ولدت كارول آن وورنر في إيلينوي في الولايات المتحدة في الثاني من يونيو عام 1935 ودرست في كلية هانوفر وجامعة إكستر في بريطانيا وجامعة أوتاوا في كندا حيث نالت الماجستير. في عام 1956 وخلال زيارتها إلى بريطانيا التقت بطالب هندسة كندي، تزوجته بعد عام وانتقلت للعيش معه في كندا.
وهناك عملت كأستاذة في جامعة أوتاوا. كتبت شيلدز العديد من الروايات ومجموعة من القصص القصيرة منها، «السمكة البرتقالية» و«ماري سوان» و«عدة معجزات» و«جمهورية الحب». وحصلت كتبها على جائزة مجلس كندا الكبرى، وجائزتين من مجلة ناشيونال، والعديد من الجوائز الأخرى.
وكما ذكرنا حصلت على جائزة بوليتزر عام 1995 عن روايتها «مذكرات الحجر»، التي فازت أيضا بجائزة المحافظ العام عام 1993. وروايتها هذه هي الكتاب الوحيد الذي فاز بهاتين الجائزتين معا. كما فازت بجائزة أورانج الشهيرة عن روايتها «حفلة لاري» عام 1998. عرفت شيلدز بأسلوبها الشيق وعمق بصيرتها وحس الفكاهة.
ومعظم أعمالها تتناول حياة الناس العاديين، لتقوم بتأملها وتحليلها ضمن إطار المفهوم الإنساني. كل ذلك من خلال لحظات عادية تمر بها شخصيات أعمالها. كما اشتهرت بتركيزها على موضوع الوحدة وفقدان الفرص في الحياة، مع احتفائها بلحظات السعادة البسيطة التي تمر بحياة الإنسان.
بدأت بنشر بعض القصائد حينما كانت في الثلاثينات من عمرها، وكتبت أول رواية لها «احتفالات صغيرة» عام 1976. وفي الأحقاب الثلاثة التالية كتبت ما يزيد على عشرين كتابا، بما فيها مسرحيات وشعر ومقالات وقصص قصيرة ونقد إلى جانب السيرة الذاتية لحياة الكاتبة جين أوستن التي كانت المثل الأعلى لها. كما ترجمت أعمالها لما يزيد على اثنين وعشرين لغة. أصدرت لاحقا بالتعاون مع صديقتها المحررة مارجوري أندرسون كتابا من الأدب الواقعي بعنوان «الخيوط الضائعة» ويضم مجموعة من قصص حياة نساء عاديات، تطوعن بكتابة سيرة مختصرة لحياتهن.
وفي عام 1998 اكتشفت شيلدز إصابتها بسرطان الثدي. وقالت بهذا الشأن «لقد جعلني هذا أقدر قيمة الزمن بصورة لم أدركها في السابق. وأنا أمضي وقتاً بالإصغاء، الإصغاء لما يدور حولي، بدلا من القيام بكل شيء بنفسي». في عام 2000 انتقلت هي وعائلتها لتعيش في فيكتوريا حيث وافتها المنية في 16 يوليو عام 2003 عن عمر يناهز الثامنة والستين.
وجدير بالذكر أن روايتها «ماري سوان» قد حولت إلى فيلم سينمائي عام 1996 وكذلك «جمهورية الحب» عام 2000 الذي أخرجته ديبا ميهتا. أما روايتها «حفلة لاري» فقد حولت إلى مسرحية موسيقية . وروايتها الأخيرة «إلا إذا» نشرت عام 2000 وكانت ضمن القائمة الأخيرة المرشحة لكل من جائزتي بوكر وأورانج البريطانية .
وتصف شيلدز روايتها «مذكرات الحجر»، بأنها أشبه بالدمية الروسية الشهيرة، التي هي عبارة عن صندوق داخل آخر داخل آخر وهكذا دواليك. وقصة الرواية أشبه بالسيرة الذاتية لامرأة تدعى ديزي غودويل فليت. والرواية عبارة عن بانوراما للحياة في شمال أميركا في القرن العشرين، وذلك من خلال مذكرات السيدة ديزي، التي ولدت عام 1905 وعاشت حتى عام 1990. وكما في السير الذاتية الواقعية تضمن الكتاب شجرة العائلة ومجموعة من صور أفرادها التي أفردت لها الكاتبة ثماني صفحات، وذلك بهدف إضفاء الواقعية على العمل.
والمسكينة ديزي، ولجت إلى العالم في اللحظة التي فارقت والدتها المفرطة في البدانة الحياة. والرواية لا تبدأ من تلك اللحظة، بل تسبقها إلى المرحلة التي التقت فيها والدتها ميرسي بوالدها كايلر جودويل العامل في الحجارة. وهنا ينبغي التنويه إلى رمزية العمل فكلمة ستون الانجليزية تعني بالعربية الحجر والذي يستمد منه عنوان الرواية.
وهذا الوالد الموهوب في تعامله مع الحجارة يتخلى عن ابنته بعد وفاة والدتها التي كان يهيم بها عشقا ويجد في سخاء بدانتها ملجأ أمينا يدفن فيه نفسه للحصول على السكينة والدفء الإنساني. وهو الأمر الذي لا يمكن للآخرين فهمه باستثناء زوجته وحبيبته. وفي هذا العمل وأسوة بالأعمال الأخرى تدخل شيلدز في أعماق الفكر والوعي الإنساني، لتكتب بلغة معبرة مؤلمة أحيانا وثاقبة نافذة في أحيان أخرى.
فهذا الزوج كان يعلم أنه من دون الراحة التي كانت طيات جسد زوجته تمنحها له، لم يكن ليتسنى له معرفة الشعور بحقيقة العالم أو فهم دقائق المشاعر وانعكاساتها على الآخرين الذين اعتبروها جزءا من حقوقهم. وتأتي لغتها متناغمة في سياق ارتباط المشاعر والنفاذ عبرها لأدق الكوامن في الوعي الإنساني. وفي بعض الأحيان يأتي تأثير كلماتها كوقع الحجارة على مجرى مائي.
يتم تبني ديزي من قبل إحدى الجارات وتدعى كلارينتين فليت التي قررت الانفصال عن زوجها. تأخذ كلارينتين الطفلة ديزي وتغادر البلدة لتعيش مع ابنها باركر في وينيبيغ،حيث تخيم عليهم أجواء أسرة سعيدة. ويصبح باركر فيما بعد المثل الأعلى لديزي الذي ترى فيه حاميها.
وفي تلك الأثناء يصبح والدها الذي رحل عن بلدته من أشهر الأثرياء في مجتمعه الجديد في بلومينغتون حيث قادته موهبته من نجاح إلى آخر، لتوافيه المنية وهو يردد اسم زوجته ميرسي.
وتنتقل المذكرات بالقارئ من حقبة إلى أخرى، فحياة ديزي تمر بمأساة جديدة حينما تتزوج من شاب فاشل من بلومينغتون، لتتزوج بعدها من حاميها باركر لتصبح أما لعدد من الأبناء. وحقيقة أن حياتها تشبه حياة أي امرأة عادية تعيش فيما بيننا، يجعلها كأي امرأة أخرى ويحيد مأساتها. وتكتب ديزي في مذكراتها بأن حقيقة المشاكل في هذا العالم يمكن حصرها في عدم إلتقاء الأفكار بين الرجال والنساء»، وتذكر بأنها اكتشفت شيئا ما في حب باركر فليت سواء من وجهة نظره أو نظرها.
فهذا الرجل حولته وحدته لمدة طويلة من الزمن إلى متلصص على حياته الخاصة، «فهو يتساءل مع نفسه، هل هذا هو الحب؟ هل هو تلك المادة المستلقية بينهما في السرير والتي تضغط بقوة؟ ذلك الشيء الذي لا لون له؟ أم أن الحب شيء آخر، شفاف منزلق لا رائحة له؟ مثل الغاز الذي يسبح في العالم. وهذا ما كان يميل أكثر فأكثر إلى الاقتناع به».
وتنتهي الرواية بموت ديزي حينما تتراءى لها وهي تحتضر صور ممزقة من الذاكرة، من حياتها الطويلة التي كانت تدور كالعجلة في فكرها. مقتطفات من محادثات، وصفات طعام ضائعة، أجزاء من أوراق رسمية، قائمة مشتريات، عناوين كتب. وفي المرحلة الأخيرة وما بين الوعي والغيبوبة تبدأ بتخيل نهايتها.
*رشا المالح

