يأتي كتاب«الدولة والمجتمع المدني» للباحث شاهر أحمد نصر ـ وهو عضو اتحاد الكتاب العرب وله العديد من الكتب في المجال السياسي والأدبي ـ كحصيلة للحوارات التي بدأت في سوريا منذ عام 2000 حول الديمقراطية والمجتمع المدني. وقدم الكتاب د.طيب تيزيني بقوله:
انه أنجز مهمة نظرية وذكية وبارعة باتجاه الاستحقاقات العربية الراهنة (الدولة والديمقراطية والمجتمع المدني) في مرحلة يراد فيها للعالم العربي أن يستباح كلاً أو جزءاً من قبل الاملاءات الأميركية المتعاظمة. وقد تم تقسيم الكتاب إلى ثلاثة أبواب. يتضمن الباب الأول:
ظهور الدولة ومفهومها وظروف تشكلها. فالدولة الحديثة، دولة الحق والقانون، كانت نتيجة مخاض تاريخي كبير عرفته المجتمعات الأوروبية في عصر نهضتها الاقتصادية والثقافية التي تميزت بصراع العقل والعلم مع الأفكار الغيبية التي كانت تغذيها الكنيسة والإقطاع.
وترافق ذلك مع ظهور طبقات ثورية صاعدة في المجتمع هي البرجوازية والطبقة العاملة وميزات السلطة في الدولة الحديثة هي أولاً: قبول المجتمع بالدولة التي تكفل حرياتهم وهو شرط بقائها، وثانياً المساواة القانونية لكل أفراد المجتمع، وثالثاً: التداول السلمي للسلطة والذي يمنع احتكار بعض السياسيين والأحزاب للدولة. وبذلك تكون سلطة الدولة لجميع المواطنين.
ولم تصل المجتمعات العربية بعد لبناء الدولة الحديثة. لأن أغلب الأنظمة العربية تفتقر لميزات الدولة الحديثة. إنما تحكم شعوبها بواسطة قوانين الطوارئ، وتقيم التمايز بين أفراد المجتمع، ولا تؤمن بالتداول السلمي للسلطة. ويمكن الحديث عن سلطات وأنظمة عربية وليس عن دول. بالتالي فإن استكمال بناء الدولة على أسس حضارية سلمية هي مهمة وطنية ومصيرية ويتوقف على معالجتها مستقبل هذه المجتمعات.
ويتضمن الباب الثاني: المسألة الديمقراطية. مفهومها، وتاريخ تشكلها، وتنوعها. فمسيرة الديمقراطية في الغرب طويلة استغرقت ثلاثة قرون، عبرت من خلالها محطات عديدة، نجاحات وانتكاسات وصراعات فكرية وسياسية ودموية حتى وصلت إلى ما هي عليه الآن.
وتركز الصراع في البداية بين مذهبين: مذهب الحكم المطلق ،ومذهب العقد الاجتماعي الذي يفسر نشوء السلطة على أساس تعاقد بين الأفراد كجماعة، وبينهم وبين الحكام .ومثل هذا الاتجاه العديد من المفكرين منهم فولتير وجان جاك روسو، ومونتسكيو.
ولم تكن الديمقراطية وصفة جاهزة تم تطبيقها في كل الدول. إنما كانت نتاج صراعات داخلية حددتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية الخاصة بكل بلد. فالثورة الفرنسية (1789) والتي اقترنت باسم روبسبير عبرت عن التناقض بين مصالح الفلاحين وسكان المدن الفقراء من جهة، ومصالح الملكية والبرجوازية الغنية من جهة ثانية.
وكانت ثورة عنيفة أزالت الاستبداد الكنسي و الإقطاعي، وأسست الجمهورية . إلا أن الصراع العنيف استمر داخل المجتمع الفرنسي بين القوى الديمقراطية الجديدة والقوى المناهضة ، فكانت ثورة 1830 ثم 1848، واستطاع نابليون بونابرت العودة للحكم من جديد ، ثم كومونة باريس 1871 وصولاً للحرب العالمية الأولى والثانية. وكذلك الديمقراطيون في أميركا خاضوا أكبر حرب أهلية عرفتها العصور.
ويستنتج المؤلف من هزيمة الديمقراطية الاجتماعية في (1848) التي كانت تمثل الشعب أي العمال والفلاحين والبرجوازية الصغيرة، ضد الارستقراطية، في فرنسا وباقي الدول الأوروبيةان الديمقراطية الاجتماعية لا تتحقق بمجرد إلغاء السلطة الملكية القسرية القديمة وتعميم حق الاقتراع. إذ يمكن للاستبداد أن يعود حتى عن طريق الانتخاب كما صوت الفرنسيون لنابليون في (1848) وكذلك لهتلر في ألمانيا فيما بعد.
لان قيادات التحول الديمقراطي لم تعر اهتماماً كافياً لعمل الآلية السياسية الجديدة التي لا يمكن أن تسير من تلقاء ذاتها، باعتبارها عملية سياسية يتطلب انجازها عملا دؤوبا ومستمرا لا يتوقف عند الخطابات الموجهة للجماهير عن الحرية والمساواة ورفع الراية الجمهورية. فإن ذلك وحده لا يفيد شيئا.
أما انجلترا فقد اختارت التطور السلمي الطويل. منذ الثورة السلمية (1688) والتي أدت إلى زوال التناقض بين الإقطاعيين والملكية من جهة والبرجوازية الجديدة من جهة أخرى، إنما بقي الشعب خارج الحكم... ولم يمتلك حق الاقتراع الحر، إلا تدريجياً وبعد قرنين من الزمن.
وما بين هذين الأسلوبين الثوري العنيف ـ والتدرجي السلمي البريطاني تطورت الديمقراطية في باقي دول أوروبا بأشكال مختلفة.وكانت سويسرا البلد الأوروبي الوحيد الذي اختار شكل الديمقراطية البرجوازية الملائم في وضع يتسم بالهدوء.وقد أفرزت الديمقراطيات الأوروبية اشكالا عديدة للحكم مثل: النظام البرلماني (بريطانيا)، والرئاسي (أميركا)، وديمقراطية التوافق والاستفتاء (سويسرا)، والملكية الدستورية (إسبانيا، اليابان) والبرلماني وحكم الأحزاب (ايطاليا).
وعند بداية القرن العشرين برزت أشكال عدة من الديمقراطية:
ـ الديمقراطية الامبريالية: في شكلها النقي ـ الإمبراطورية البريطانية.
ـ الديمقراطية الكولونيالية: اقتصرت على مناطق استيطان الأمم البيضاء وراء البحار ـ أميركا قبل 1890
ـ الديمقراطية الاجتماعية: والتي تدعو إلى سيادة الجماهير العاملة. مع الحفاظ على الملكية الخاصة.
ـ الديمقراطية الليبرالية: والتي جسدت احتجاج رأسمال المنافسة الحرة ضد الاحتكار الامبريالي الممركز ،وتدعو للتوازن والتقدم الاقتصادي والحضاري للإنسانية وتكفل الوسائل الضرورية للوفاق الطبقي (مثل سويسرا والنرويج). ومع انتقال الرأسمالية للمرحلة الامبريالية أصبحت الامبريالية إنكاراً للديمقراطية عن طريق السيطرة و انتهاك حق الأمم في تقرير مصيرها،
لأن الأساس السليم للبناء الديمقراطي هو الحرية. الحرية من الاستعمار والاحتلال. وان فقدان هذه الحرية يفقد الديمقراطية من مغزاها الحقيقي السليم ويحولها إلى أداة قمع تعيق تفتح طاقات المجتمع. وأما في العالم العربي والإسلامي ، فإن مشكلات تطبيق الديمقراطية لا تأتي من أن المجتمعات الشرقية غير مؤهلة للديمقراطية
كما حاول بعض المفكرين الغربيين مثل (مونتسكيو ومل) تسويقها. أو أن الإسلام يتعارض مع الديمقراطية. إنما من غياب الثقافة الديمقراطية، ثقافة الحرية بمعناها الواسع.وكمثال (سوريا نموذجاً): فإن الأحزاب السياسية لم تبن في ايديولوجيتها السياسية قيماً وتقاليداً ديمقراطية تعددية تعترف بضرورة وجود آخر معارض.
ونظراً لضعف التقاليد الديمقراطية وعدم تأصيلها وتجذيرها في الوعي الشعبي وقوانين البلاد فقد استغل العسكريون منذ السنوات الأولى هذا الضعف مستفيدين أيضا من ضعف هذه السلطات تجاه إسرائيل.وترافق نمو دور العسكر سياسياً مع تشكل الأحزاب الراديكالية، حتى أن بعض الأحزاب عرفت نفسها بأنها انقلابية. فأخذت الانقلابات العسكرية المتناقضة مع الديمقراطية تلعب دوراً سلبياً في نشر الوعي السياسي الديمقراطي في البلاد. ثم جاءت الوحدة السورية المصرية وتم إلغاء الحياة السياسية كلها.
وازداد تدخل الجيش ممثلاً بالأجهزة الأمنية في حياة الناس.
وأصبحت جميع التنظيمات السياسية والجماهيرية تحت هيمنتها وازداد التشوه الاجتماعي وبدأت تتشكل الدولة الأمنية التي حصدت الأخضر واليابس، ووضعت الوطن أمام نفق مسدود.
وبالتالي أصبحت الديمقراطية ضرورية للخروج من هذا النفق ومعالجة المشكلات والأزمات الاجتماعية والثقافية والسياسية الناجمة عن هيمنة بنى متخلفة متكلسة. ولضرورة التنمية الاقتصادية والتوزيع العادل للثروة ،ولمواجهة الشمولية الاحتكارية العولمية، ومخاطر المشروع الصهيوني في المنطقة. فالديمقراطية أصبحت مهمة وطنية من الدرجة الأولى، والتأخير في تحقيقها لا يخدم مصالح الوطن و الشعب.
ويتضمن الباب الثالث والأخير: مفهوم المجتمع المدني وأهميته في بناء الديمقراطية. ورغم المفاهيم المختلفة التي يقدمها المفكرون للمجتمع المدني. إلا أنه اصطلح في علم الاجتماع على تسمية الحالة التي تتميز في إطارها العام باستقلال الفرد عن الأسرة و العشيرة و اعتماده على المجتمع، واعتماد المجتمع على الفرد، بالمجتمع المدني. والأساس الذي يبنى عليه المجتمع المدني هو الحرية. فهي المبدأ والغاية. والمحرك الضامن لوجوده و تطوره. والمجتمع المدني مشروط بوجود الدولة الديمقراطية.
وليس هناك أي تعارض بين الدولة ومؤسسات المجتمع المدني، بل ان دور كل منهما يكمل الآخر. فالدولة القانونية لا تلغي مؤسسات المجتمع المستقلة عنها. إنما تساعد على تفتحها. ومؤسسات المجتمع المدني تساعد الدولة في القيام بمهماتها . فالمجتمع المدني مع الآليات الديمقراطية هو الإطار السليم لتطور البنية الاجتماعية الدينامية.ومؤسسات المجتمع المدني كالديمقراطية، هي إنجاز إنساني عام. وليس حكراً على الغرب، كما يروج المعادون للديمقراطية. لأن الحرية والعدالة، هي مفاهيم إنسانية عامة، وهي نتاج تمازج الحضارات كلها عبر التاريخ الطويل للبشرية.
وان تاريخنا يتضمن العديد من بذور المجتمع المدني. وتعتبر« الصحيفة » أو المعاهدة أول وثيقة مهمة. بمثابة أول دستور يحدد أسس وقوانين تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية لسكان المدينة من مهاجرين وأنصار ويهود. إلا أن فقدان العرب لاستقلالهم ولقرارهم السياسي في بناء الدولة الوطنية الديمقراطية. أتم تشكيل الدولة القطرية الاستبدادية، وإلغاء المشاركة السياسية، قد أجهض تشكل المجتمع المدني الديمقراطي الحديث.
ولم ينضج أيضا مفهوم الدولة الديمقراطية الحديثة في الفكر السياسي العربي. ونتيجة للتشوه الحاصل في المجتمعات العربية الناجم عن حكم العسكر، والحكم شبه الثيوقراطي. اخذ مفهوم المجتمع المدني في الوطن العربي يعني المجتمع غير العسكري وغير الخاضع للسلطة الدينية. ويجب التفريق في هذا السياق بين منظمات المجتمع المدني والتي تجد مرجعياتها في الوطن مفهوما وواقعاً وسلوكاً. والمجتمع الأهلي الذي يجد مرجعياته في الطائفة والمذهب والاثنيات. حيث تنشأ في هذه الحالة «أوطان» تعبر عن انقسام المجتمع وتجزئته وهشاشته.
* مروان عبد الرزاق
* الكتاب: الدولة والمجتمع المدني
* الناشر:دار الرأي للنشر - دمشق 2005
* الصفحات:213 صفحة من القطع المتوسط
