مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب التركي أرشد الهرمزي، ناشط سياسي في مجال حقوق الأقليات التركمانية في منطقة آسيا الوسطى والشرق الأوسط. كتب بالعديد من الدوريات والصحف والمجلات العربية والتركية ومن أهم كتبه في ذات الموضوع: التركمان والوطن العراقي ـ المدخل إلى التاريخ العراقي ـ رسائل مفتوحة إلى الشباب التركماني في العراق.

يهدف هذا الكتاب الذي يتكون من تسعة فصول، وملحق قانون الدولة العراقية وملحق الإعلان الإسلامي لحقوق الإنسان، وميثاق الحركة التركمانية، إلى إثبات حقيقة الوجود التركماني في العراق باعتبارهم منتمين إلى الضمير العراقي، وتوضيح حقيقة تواجدهم العددي والجغرافي وإسهامهم الطويل في الشأن العراقي والانتماء للتراب العراقي.

كذلك التركيز على أن التنوع العرقي والثقافي لم يكن إلا إثراء للنسيج العراقي المتميز وأن كل الجهود يجب أن تنصب في خدمة هدف عراق حر موحد تعددي ديمقراطي تسود فيه سلطة القانون وتحترم على ترابه حقوق الإنسان.

يتحدث المؤلف عن هوية المناطق التركمانية في العراق من خلال عرضه لبعض الخرائط الموجودة في «دائرة حفظ الوثائق البريطانية» والتي توضح إحدى خرائطها ـ والمعدة من قبل البريطانيين ـ أماكن تواجد المسيحيين والعرب والأكراد، وأشارت أيضاً إلى تلك المناطق المختلطة والتي يتمازج فيها أبناء القوميات المشار إليها.

وقد حددت تلك الخريطة أماكن المدن والقصبات المختلفة والتي يسكنها التركمان وهي: تلعفر، الموصل، أربيل، التون كوبري، كركوك، كفري، تبه، خانقين، قزلرباط، مندلي. كما يشير الكاتب إلى موقف الحكومة البريطانية أثناء مفاوضات الموصل والتي عقدت بين «عصمت باشا» رئيس الوفد التركي ونظيره البريطاني «اللورد كرزون» في «لوزان» بسويسرا، حول مطالبة تركيا بضم تلك المنطقة، وفي هذا الصدد يقدم المؤلف تفنيداً للمبررات التي قدمتها الحكومة التركية في هذا الشأن،

ومنها: الأساس القومي والذي وضح الارتباط القوى ببغداد والبصرة أكثر من الارتباط مع الأتراك، برغم الاختلاف في اللغة والنسب والثقافة. والأساس السياسي والذي اتضح من خلال الاستفتاء الذي أجري عام 1919 لتوحيد البصرة وبغداد والموصل في دولة واحدة، وكذلك مبايعتهم للملك «فيصل» ملكاً على العراق،

واستقبالهم له استقبالاً حسناً عند زيارته لهم. والأساس التاريخي والذي أتى به الأتراك عطفاً على تلك الحقبة التي حكمت فيها الدولة العثمانية الدول العربية بما فيها بغداد، قد يكون سابقة تاريخية خطيرة لمطالبة الدول (الإمبراطوريات السابقة) بتلك المناطق والتي كانت تحكمها أثناء المجد الإمبراطوري، مما يعني إعادة رسم الخريطة السياسية للعالم أجمع.

والأساس الاقتصادي والذي يتضح منه أيضاً أن حجم التجارة بين مدن ولاية الموصل (الموصل ـ كركوك ـ السليمانية) كان في اتجاه المدن والدول العربية(صادرات السليمانية تذهب إلى بغداد ـ تجارة كركوك تذهب إلى بغداد والموصل والسليمانية ـ تجارة الموصل وهي الأقرب إلى تركيا تمتد جنوباً إلى بغداد وعبر الصحراء إلى سوريا).

والأساس الاستراتيجي والذي عبر عنه الوفد التركي بأن الحدود الجنوبية لولاية الموصل والممتدة على طول سلسلة جبال «حمرين» إلى الجنوب الشرقي تجاه نهر «دبالى» إلى الحدود الإيرانية ستشكل حدوداً مثالية بين العراق وتركيا. وبالطبع فإن اعتماد تلك الحجة سوف يجعل الدفاع عن العراق ضد أي غزو أمراً صعباً حيث يستطيع من يسيطر على الموصل أن يقطع طريق الإمداد عن بغداد.

كما أن بإمكانه قطع الطريق بين العراق وإيران وهو المنفذ الحيوي لبغداد والبصرة اقتصادياً والتي يعتمد سكانها على التجارة مع إيران. ويتحدث المؤلف عن نظرة الإدارة البريطانية إلى أشخاص كركوك وكفري، والتي كانت مبنية على مدى إظهار الولاء لبريطانيا العظمى، ووصم كل من يغرد خارج السرب البريطاني بالخيانة العظمى والعمالة،

إضافة إلى تهميش دورهم وعدم الاستفادة من طاقاتهم، وكذلك عدم توفير الحد الأدنى من الحقوق لتلك الفئة المهمة في المكون العراقي. كان هذا هو حال قادة المجتمع التركماني ونظرة البريطانيين لهم . وقد وصفهم التقرير المقدم من قبل «دائرة الخدمات الخاصة» في كركوك بتاريخ 27 نوفمبر 1925 إلى قيادة الاستخبارات الجوية في القاعدة الحيوية ببغداد بالشخصيات «السيئة» بالرغم من كونهم قيادات للمجتمع المحلي.

ثم يتعرض المؤلف إلى أحداث العنف التي وقعت في الأماكن التركمانية أثناء الاحتلال البريطاني للعراق مثل «أحداث كركوك عام 1924» والتي افتعل فيها الانجليز مشاجرة كبرى في السوق الكبير بكركوك وانسحب على إثرها الجنود الانجليز ليعودوا بعد ذلك بقوات كبيرة أحدثت أعمال قتل ونهب وتعقب للناشطين التركمان وإطلاق النار عليهم. وقد كان ذلك رسالة واضحة لأبناء تلك المنطقة من المدافعين عن القيم الوطنية والقومية.

وهو ما يعود الكاتب للإشارة إليه من خلال استعراضه لأحداث العنف في «كاور باغى» في كركوك في 12 يوليو 1946. إلا أنه يستعرض ـ وبمرارة ـ أحداث اضطرابات كركوك عام 1959 والتي حدثت بعد زوال العهد الملكي وفي أثناء حكم «عبد الكريم قاسم» وهي ما حدثت على خلفية تعيين «داود الجنابي» قائداً للفرقة الثانية في كركوك، والذي أطلق يد الشيوعيين في أمور المدينة ومنع صدور جميع الصحف التركمانية (البشير ـ الآفاق ـ كركوك) كما قام بترحيل واعتقال بعض الناشطين.

وفي يونيو 1959 قام عبد الكريم قاسم بإقصاء الجنابي وتعيين «العميد محمود عبد الرازق» بدلاً منه، مما أثار حفيظة الشيوعيون والبارتيون (الحزب الديمقراطي الكردستاني) كما قاموا باستفزاز التركمان ودسوا بعضاً من أنصارهم داخل المسيرات التي خرجت في الرابع عشر من يوليو 1959 للاحتفال بالذكرى الأولى للثورة،

وفي أثناء خروج المسيرة أطلقت رصاصة من مصدر مجهول تلاها إطلاق نار من بنادق آلية حيث ساد الاضطراب تلك الجماهير المشاركة بالمسيرة وألقوا شعارات الثورة وصور قائدها وظهرت الأسلحة النارية وحدث تبادل لإطلاق النار، والذي على أساسة فرض حظر التجول وجرى انتقاء العديد من زعماء التركمان وناشطيهم وتم قتلهم في الشوارع مثلما حدث في بغداد مع قيام الثورة على العهد الملكي،

كما تم نهب المحال التجارية وقصفت دور السينما (سينما أطلس ـ سينما العلمين) بالهاون، وضرب حصار على المدينة لمنع وصول الإمدادات إليها سواء من المدن التركمانية المجاورة أو من السلطات الرسمية.وكانت الحصيلة هي 25 قتيلاً و120 جريحاً حسب التقديرات الرسمية مع تدمير تام للحركة التجارية بالمدينة.

ثم يناقش الكتاب حقيقة التوزيع السكاني التركماني في العراق والذي يختلف عن نظيرة لدى العرب والأكراد والمجموعات العرقية الأخرى، فالنظام العشائري قد ترسخ بين العرب والأكراد خاصةً، حيث الولاء المطلق للعشيرة قد منح سلطة مطلقة لشيوخ العشائر ورؤسائها.

أما التركمان فقد غلب عليهم الطابع الأسرى، أي العلاقة الحميمة لبعض الأقارب المنحدرين من جد أعلى ويسمون بنفس مسمى الأسرة، وبالرغم من أن نظام الأسرة قد خلق نوعاً من التوازن الأسرى في المدن والقرى التركمانية وخلق نوعاً من الاحترام لبعض الأسر العريقة التي تعارف السكان على تسميتهم «أشراف المدينة» وجرى استعمال هذا المسمى أيضاً من قبل سلطات الانتداب البريطاني أثناء حكمها للعراق،

فإن النظام الأسرى لم يمنع من أن ينال كل فرد حصته في الظهور والشهرة والتكريم بسبب مستواه العلمي أو الديني أو الوظيفي. ويشير المؤلف إلى أن الدراسات الجدية التي تناولت العشائر والأسر العراقية والتي يمكن التوصل من خلالها إلى أصول الأسر التركمانية والعشائر التي أصبحت تقطن المدن والمناطق التركمانية قد تمثلت في خمسة مؤلفات هي: عشائر العراق ـ موجز تاريخ التركمان في العراق ـ معجم العشائر العراقية ـ موسوعة عشائر العراق ـ الوجود التركماني في العراق.

ثم يتحدث الكتاب عن مدينة أربيل من الناحية التاريخية والتي تعاقب على حكمها سلالات مختلفة. فقد ورد في نقوش «سلكي» عام 200 ق.م باعتبارها مدينة» أوربيلوم» وقد ارتبطت أربيل لفترة من الزمن «بالأكديين» واعتبر «الكوتيون» الذين فتحوا بابل هؤلاء من رعاياهم فازدهرت أربيل اقتصادياً واجتماعياً.

ثم دخلت المدينة تحت حكم «حامورابى» )3271 ق.م ـ 1686 ق.م) فأصبحت مدينة بابلية. وقد ورد اسمها في الكتابات المسمارية على أنها مدينة «كشان ـ كلامما». وفي عصر الآشوريين اعتبروها موطن آلهتهم «عشتار» وأنشأوا بها معبد «شور» وتحول اسمها إلى «عشتار ـ أربيلا». وبعد انهيار الدولة الآشورية احتل الفرس مدينة أربيل وشهدت عام 331 ق.م المعركة الشهيرة بين «داريوس» و«الإسكندر الأكبر» والتي انتصر فيها الأخير.

وشهدت أربيل نزاعاً طويلاً بين حكام «السلوخيين» و«الفرس» وقد انتهى ذلك الصراع لصالح «الفرس» الذين احتلوا المدينة بالكامل عام 139 ق.م وفي عام 115 للميلاد دخل الإمبراطور البيزنطي «ترجله» أربيل، إلى أن استطاع «الساسانيون» بقيادة «أردشير» إخراجهم من أربيل عام 226 ميلادية. وقد أسس التركمان بقيادة «زين الدين علي كوجوك» دولة في أربيل وعندما توفي عام 1168م تولى الحكم «مظفر الدين كوكبري» ومن بعده «سيف الدين الغازي» والذي التحق بالسلطان «صلاح الدين الأيوبي».

وقام المغول بعد ذلك بالاستيلاء على أربيل واحتلها «هولاكو» مثل باقى المدن العراقية، إلا أن أربيل شهدت حكماً تركمانياً فيما بعد تمثل في الدولة «الجلائرية» عام 1433م تحت حكم سلالة «قارة قوينلي»، كما حكمتها سلالة أخرى هي «آق قوينلي»، وقد دخلت تحت الحكم التركي باحتلال «السلطان مراد» لها عام 1637م وبقيت تحت الحكم العثماني حتى الاحتلال البريطاني وانتقلت إلى الحكم العراقي بعد الاستقلال.

وختاماً يؤكد المؤلف على أن مفاهيم الحركة التركمانية سياسياً وفكرياً يمكن تلخيصها في بعض الثوابت الفكرية والتي تبنت الحل العراقي وأخلصت في كل مفاهيمها للدولة العراقية وميزت بين تسلط الحكومات وبين قدسية الدولة.

إن هذه الثوابت يمكن أن تمد جسور الثقة والتواصل بين أبناء الشعب العراقي الواحد بمختلف قومياته ومذاهبه وطوائفه من أجل وحدة وسيادة وحرية الوطن العراقي.

محمد جمعة

* الكتاب: حقيقة الوجود التركماني في العراق

*الناشر:مؤسسة وقف كركوك اسطنبول 2005

*الصفحات: 313 صفحة من القطع المتوسط