ساهم في تأليف هذا الكتاب الشامل المانع العديد من الباحثين والباحثات الفرنسيات بإشراف كاترين ماركيه المختصة بشؤون المغرب. فالباحثة روث غروسريشار كتبت فصلا ممتعا بعنوان المغرب اليوم. والباحثة المذكورة هي خريجة اللغة العربية وأستاذة في معهد الدراسات السياسية في باريس.

وأما الباحث جان برينيون الأستاذ في علم التاريخ فقد كتب بحثا معمقا عن تاريخ المغرب منذ أقدم العصور وحتى اليوم. وفيه يتحدث لنا عن الفتح العربي الإسلامي لشمال إفريقيا وعن السلالات الأساسية التي حكمت المغرب منذ أقدم العصور وحتى اليوم. وهي سلالات عريقة لا تزال آثارها بادية للعيان في المدن الإمبراطورية كفاس ومكناس ومراكش... يقول هذا الباحث الفرنسي ما معناه: إن وصول الفاتحين العرب الأوائل إلى المغرب الأقصى دشن فترة تاريخية استثنائية بالنسبة لتلك البلاد.

فقد انضافت شعوب جديدة آتية من المشرق إلى سكان البلاد الأصليين: أي البربر. ثم حصل التزاوج والاختلاط بين الطرفين بعد الدخول في الإسلام. وعن هذا التزاوج والاختلاط نتج الشعب المغربي الحالي.

ومعلوم أن المغرب البربري كان واقعا في السابق تحت التأثير الروماني والمسيحي. ولكنه بدءًا من القرن الثامن الميلادي راح يقع تحت التأثير العربي الإسلامي. ثم جاء بعد ذلك الاستعمار الفرنسي والحداثة الأوروبية. والمغرب هو حصيلة تراكم كل هذه الحضارات المتلاحقة وراء بعضها البعض.

ثم أصبح المغرب فاتحا بدوره عندما عبر البحر ووصل إلى إسبانيا حيث أسس الحضارة العربية-الأندلسية. وكانت من أجمل الحضارات. ثم يردف المؤلف قائلا: وكان الفاتح الأول لشمال إفريقيا هو عقبة بن نافع الذي أسس مدينة القيروان في تونس وجعل أناسا كثيرين يعتنقون الإسلام. ثم جاء بعده الفاتح العربي موسى بن نصير الذي استطاع تحويل البربر إلى دين الإسلام بدءً من عام 703 وما بعده. ولم يحصل ذلك بدون مقاومة عنيفة في بعض الأحيان لأن البربر كانوا متعلقين بتراثهم وعقائدهم السابقة.

ثم عبر أحد مساعديه من البربر واسمه طارق بن زياد المضيق الذي يفصل شواطئ المغرب عن شواطئ إسبانيا والذي دعي بعدئذ باسمه: أي مضيق جبل طارق. والتحقت به القوات العربية لموسى بن نصير مع القوات البربرية وراحوا جميعا يفتحون إسبانيا. بل ووصلوا إلى جبال البيرنيه التي تفصل إسبانيا عن فرنسا. ثم وصل مولاي إدريس حفيد علي وفاطمة بنت الرسول من المشرق إلى المغرب هاربا من اضطهاد العباسيين له ولعائلته.

وهناك أسس أول سلالة عربية إسلامية هي سلالة الأدارسة. وقد ضرب بفأسه في الأرض وقال: هذه فاس ! وعلى هذا النحو تأسست أعرق مدينة مغربية وأصبحت عاصمته. وكان ذلك عام 788: أي في نهاية القرن الثامن الميلادي تقريبا. بعد هذه السلالة العربية الأولى التي حكمت المغرب، أي سلالة الأدارسة، جاء دور السلالة البربرية المشهورة باسم المرابطين. وقد حكمت البلاد بين عامي (1055-1147). وهم الذين أسسوا مراكش وجعلوها عاصمة لهم.

ولذلك لا تزال توجد حتى الآن منافسة كبيرة بين فاس ومراكش، أعرق مدينتين تاريخيتين في المغرب. فكلتاهما تدعي أنها العاصمة التاريخية للبلاد. وبالتالي فالرباط، العاصمة الحالية، لا تتمتع بنفس العراقة. ثم قام المرابطون بعدئذ بفتح منطقة المغرب الأوسط وإسبانيا الإسلامية حيث قضوا على الخلافة الأموية. ونتيجة احتكاكهم بالحضارة الأندلسية راحت مظاهر هذه الحضارة تنتشر في كل منطقة المغرب الكبير وليس فقط المغرب الأقصى.

ونقصد بمظاهرها: الشعر والموشحات والفن وتقنيات الريّ والزراعة. ولا تزال الموشحات الرائعة سائدة في الغناء الديني والدنيوي في المغرب حتى الآن. بالتالي فهو الوريث الأول للحضارة الأندلسية. ثم جاءت بعدهم سلالة الموحدين نسبة إلى التوحيد أو وحدانية الله التي ركزوا عليها كثيرا. وكان المؤسس العقائدي للسلالة هو ابن تومرت، بربري من جبال الأطلس الكبير. وأما المؤسس السياسي لها فكان تلميذه عبد المؤمن الذي أسس إمبراطورية الموحدين الممتدة من إسبانيا الإسلامية وحتى تونس.

واتخذ عبد المؤمن من مراكش عاصمة له كما فعل المرابطون من قبل. وقد ازدهرت الحضارة الإسلامية في ظل الموحدين من كافة النواحي الاقتصادية، والثقافية، والعمرانية، والفنية. ولما ضعفت سلالة الموحدين في أواخر أيامها هزمت أمام الجيوش المسيحية في معركة فاصلة عام 1212.

ومعلوم أن المسيحيين في إسبانيا كانوا قد ابتدأوا استعادة إسبانيا. ثم حلت محلهم السلالة السعدية، وهي سلالة الشرفاء، أي تنسب نفسها إلى عائلة النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وقد اختارت مراكش، لا فاس، كعاصمة لها. وقد حكمت البلاد بين عامي 1549-1654.

وأخيرا جاء دور السلالة العلوية الحاكمة حاليا. وهي لا تزال تحكم المغرب منذ عام 1666 وحتى اليوم: أي طيلة ثلاثمائة وأربعين سنة. وهي فترة طويلة لم تحظ بها أي سلالة أخرى في المغرب. وهي تنتمي أيضا إلى نسب الشرفاء، أي إلى سلالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ومن أشهر ملوكها مولاي إسماعيل الذي حكم أكثر من أربعين سنة في القرن السابع عشر واتخذ من مدينة مكناس عاصمة له.

ولكن فاس عادت لكي تصبح عاصمة البلاد في ظل الملوك الذين ورثوه أو جاؤوا بعده. ولكن المغرب ضعف بعدئذ وأصبح عرضة للأطماع الأوروبية. وقد فرضت عليه فرنسا نظام الحماية بين عامي 1912-1956. ثم نال استقلاله على يد بطل الاستقلال محمد الخامس.

أما الباحثة روث غرويريشار فتتحدث عن حالة المغرب المعاصر وتقول: تبلغ مساحة المغرب أكثر من سبعمائة ألف كيلومتر مربع، أي أنه أكبر من فرنسا التي استعمرتها بكثير. وأما عدد سكانه فيقدر بحوالي الثلاثين مليون نسمة. ولكن نسبة الأمية مرتفعة لديهم وتحاذي الخمسين بالمائة تقريبا. والعاصمة السياسية للمغرب هي الرباط التي يبلغ عدد سكانها مع ضواحيها حوالي المليونين.

أما العاصمة الاقتصادية فهي الدار البيضاء التي يبلغ عدد سكانها الثلاثة ملايين. اللغة الرسمية للمغرب هي العربية الفصحى أما اللغات المستخدمة في الحياة اليومية فهي العربية العامية، والأمازيغية البربرية، والفرنسية، والإسبانية في شمال البلاد فقط. أما الدين فهو الإسلام بالنسبة للأغلبية العظمى من المغاربة. إنه الإسلام السني المالكي. ولكن يوجد خمسة آلاف يهودي في البلاد، وأربعة وعشرون ألف مسيحي.

المصادر الأساسية للبلاد هي الفوسفات أولا. فالمغرب هو أول بلد في العالم فيما يخص تصدير الفوسفات. يضاف إلى ذلك الزراعة التي يشتغل فيها نصف سكان المغرب. ولكن لا ينبغي أن نستهين بالأموال التي يرسلها العمال المغاربة الذين يعيشون في فرنسا أو أوروبا عموما. فالبعض يعتبرها المصدر الأول لدخل المغرب وبخاصة من العملة الصعبة. يضاف إليها السياحة.

فالمغرب بلد سياحي من الدرجة الأولى. ويقصده الأجانب بالملايين كل سنة نظراً لجمال مدنه وقراه وجباله ومناخه وهوائه العليل. فالمغرب بلد متنوع جدا من الناحية الجغرافية والطبيعية والمناخية.

* الكتاب: المغرب

* الناشر: هاشيت ـ باريس2005

* الصفحات : صفحة من القطع المتوسط

Le Maroc

Catherine Marquet

Hachette-Paris-2005

P.511