مؤلف هذا الكتاب هو بول بريمر الرئيس السابق للإدارة الأميركية في العراق بعد غزوه مباشرة ولمدة عام كامل. وقد شغل في الماضي عدة وظائف مهمة من بينها منصب سفير خاص بالنضال ضد الإرهاب في ظل إدارة الرئيس رونالد ريغان. وفي هذا الكتاب الجديد يتحدث الحاكم بأمره في العراق سابقاً عن تجربته هناك وما حصل له من أحداث جسام وكيف واجه مسؤولياته في ظروف بالغة الصعوبة. ومعلوم أنه كان مسؤولاً عن كل شيء طيلة الأشهر الأولى التي تلت الغزو.

وفي هذا الكتاب يصفّي بول بريمر حساباته مع المسؤولين في واشنطن بعد أن فقد منصبه كحاكم أعلى للعراق ولم يعد ملزماً بواجب التحفظ في الكلام. فلم تعد له أي وظيفة رسمية تلزمه بالصمت. والواقع أن بريمر كان شبه ديكتاتور في العراق بين شهر مايو من عام 2003 وشهر يونيو من عام 2004: أي طيلة عام كامل. وكان الناس يتخيلون عندئذ أنه موافق تماماً على السياسة المقررة في واشنطن من قبل بوش ورامسفيلد وبقية القادة. وهي السياسة التي طبقها حرفياً في بلاد الرافدين.

وفي هذا الكتاب الجديد يحاول حاكم العراق السابق أن يخرج من وضع كبش الفداء الذي حاولوا أن يسجنوه فيه. فقد وضعت الإدارة على كاهله مسؤولية فشلها في العراق. أما هو فيرى أن الفشل في مواجهة المسلحين ناتج عن القرارات الخاطئة للقيادة وعن عدم استماعها لنصائحه ومطالبه.

ثم يردف بول بريمر قائلاً:إن المجادلة العنيفة التي اندلعت بين الإدارة الجمهورية والمعارضة الديمقراطية في واشنطن جرت أيضاً بين بريمر نفسه وواشنطن. فهو كان أقرب إلى ميدان المعركة ويعرف الأوضاع والحاجيات أكثر من بوش ورامسفيلد وتشيني وسواهم من صقور البيت الأبيض.

ويقول بريمر إنه طلب من رامسفيلد قبيل مغادرته العراق زيادة عدد القوات الأميركية في هذا البلد. وكان قد طلب من مؤسسة «راند» أن تقدم له دراسة مفصلة عن كيفية إدارة شؤون العراق والسيطرة عليه. وقالت له هذه الدراسة ما معناه: لكي تستطيع أن تتحكم بالعراق وتفرض الأمن والنظام فيه عليك أن تمتلك جيشاً جراراً يضم ما لا يقل عن نصف مليون رجل. وقالت الدراسة أيضاً: لكي ينجح أي جيش احتلال في السيطرة على بلد ما ينبغي أن يخصص عشرين عسكرياً لكل ألف مواطن.

وبما أن العراق مؤلف من ستة وعشرين مليون شخص فإنه يلزمه جيش لا يقل تعداد أفراده عن النصف مليون. ولكننا نعلم أن الجيش الأميركي كان أقل من ذلك بكثير. صحيح أنه استطاع أن يهزم الجيش العراقي وحرس صدام ولكنه لم يستطع أن يهيمن على البلاد. فلم يكن يتجاوز المئة وخمسين ألف رجل: أي أقل من ثلث العدد المطلوب بحسب رأي بول بريمر.

وقد أرسل بول بريمر هذه الدراسة إلى رامسفيلد في واشنطن ولكنه لم يجد أذناً صاغية لديه. فقد رفض سيد البنتاغون أن يزيد عدد القوات الأميركية. وقال له: يكفيك ما عندك ولا نستطيع أن نرسل قوات أكثر. واضطر بريمر إلى السكوت والإذعان على مضض.ولكنه بعد فترة حاول أن يحصل على مطلبه بواسطة الطرق على باب جورج بوش شخصياً. وعندئذ تهرب بوش من الجواب واحتمى برأي الجنرالات الموجودين في العراق بالقرب من أرض الواقع.

وقال بوش لبريمر: أنا وأنت لسنا عسكريين، ولا نفهم في هذه الأمور. وبالتالي فالرأي الأخير هو ما يقوله قادة الجيش الأميركي في العراق. وهم الذين يقررون زيادة عدد القوات أو تخفيضها.ولكن رد الجنرالات الأميركيين بالأمس كان هو ذاته ردهم اليوم. فقد قالوا للقيادة السياسية وعلى رأسها بوش شخصياً ما يلي: إن زيادة عدد القوات ليس مفيداً ولا ضرورياً. وربما أدى ذلك إلى عكس النتيجة فالشعب العراقي سوف يكره الأميركان أكثر إذا ما رأى جيشهم في كل مكان.

كما ان زيادة عدد القوات الأميركية أو تواجدها في كل مكان سوف يجعل منها هدفاً سهلاً لقوات التمرد والمقاومة المسلحة. وبالتالي فلا داعي لإرسال قوات إضافية. وقد احترم بول بريمر هذا الرأي وإن كان يختلف معه. فهو ليس القائد الأعلى للجيش الأميركي وليس رئيس الدولة وما عليه إلا أن ينفذ أوامر قادته في واشنطن.

ثم يقول بريمر ما معناه: كانت الأولوية الأساسية التي أفكر فيها هي ان أفرض الأمان والسلام في البلاد عن طريق زيادة عدد قواتنا هناك. وبعدئذ يمكنني أن أصلح المرافق العامة من أجل تأمين كل الخدمات الأساسية للعراقيين: كالماء، والكهرباء، والمواصلات، والتعليم، والصحة، والمشافي، الخ. فبدون استتباب الأمن لا يمكن فعل أي شيء في أي بلد كان.

في الواقع ان الذين أحبطوا مخططات بول بريمر في العراق هم المحافظون الجدد: أي أكثر الناس تحمساً للغزو. فهؤلاء بسبب جهلهم بحقيقة الواقع في بلاد الرافدين كانوا يريدون سحب القوات الأميركية بأسرع وقت ممكن بعد تسليم السلطة لأناس موثوقين وبخاصة رجلهم المفضل هناك: أي أحمد الجلبي.

وبالتالي فالإدارة المدنية للبنتاغون هي التي وقفت في وجه زيادة عدد القوات هناك وليس الجنرالات العسكريين. وكان على رأس هذه الإدارة المدنية أشخاص من نوع بول وولفويتز. ودوغلاس فيث، وغيرهما من المحافظين الجدد.لقد كان هؤلاء جاهلين فعلاً بأمور العراق.

وهذا ما اكتشفه بول بريمر بعد أن استلم منصبه في المنطقة الخضراء بفترة وجيزة. لقد فهم فوراً أن استتباب الأمن والنظام في العراق لن يحصل بسرعة، بل سيأخذ وقتاً طويلاً. وعرف عندئذ ان المحافظين الجدد الذين يعيشون في مكاتبهم الفاخرة في واشنطن يشكلون صورة وهمية عن العراق. فلو أنهم سحبوا الجيش وسلموا السلطة لأحمد الجلبي لما بقي فيها أكثر من عشرة أيام، هذا إذا بقي.

لقد فهم بريمر أن الوضع معقد أكثر بكثير مما تتخيل الإدارة السياسية في واشنطن. فالغزو العسكري أمر سهل، ولكن ما يجيء بعده هو الصعب. وقد رأى بول بريمر منذ البداية ان القادة العراقيين الذين استلموا الحكم عاجزون عن حكم البلاد أو السيطرة عليها. وقال لبول وولفويتز نائب رامسفيلد في البنتاغون: إنك تبني أوهاماً كثيرة عليهم. إنهم أقل كفاءة مما تظن.

وهكذا وجد بريمر نفسه في عز الشتاء بدون أي استراتيجية عسكرية لمواجهة الوضع. وعرف أنه يقف على رأس احتلال عسكري عاجز عن ضبط البلاد. ورأى أنه من المستحيل تنفيذ مشروع وولفويتز القاضي بسحب القوات الأميركية وإحلال القوات العراقية محلها.

وقال لقيادته في واشنطن: كفوا عن التفكير في هذا المشروع الوهمي، إنه فاشل سلفاً، فالقوات العراقية كانت لا تزال جنينية أو بدائية، وما كانت إطلاقاً بقادرة على مواجهة قوات التمرد التي اندلعت بقوة في أنحاء عديدة من البلاد وبخاصة في المحافظات المحيطة ببغداد.

من المعلوم ان اللوم الأكبر الذي وجهوه إلى بول بريمر هو انه حل الجيش العراقي بعد بضعة أسابيع من دخول بغداد واحتلال العراق. وقد رد بول بريمر على هذا اللوم بطريقة مقنعة، قال لهم ما معناه: لم يعد هناك جيش بعد دخولنا إلى بغداد. الجميع عادوا إلى بيوتهم سواء أكانوا ضباطاً أم جنوداً.

وقد أعطينا لكل واحد منهم راتباً تقاعدياً صغيراً. ووافقت واشنطن على حل الجيش. وبالتالي فالقرار لم يكن صادراً عن بول بريمر وحده. يضاف إلى ذلك أن الأكراد والشيعة ما كانوا سيقبلون بالجيش العراقي كما هو. فهذا الجيش في ظل صدام كانت تقوده طبقة من الضباط الكبار. ومعظمهم كانوا من العرب السنة. وقلة قليلة جداً كانت من العرب الشيعة أو الأكراد السنة.

ثم يردف بول بريمر قائلاً: لقد فهمت حقيقة الأمر في العراق عندما جاءني الرئيس المحلي للمخابرات المركزية الأميركية إلى مكتبي وقال لي: هذا التمرد العسكري ضدنا كبير وسوف يستمر طويلاً. والسبب هو انهم حضَّروا له منذ فترة من الزمن: أي قبل الغزو العسكري نفسه.

ثم عرض عليّ وثيقة بالعربية تكشف عما يلي: لقد أمرت القيادة العراقية السابقة بتنظيم شبكات المقاومة المسلحة قبل بضعة أشهر من حصول الغزو بعد أن تأكدت أنه سيحصل لا محالة. فهذه الوثيقة السرية التي عثرت عليها المخابرات الأميركية في العراق يعود تاريخها إلى شهر يناير من عام 2003: أي قبل ستة أو سبعة أشهر من حصول الغزو الأميركي. وكانت الأوامر تقتضي بالقيام بعمليات تخريب واسعة لكل المرافق الحيوية العراقية ولكل أنابيب النفط بعد احتلال الأميركان للبلاد وذلك لمنعهم من أن ينعموا بالهدوء والاستقرار.

وهذا الشيء ما كان الأميركان يتوقعونه. كانوا يعتقدون أن الشعب العراقي سوف يستقبلهم بالورود والرياحين لأنهم خلًّصوه من صدام حسين. وهذا ما فعله قسم كبير من الشعب ولكن ليس كل الشعب، وبخاصة ليست تلك الفئة من الشعب المسلحة تسليحاً جيداً فالمستفيدون من نظام صدام وهم كثيرون حقدوا حقداً كبيراً على قوات التحالف التي غزت بلادهم وغيرت وضعهم فجأة من القمة إلى الحضيض.

ولذلك قرروا الانخراط في صفوف المقاومة وإلحاق أكبر ما يمكن من الأذى والضرر بالأميركان ومن يتعاون معهم. ويعترف بول بريمر بأنه لم يكن يتوقع هذه المقاومة المسلحة على الإطلاق. وهنا تكمن، بالنسبة له وللإدارة الأميركية ككل، أكبر مفاجأة في حرب العراق بعد السقوط السريع لبغداد. فقد خدعهم هذا السقوط السهل وجعلهم يبنون عليه الأوهام التي سرعان ما تبخرت.

* الكتاب: عامي في العراق: النضال من أجل بناء مستقبل من الأمل

* الناشر: سيمون وشوستر نيويورك 2006

* الصفحات: 417 من القطع الكبير

MY YEAR IN IRAQ

THE STRUGGLE TO BUILD A FUTURE OF HOPE

PAUL BREMER

SIMON AND SCHUSTER - NEW YORK 2006

P. 417