حمادي كيروم، مؤلف هذا الكتاب، هو ناقد وباحث سينمائي مغربي، من مواليد العام 1951 في الدار البيضاء. مدير مهرجان الرباط الدولي منذ خمس سنوات، وشارك في لجان تحكيم مهرجانات سينمائية دولية، منها سان سيباستيان، قرطاج، مونبلييه، دمشق وسواها. كتب عدة أبحاث، منها «تيمة السجن في الرواية العربية»، و«تحليل الخطاب الروائي»،
فضلا عن مشاركته في أبحاث جماعية، منها «الصورة بين التأويل والتحليل»، و«السينما والتربية»، و«كتابات في النقد السينمائي». ويقوم بإعداد برامج سينمائية للإذاعة والتلفزيون، وهو أستاذ في المدرسة العليا للاتصال في كلية الآداب بالدار البيضاء، ويعد أحد مؤسسي مهرجان السينما المغربية في روتردام بهولندا، وقد اسهم في تنشيط دور السينما وسلط الضوء على قضاياها وهمومها في بلاده المغرب، وله دور في التعريف بأهمية السينما، وتنشيط دورها من خلال مشاركاته في المهرجانات السينمائية الدولية.
في كتابه الجديد «الاقتباس من المحكي الروائي إلى المحكي الفيلمي»، الذي نال عنه شهادة الدكتوراه، والصادر مؤخرا ضمن سلسلة الفن السابع التي تصدرها وزارة الثقافة السورية (دمشق 2005) .
يناقش الباحث مسألة الاقتباس التي تبدو للوهلة الأولى مسألة بسيطة، غير أن هذه العملية هي من التعقيد بحيث تحتاج إلى دراسات معمقة وجدية، كما يذهب إلى تحليل ودراسة ما يتفرع عن عملية الاقتباس التي يعتبرها الباحث علما قائما بذاته له شروطه، وآلياته، وقوانينه. الكتاب الذي نحن بصدده يقدم محاولة في هذا الاتجاه. فالاقتباس تعريفا،
وحسب الشائع، هو عملية تتعلق بإعادة تأليف عمل إبداعي نوعي في صيغة تعبيرية تختلف عن صيغته التعبيرية الأصلية، ويقول الكاتب هنا: إذا افترضنا بأن الاقتباس ترجمة إبداعية وبأن الترجمة خيانة كما يقال، فما هي حدود التحولات التي ستحدثها سيرورة إعادة التأليف، في العمل الأصلي؟ وما هي الصعوبات المعرفية والتقنية والإبداعية التي تهدد هذه المغامرة الروائية السينمائية؟
والى أي حد يمكن للسيناريست أو المخرج التصرف بالنص الكتابي لدى تحويله إلى نص بصري؟ تلك هي بعض الأسئلة التي يطرحها الكتاب ويسعى، عبر عدة مباحث موزعة على خمسة فصول، للإجابة عنها، مستعينا في ذلك بعدد هائل من المراجع والمصادر، لاسيما الفرنسية والعربية.
والتزاماً منه بعلمية البحث يضع ثبتا بالمصطلحات العربية وما يقابلها في اللغات الأجنبية الشائعة لدى النقاد والباحثين السينمائيين.
تعترض سبيل السيناريست أو المخرج لدى اقتباسه رواية للسينما، إشكالية جوهرية تتعلق بماهية الاقتباس وكيفية إجرائه، ويتفق أغلب الدارسين على أن هناك وجهين للاقتباس، رغم تعدد المتغيرات الإجرائية في مجال الاقتباس،
وهما: الاقتباس الحَرفي الأمين، والاقتباس الحر غير الأمين. ويعرف الأول (الحرفي) بكونه الاقتباس الأصلي والجوهري، لأنه خال من التنويعات المركبة أو المبهمة، ويتحدد في نقل عمل روائي إلى الشاشة مع احترام عدم التدخل من قبل المقتبِس، و«تتطلب هذه الطريقة في الاقتباس مطابقة وملاءمة المعطى الروائي لأبعاد معطى آخر سيكون سينمائيا». ووفق هذا الفهم سيقتصر دور المخرج على تحويل كلمات الرواية إلى صور الفيلم مع محاولة الاحتفاظ بالحياد والشفافية خلال كل الاختبارات العملية.
كما ينبغي عدم التدخل ـ قدر المستطاع ـ في العمل الأصلي. ولا ينبغي خلق أحداث قد تحرف، بشكل من الأشكال، الفيلم عن الخط الذي رسمته الرواية. وهذه هي خلاصة المبادئ التي وضعتها المؤسسة الهوليوودية ـ كما يقول الباحث ـ والتي يجب على السيناريست أن يحترمها عندما يكون مقبلا على إنجاز عملية اقتباس.
ويرتكز بناء الاقتباس الحرفي على قابلية المقتبس واستعداده لتتبع عمل الروائي خطوة خطوة، وكلمة كلمة، وجملة جملة، وصورة صورة. ويعيدنا هذا النوع من الاقتباس ـ كما يلاحظ كيروم ـ في شكله العاري، الخالي من كل تدخل للمخرج إلى الكلام عما يسمى بـ «الاستنساخ التصويري» للرواية، أو بتعبير آخر «الانتحال المصور».
ومع ذلك ومهما كانت الصور والتشخيصات المختارة، فإن الفيلم لا يستطيع، أبدا، أن يترجم الرواية كليا وبشكل حرفي دقيق، لأسباب عديدة منها إشكالية الزمن، فالزمن في الرواية حر، بينما في السينما محدود، لذلك فالسينما ـ كما يطالب الباحث ـ مرغمة أن توضح بأنها جوهريا، غير قابلة للنقل المباشر للعمل الأدبي، دون أن تخضعه لتحولات فعلية، أي أن تقطيع النص الأصلي أو بتره، إن أمكن، ـ بحسب الكاتب ـ هو الطريق المنطقي والطبيعي الملازم لهذه الوسيلة التعبيرية التي هي السينما.
الوجه الثاني للاقتباس هو الاقتباس الحر، وهو أكثر تعقيدا من الأول، فظاهرة الاقتباس هنا لم تعد محكومة بمفهومي الأمانة ـ الخيانة، بل اصبح من الممكن، اليوم، القول بأن الكتابات لا يمكن اختزالها وذلك لعدم وجود تطابق في صيغ التعبير بين الرواية والفيلم. وبناء على هذا يصبح «الاقتباس هو التشخيص الدال لإنتاج المعنى»، وفي هذا النوع من الاقتباس يفترض ـ كما يذهب الباحث ـ التحريك الواعي واللاوعي للمعرفة والكفاءة الثقافية القادرة على التعرف على ما يسمى بـ «الذاكرة الداخلية» للنص الأصلي أي الرواية، بمعنى البحث عن المواد الثقافية المكونة للنص من أجل تفكيكها وإعادة توزيعها.
ونظرا لتغيير السياق السيوسيو تاريخي، وتغيير الوسيط التعبيري، يمكن أن نفترض ـ وفق الباحث ـ بأن الاقتباس الحر يستثمر في النص الأصلي بعض الطاقات التي ظلت نائمة كما انه قد ينسى أو يتناسى طاقات أخرى. ويعتمد هذا النوع من الاقتباس على قراءة النص الروائي بتمعن بهدف اقتباسه، ويحذر المخرج الدرامي الذائع الصيت ستانسلافسكي، في هذا السياق، من الانطباع الأولي الذي تتركه القراءة الأولى للعمل الروائي لدى المخرج المقتبس، فهو غالبا ما يؤدي إلى التسطيح،
ورغم أن ستانسلافسكي أوصى بتدوين هذا الانطباع لما يتميز به من طزاجة وشعورية، لكنه فضّل اعتماد الرؤية العميقة والمتروية والمشبعة بالاجتهاد. وأثناء كتابة السيناريو على السيناريست أن يفكر بالصور المرئية، وبالأصوات المسموعة.فإذا كان الروائي يقدم الشخصيات وحياتها الداخلية من خلال السرد والوصف والتعليق والشرح وكل أدوات القول، فإن السيناريست ملزم بان يقدم الشخصيات من خلال الفعل والحوار فقط.
ويستنتج الباحث بأن الفرق بين «الاقتباس الحرفي»، و«الاقتباس الحر» لا يكمن فقط في وجود أو غياب صفتي «الحَرفي» أو «الحر»، بل إن التمايز بين هذين الإجراءين مرتبط في جوهره بالتصور وبالطريقة التي يسلكها المخرج المقتبس، وليس بنتيجة العمل في حد ذاتها. إن الاقتباس الحر، حر بالفعل، لأن مثيله الاقتباس الحرفي مقيد بالرواية الأصلية التي عليه أن يظل لصيقا بها إلى حد الأمانة.
والمسألة ليست مقارنة تفضيلية يُحكم فيها على الاقتباس الحرفي بالإخفاق، ويُمجد فيها الاقتباس الحر لنجاحه في الخيانة.
إن الاقتباس الحرفي يتأسس على البحث عن مشابهة العمل السينمائي للعمل الأدبي. وفي هذه الحالة يصبح الاقتباس باردا وغير فاعل ـ حسب تأكيد الباحث ـ في حين يتأسس الاقتباس الحر على مبدأ التفاعل والتواصل بين المقتبس والعمل الأدبي بناء على إنتاجية الخبرة الجمالية، وفي هذه الحالة يتخذ الاقتباس شكلا فنيا حيا، ومستقلا.
ويتابع الباحث حديثه ليقدم في الفصل الثاني تعريفات للمحكي الفيلمي، إذ يعود إلى بدايات ظهور السينما وكيف تطور مفهوم المحكي الفيلمي، ثم يتحدث عن العلامات التي تكون مادة تعبير المحكي الفيلمي وهي «العلامة الأيقونية، العلامة اللسانية، العلامة الموسيقية»، وهو يلاحظ بأن السينما «فن تكنولوجي بحاجة إلى مجموعة من العناصر الأساسية التي تساعد الوسيط السينمائي على إنتاج السرد وجعله أكثر إقناعا»، وهي جهاز السينماتوغراف، والشاشة، والنجومية التي تغري المشاهد على التماهي مع ممثله المفضل.
ويتناول الباحث، في مبحث مستقل، مكونات المحكي السينمائي، وما يتفرع عن هذا العنوان من عناصر، ويتحدث كذلك عن الفضاء المحكي السينمائي، وعن الزمنية السردية، وعن الشخصية السينمائية والفرق بينها وبين الشخصية الروائية.
وفي الفصول الأخيرة يشرح الباحث باستفاضة كيفية تلقي الخطاب السينمائي للمحكي الروائي عبر الحديث عن فيلم «بداية ونهاية» الذي أخرجه صلاح أبو سيف عن رواية بنفس الاسم لنجيب محفوظ، وكتب له السيناريو صلاح عز الدين، وقام بمونتاج الفيلم أميل بحري، وهو يستعرض في البداية مشاهد الفيلم المكون من سبعين مشهدا، بشكل تسلسلي كرونولوجي يساعد القارئ على تذكر الأحداث والوقائع التي شاهدها في الفيلم، ثم يناقش هذه المشاهد ويحللها تحليلا سينمائيا دقيقا، ويتوقف عند بنية الفضاء في اللقطة.
إن الهدف من وراء هذا البحث هو الإجابة عن كيفية اشتغال الخطاب السينمائي من أجل ترجمة الخطاب الروائي، مع محاولة إبراز النسق الصيغي لمكونات المحكي الفيلمي التي اعتمدها صلاح أبو سيف من اجل اقتباس المحتوى الحدثي لرواية «بداية ونهاية».
ومن خلال تعريف وتحديد صيغ وطرق الاشتغال السردي للمحكي الفيلمي يحاول الباحث المساهمة في تأسيس مقدمات أولية لنظرية علم السرد السينمائي داخل الصيرورة النقدية العربية.
وفي الجانب التطبيقي، الذي خصه لفيلم «بداية ونهاية»، يستنتج الباحث بأن صلاح أبو سيف لم يخن الرواية ولم يخن السينما وذلك لأن موهبته الإبداعية مكنته من خلق نسق من التناظرات يساوي نسق التناظرات التي استعملته الرواية. ويضيف الباحث بأن «المعنى العميق لهذا العمل تجلى من خلال التجاوب بين هذين النسقين التناظريين اللذين يعكسان في نفس الوقت التيمات الأساسية للرواية والاهتمامات الرئيسية للمخرج.
وقد تحقق هذا نظرا لنوع التواطؤ الفكري والفني الذي يجمع بين حساسية نجيب محفوظ وحساسية صلاح أبو سيف. بحيث أن الأخير استطاع أن يخلق وضعيات درامية سينمائية مناسبة لمثيلاتها في الرواية، كما بحث أبو سيف عن تقنيات بلاغية واستعارية سمعية ـ بصرية مناسبة مما جعله يخلق عالما من المفارقات يتموضع بين النسخ والإبداع. وبهذا المعنى فإن أبو سيف تجاوز وجهي الاقتباس (الحرفي، والحر) ليهتدي إلى العثور على وجه ثالث للاقتباس يتجلى جوهره في «الترجمة بأمانة مع الإبداع بخيانة».
ويشير الباحث في ختام كتابه إلى أن التعايش والتفاعل بين الرواية والسينما أصبح ضروريا، لأن أحدهما في حاجة إلى الآخر، فعلى السينما أن تستفيد من الرواية التي سبقتها وفتحت عوالم وتجارب إنسانية عميقة مما سيساعدها على الانعتاق من قبضة المفهوم التجاري التي افقدها كثيرا من ميراثها الفني والفكري .
كما أن السينما، بدورها، استطاعت أن تقدم خدمات مهمة لكثير من الأعمال الروائية إذ أخرجتها من رفوف المكتبات وقدمتها لجمهور واسع. كما قدمت السينما كذلك تقنيات جديدة في عالم الحكي ساعدت الرواية على تجديد أسلوبها مما جعلها تساير عصر الحكي السينمائي والتلفزيوني الذي يعتمد عنصري الفرجة المشهدية والإبهار.
* ابراهيم حاج عبدي
* الكتاب: الاقتباس من المحكي الروائي
* الناشر:وزارة الثقافة دمشق 2005
* الصفحات: 358 صفحة من القطع المتوسط
