجمل الاعتراضية والكثافة والتوهج والاعتماد في بعض الأحيان على التشكيل البصري والاستخدام الفني للحروف والألوان.

ويعرض للآراء التي قدمت حول العوامل التي أفضت إلى ظهور قصيدة النثر ومنها الرأي القائل بالتطور الفني الناتج عن تشظي البنية القارة لموسيقى الشعر والتطور الذي شهدته الحياة المعاصرة . وهناك الرأي القائل بأن هذه القصيدة هي استيراد للمفاهيم الغربية الجاهزة ولشعر الحداثة في حين يرى البعض الآخر فيها انعكاسا للأحلام العربية الضائعة وانكسارا للذات الفاعلة

وقد لجأ البعض إلى دمج سببين أو أكثر مثل التأثير الصوفي والمؤثرات المباشرة للثقافة الأجنبية فيما اعترض البعض على كون قصيدة النثر هي نتاج تطور المدن العربية لأن كثيرا من شعراء هذه القصيدة ترتد أصولهم إلى القرى.

بعد هذا التقديم النظري ينتقل الناقد إلى الدراسات التطبيقية على نماذج من تجارب شعراء البحرين وبعض شعراء الخليج وفي مقدمتها تجربة الشاعر أحمد العجمي لاسيما بعد التحولات التي شهدتها تجربته في ديوانه الثاني نسل المصابيح على المستوى الفني على الرغم من استمرار التواصل مع تجربته الأولى على مستوى شكل الصورة الفنية التي أصبحت أكثر نضجا.

ويظهر التحول على مستوى تشظي الصور التي لا تكاد تفصح عن نفسها بنفسها وعلى مستوى تراكب الصور الجزئية وسيميائية العلاقة بين الكتابة السوداء ومساحة بياض الورقة على المستوى البصري إضافة إلى المعجم اللغوي ومنطقية الحلم والأدب باعتبار الشعر يتعامل مع اللغة من خلال وعي أشبه بحلم اليقظة وهو يحرك عناصر الوجود باعتبارها كائنات غير مألوفة

وتنقسم عنده إلى قسمين كبيرين أولهما الكائنات المحسوسة وثانيهما الكائنات المعنوية كما يحاول تقصي دلالة السماء في تجربته والتحول الذي شهده مفهوم التشبيه والرؤية المغايرة لمفهوم العشق المنفتح على أفقه الإنساني الواسع والذي تستدعي فيه الذكورةُ الأنوثة من خلال جدل العلاقة القائمة بينهما.

وتتوزع محاور دراسة الحدث والقصيدة في ديوان مساء في يدي للشاعر العجمي على محور الدهشة باعتبارها حدثا وعلاقة الدهشة باللغة والدهشة على المستوى التداولي والدهشة والسيمولوجيا كما تتبدى في لون وصورة الغلاف كما يقارب العلاقة بين الداخل والخارج في فعل الدهشة التي تنتجها آليات الخطاب الشعري ومفهوم الانزياح الأسلوبي ودور الحدث الموضوعي في تأجيج الدهشة.

وفي ديوان العشق الذي هو عبارة عن مقاطع وكل مقطع يستغرق صفحة واحدة، يوحد هذه القصائد خيط من بوح العاشق يدلل على مظاهر الحداثة التي تقدمها قصائد الشاعر في هذا الديوان.

ومما يلاحظ على اختيارات الناقد أنها تعنى بالأعمال الأخيرة لكل شاعر نظرا لكونها تكشف عن المستوى الذي بلغته هذه التجربة خصوصا عند القيام بدراسة مقارنة بين هذه العمل والنتاج الشعري السابق وهذا ما نلاحظه في دراسته لتجربة الشاعر علوي الهاشمي في ديوانه الأخير محطات التعب إذ يدرس التركيب البلاغي لخطابه الشعري الذي تتوافر عناصره الدلالية على انزياحات تتغذى من نهر التراث لتصب في نهر التجربة

كما يدرس دلالة بعض المفردات الغالبة على معجم الشاعر كالطين والمرايا حيث يكمن نصف الشاعر الأول في الذات الواعية لموتها في صحوة الطين والنصف الثاني قي انعكاس الذات على مرآة الحياة الكونية ومن الجوانب الأخرى التي يتناولها المستوى الغنائي في التجربة والعلاقة الجدلية بين رمزية المرأة والوطن والقصيدة إذ يتوحد الشاعر بالوطن وبالمرأة مما يستدعي منه قراءة فلسفة الحب في شعره وكما هو معروف لدارس شعر قصيدة التفعيلة في ستينات وسبعينات القرن الماضي

فإن رمزية المرأة ارتبطت برمزية الوطن والقصيدة وكان أي حديث عن أحدهما في القصيدة يستدعي حضور المعنى الآخر للوطن والأرض. ويبدو انشغال الناقد بمستويات واسعة من بنية الخطاب الشعري وجماليات تشكله ودرجات تعالقه مع الأجناس الأدبية الأخرى واضحا في تنوع أشكال مقارباته النقدية ففي تجربة الشاعر يوسف حسن يدرس بنية العلاقات وأنظمتها وعتبة العنوان من حيث دلالاته الموحية

وكذلك البنية السردية للنص الشعري عنده وأشكال تمظهر الصورة الفنية ودلالات تكرار استخدام بعض الحروف في كلمات الروي من حيث رمزيتها حيث يحيلنا ذلك إلى حقل الدراسات الأسلوبية إذ تنتمي دراسة عتبات النص إلى المنهج السيميائي بصورة خاصة، ولعل هذا التنوع في مستويات الدراسة يكشف عن التداخل المنهجي القائم على اختيارات يرى أن النص يستدعيها من خلال قراءته لتلك التجارب حيث يمثل عنوان كل دراسة المحور الذي تدور حوله الدراسة

كما في مقاربته لفلسفة الحب عند الشاعرة الكويتية عالية شعيب في ديوان «نهج الوردة» وقد كان حريا بالناقد أن يبدأ هذه الدراسة بالكشف عن التعالق والإحالة الباديين من خلال عنوان الديوان سواء مع قصيدة «نهج البردة» للشاعر أحمد شوقي أو كتاب «نهج البلاغة» للإمام علي بن أبي طالب لكنه يقتفي أثر حضور الذات في مقابل حضور الآخر الرجل المحبوب والمانح والمشتهى حيث تتم الإشارة إليه بكاف المخاطب كضمير متصل أو بضمير الغائب.

ومن التجارب التي يركز عليها في قراءته النقدية تجربة الشاعر والكاتب الصحافي أحمد الشملان الذي ينتمي إلى جيل الثمانينات فيدرس علاقة النص بالمسرح والبنية الحكائية في شعره وإشكالية التجنيس في هذه التجربة التي تستثمر الأسطورة بتجليها على مستوى الزمان والمكان المتوازيين.

كما يتناول مفهوم الأنا في تجربة الشاعرة فاطمة التيتون ثم يحاول رسم صورة للمشهد الشعري البحريني الذي يظهر فيه وجود تيارين يسيران بشكل متساوق. لكنه يقارب هذا المشهد من خلال موقف الشعراء من نصوص الشاعر أمين صالح كما برز ذلك في تقصي الشاعرة فوزية السندي لحركة الحروف في كتابة أمين في مشهدية التماثل والتقارب وكذلك في تقاطع قاسم حداد في نص الجواشن مع الشاعر الذي تؤكد تجربته على أنه لا يوجد هناك شكل واحد وأخير للشعر.

القسم الأخير من الكتاب مخصص لطرح القضايا الفنية والجمالية للقصيدة الحديثة وأول قضية يتناولها هي قضية الشعر بين النظم والصورة الفنية في محاول لاختبار هذه المفاهيم التي أطلقها النقد الحديث على القصيدة الحديثة باعتبارها تمثل خروجا على ثنائية الشعر والنثر .

ثم ينتقل إلى قضية أخرى هي قضية ثنائية المبنى والمعنى أو الشكل والمضمون واختلاف استخدام اللغة في الأدب عنه في الحياة اليومية حيث ارتبط التحول في دلالات هذه المفاهيم بسقوط المعيارية الثابتة والمحاكمات المنطقية للشعر كما يبحث في مفهوم الوحدة العضوية للنص والبلاغة العربية القديمة التي استنفدت طاقتها الشعرية من خلال استخدامها الطويل ويطالب الناقد بتغيير العقلية التي نتعامل بها مع الأشياء والمفردات وبضرورة الانفتاح على جماليات التلقي وتغيير أدوار الشعرية العربية .

ثم يعود لمناقشة إشكالية أخرى هي إشكالية التأثر بالشعر الغربي التي تحولت إلى اتهام يستخدم للطعن في شرعية التجارب الحديثة الأمر الذي يجعله يعود إلى مناقشة القضايا السابقة الخاصة بثنائية الشكل والمضمون ولكن من زاوية تغليب الاهتمام بالشكل وتغييب المضمون وفوضى النظام ونظام الفوضى ثم يختتم الدراسة بتناول العلاقة الإشكالية بين الناقد والمبدع من خلال تجاذبات السلطة بين الناقد والمبدع وما تقود إليه من علاقات قد تتسم بالمودة أو بالعداء وفق طبيعة طرفي العلاقة ونظرة كل منهما إلى وظيفة النقد والناقد.

*مفيد نجم

* الكتاب:تمنّع الغابة المطرية

* الناشر: المؤسسة العربية للنشر بيروت 2005

* الصفحات: 283 صفحة من القطع المتوسط