يتحدث الفضل شلق في كتاب حواري مع جورج فرشخ عن تجربته مع رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري الذي اغتيل في بيروت يوم 14 فبراير 2004. ويقدم فيه معلومات وحكايا عن العلاقة التي جمعتهما خلال مدة تصل إلى ربع قرن من الزمن، وبدأت عام 1978 عندما بدأ شلق يعمل مهندساً في مؤسسة الحريري، ثم اشتدت مع الصداقة ونجاح الأعمال وتقاسم الهموم والأسرار، واستمرت حين صار وزيراً في أول حكومة ترأسها الحريري، لكنها انحسرت أواخر عام 2002.

ومع الحوار والسرد تمتد القصص وتتطاول لتكشف جوانب مهمة من شخصية الحريري كإنسان ورجل أعمال وسياسي له مواقفه السياسية المميزة. ومن المرويات يظهر رفيق الحريري شخصية مميزة، ذكية، تفيض طيبة ومحبة للناس، بل واستعدادا للمساعدة. «لم يكن يترك أحداً من خيره. ولم يترك أحداً حيادياً. كل يوم معه كان له طعم ولون مختلفان. وأمضينا معه خمسة وعشرين عاماً. عمراً. أحلى سنوات العمر». ويرسم شلق عبر سرده السلس مساحات واسعة من العلاقة مع الحريري، ولا ينسى أو يتغافل عن مجالات الخلاف والمآخذ وما يعتبره أخطاء. وهناك التغيرات والتباعد المؤقت والطويل مع الرجل الذي أحبه باستمرار.

لكن كلماته مشبعة بالدفء وبمحبة صادقة حتى حين تتناول شيئاً عن اختلاف وجهات النظر ما بين المدير العام لمؤسسة الحريري وبين صاحب المؤسسة، وبين رئيس مجلس الانماء والاعمار ووزير الاتصالات السلكية واللاسلكية وبين رئيس حكومته، أو بين رئيس تحرير الجريدة وصاحب امتيازها.

ونتعرف أيضاً من المرويات على الفضل شلق، صاحب المبادرات والمشاكسات، اليساري والعروبي، والمهندس الذي هجر اليسار وترك عمله في لندن ليعمل في مؤسسة الحريري، ثم صار رئيساً لها، ثم وزيراً في حكومة الحريري الأولى. وترأس في عام 1991 مجلس الانماء والاعمار الذي تولى مهمة إعادة بناء بيروت ولبنان على مدى سنوات طويلة،

كما شارك رضوان السيّد في رئاسة تحرير مجلة «الاجتهاد» منذ نشأتها عام 1987 حتى توقفها عام 2003، وترأس تحرير صحيفة «المستقبل» اليومية التي تصدر في بيروت منذ تأسيسها عام 1999 إلى العام 2002، ويرأس منذ ديسمبر 2004 مجلس الإنماء والإعماء في بيروت وإلى يومنا هذا.

وهو أيضاً كاتب له العديد من المؤلفات، منها «الطائفية والحرب الأهلية»، و«إشكاليات التوحد والانقسام في التاريخ العربي»، و«الأمة والدولة في المنظور العربي»، و«تجديد المشروع العربي»، و«لبنان وتحديات المستقبل»، و«الوعي بالعالم»، و«عودة الاستعمار والحملة الأميركية على العرب»، و«الوعي والمأزق، تجليات الفكر في مشكلات العرب».

لكن الكتاب بقدر ما هو شهادة عن رفيق الحريري، فإنه يشهد أيضاً على عصر إعمار بيروت، وعلى فترة الوئام والوفاق الوطني التي قادها الحريري. ويعكس تجربة فضل شلق وفق مرجعيات متعددة، هندسية وثقافية وسياسية، والأهم من ذلك استحضاره لحيوات كثير من الناس والأمكنة التي تمتد من لندن إلى باريس إلى الرياض وبيروت ودمشق وصيدا والجنوب اللبناني وشماله وشرقه، وتكثر المواقف والذكريات والأعمال، وفي جميعها تظهر بيروت عاصمة ضجت حياتها بنبض رفيق الحريري، وعاشت سنين عديدة على ايقاعات احلامه الكبيرة.

لا شك في أن تجربة الفضل شلق مع رفيق الحريري كبيرة، تستحق التسجيل والتوثيق، حيث عاصرت هذه التجربة كما يقول «معظم سنوات الحرب اللبنانية، ومن ثم اتفاق الطائف وما بعده. وتعاطت مع الشأن العام في القطاعين الخاص والعام، انطلاقاً من عمليات التنظيف والاعمار خلال وبعد الاجتياح الاسرائيلي لبيروت، مروراً بجمع النفايات وإصلاح أنابيب الماء والصرف الصحي وترميم الطرق والأرصفة.

وفي المجال الانساني واكبت هذه التجربة عمليات توزيع المساعدات الغذائية للناس عندما انسدت في وجوه كثير من اللبنانيين سبل الحياة. كما أنها أسهمت في تعليم ما يزيد على ثلاثين الف طالب جامعي في لبنان والخارج، وكذلك ساهمت في انجاز اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الاهلية في لبنان، ولها إسهامات في مجالات أخرى عديدة.

ومن ثنايا الكتاب العديدة يمكن أن نتعرّف أكثر على شخصية الحريري وعلى تجربة الفضل معه، فهو رجل طيب النفس يسلف الاخرين النيات الطيبة والبراءة حتى يثبت العكس. لكن «رفيق الحريري قبل السلطة شخص وفي السلطة وبعدها شخص آخر. تنوعت الاراء فيه، واختلفت حتى التناقض. قالوا كل شيء وعكسه وأحيانا الاشخاص ذاتهم.

قالو إن السلطة كانت اداة في يد الرئيس رفيق الحريري ووسيلة ثم اصبحت غاية... قالوا انه حول السلطة الى اداة لتحقيق مصالحه وغاياته... قالوا انه ضحى بمصالحه وهو في السلطة.. استخدم الطائفية ليبقى في السلطة».

وبصدد علاقة الحريري بالسلطة، يرى الفضل شلق «أن السلطة خيبت رفيق الحريري لكنه لم ينبذها. لم يزهد. ازداد تعلقا بها. كان يتصور انه يستطيع ان يعمل كثيرا لمصلحة البلد وإذا اجتمعت السلطة مع الامكانيات التي تتوفر لديه. وإذ به يكتشف ان السلطة كانت احيانا اقرب الى المكابح منها الى بدال السرعة. قبل السلطة كان يتهافت عليه النواب والوزراء طالبين الرضا والخدمات. كان بوسعه ان «يصنع» نواباً ويعين وزراء.

في رئاسة الحكومة قامت عليه حملات منظمة تستهدفه شخصياً وتستهدف اشخاصاً أعزاء من عائلته واصدقائه وتوجه اليه اتهامات جائرة ليس لها علاقة بالواقع». إذن، أتى الحريري إلى السلطة كي يضفي مسحة خاصة عليها، لكنها تركت أثراً على شخصيته، وعلى إنسانيته وفرديته، حيث السلطة في عالم اليوم، وخصوصاً في بلداننا العربية، أقرب إلى لعبة توظيفات إرادوية موجهة، وإلى لعبة توازنات وتحالفات طارئة، يحكمها المنطق الآني، منطق المصالح الفئوية والشخصية الضيقة.

لكن رفيق الحريري جاء إلى السياسة وهو يعي تماماً أن السياسة بمعناها المدني الواسع قد انتفت من قاموس زمننا العربي الفائت، تلك التي أرسى مفهومها أفلاطون وسواه من الفلاسفة في الأيام الغابرة من التاريخ الإنساني، فمثل هذه السياسة ماتت مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، كما أعلن ذات يوم ميشيل فوكو.

ومع ذلك أراد الحريري أن يعيد رسم بعض ملامحها، ولم يكن ينقصه العزيمة وطموح التغيير، فحاول أن يعيد صورة لبنان المستقل، بقراره ومقدراته، وراح يبحث عن خيط من التواصل مع ناسه، بجميع مكوناتهم وهمومهم وتمزقاتهم، وتنازعته الأهواء ما بين السياسة والإرادة، لكن ثمة مفارقة ما في العلاقة ما بين الطموح والآمال وبين متحقق الأحوال وصناعه، وربما قاده البحث عن تجاوز الشقاء اللبناني إلى نهايته المأساوية.

ويجب الاعتراف بأن اللبنانيين جميعاً، السياسيين أولاً، مؤيدين ومعارضين، كانوا يدفعونه في هذا الاتجاه، كأنهم كانوا يريدونه أن يصبح هو البلد. هو النظام. علماً منهم أن الناس سينتهون بأن يخلطوا، هم، بين النظام ورفيق الحريري. وأنهم سيلقون على رفيق الحريري تبعات النظام وأخطاءه وأوساخه وسفالاته». وبدافع الصداقة والغيرة كان الفضل شلق يقول للحريري «أنت لست النظام. أنت جزء من النظام. أنت لا تتحمل مسؤوليات هذا النظام. إذا مضيت في التماهي مع النظام لن يجدوا غيرك لرميه بالتهم».

وفي نهاية الكتاب تنطلق الكلمات مع مرارة شديدة، لا تخلو من الاتهام والشعور بلوعة الغياب ومأساوية النهاية، «لقد تحطمت رؤية رفيق الحريري على صخرة النظام اللبناني بعد وقت قصير من مجيئه الى السلطة. وهناك من اغتال روح رفيق الحريري قبل أن يغتاله المجرمون».

ومن سخرية القدر أن يشكل الموت مناسبة مفجعة لإعادة تشكيل صورة الإنسان والوقوف عندها وتأملها، أملاً في استعادة ملامحه وتكويناته، وتقديم ما يشبه جردة حساب لحياته ومواقفه وخصاله. لكن من الصعب استكمال صورة رفيق الحريري بشكل نهائي، بالرغم من انقضاء عام على اغتياله، ربما لأن جريمة الاغتيال أضافت معطى إضافياً يصعب تصوره وقبوله بسهولة مع شخص من أمثاله.

* عمر كوش

* الكتاب: تجربتي مع الحريري

* الناشر:الدار العربية للعلوم بيروت 2006

* الصفحات:430 صفحة من القطع الكبير