مؤلف هذا الكتاب هو الباحث والمؤرخ الإنجليزي اليستير هورن المختص بالشؤون الفرنسية. وهو هنا يقدم صورة بانورامية شاملة عن تاريخ فرنسا ماضيا وحاضرا. ففرنسا هي إحدى الدول الأوروبية النادرة التي تمتعت بوحدة مركزية وقومية منذ أقدم العصور. فعلى عكس ألمانيا التي كانت مقسمة باستمرار إلى إمارات متنازعة فإن فرنسا كانت موحدة حول ملوكها حتى قبل الثورة الفرنسية بزمن طويل. ثم يردف المؤلف قائلا: إن فرنسا بلد من أجمل البلدان في العالم.
فقد حباها الله بطبيعة خلابة ومتنوعة جداً. ففرنسا، على عكس ألمانيا، تقع على بحرين لا بحر واحد. الأول بارد هو المحيط الأطلسي الذي يحيط بها غرباً وشمالاً، والثاني دافئ هو البحر الأبيض المتوسط الذي يحيط بها جنوباً حيث يوجد أجمل شاطئ في العالم: الشاطئ اللازوردي.
وهناك توجد المدن السياحية الشهيرة التي يؤمها ملايين السياح سنوياً: أي مرسيليا، سان تروبيز، كان، نيس، سان رافائيل، أنتيب، موناكو، الخ. وبالتالي ففي أشهر الصيف ينزل إلى هناك سكان أوروبا الشمالية من ألمان وهولنديين واسكندنافيين للتمتع بشمس المتوسط ومياهه الدافئة ذات اللون الأزرق السماوي أي اللازوردي. من هنا جاءت التسمية لذلك الشاطئ الذي يتفوق على كل الشواطئ في العالم.
وفرنسا تشبه المسدس من الناحية الجغرافية ولذلك يدعونها بالمسدس لا بالمربع ولا بالمثلث. وبينها وبين سويسرا وإيطاليا توجد جبال الألب الشاهقة والثلوج تغطيها على مدار السنة. وهناك يمارسون السياحة الشتوية ولعبة التزلج على الثلج. وأما عن باريس فحدث ولا حرج! فهي من أجمل عواصم العالم إن لم تكن أجملها. وهي تختصر العالم كله فيها، فلا يمكن أن تبحث عن شيء إلا وتجده هناك. كل مطاعم العالم وثقافاته موجودة في عاصمة النور.
وفي ضواحيها تقع عاصمة فرنسا التاريخية أي فرساي. فمن هناك كان الملوك يحكمون فرنسا قبل الثورة. وهناك يوجد أفخم وأجمل قصر ملكي في العالم: إنه قصر فرساي الذي بناه أحد كبار الملوك وأكثرهم جبروتا: لويس الرابع عشر. وقد لقب بالملك- الشمس نظرا لسطوته وهيبته وإشعاع البلاد في ظله، وحدائق قصر فرساي من أجمل الحدائق في العالم.
وقد جددوها مؤخرا وصرفوا عليها الأموال الطائلة لكي تصبح كما كانت عليه أيام لويس الرابع عشر أي إبان القرن السابع عشر. وقد أصبحت من أروع ما يكون. وزيارتها في الربيع أو الصيف أو الخريف تشكل متعة ما بعدها متعة.ثم يردف المؤلف قائلا عن باريس:وهناك بالطبع شارع الشانزيليزيه، ونهر السين الذي يخترق باريس ويقسمها إلى نصفين أو ضفتين، هذا بالإضافة إلى الجسور المعلقة فوقه والتي يحلو لك السير فوقها أو عبورها والتمتع بجمال المنظر من فوق.
وهناك أشياء أخرى عديدة لا داعي للتوقف عندها. وعموماً فإن معظم مدن فرنسا واقعة على البحار أو الأنهار، وهذا ما يخلع عليها جمالا خاصا وأخاذا. يكفي أن تذهب إلى ليون، أو غرينوبل، أو بيزانسون، أو ديجون، أو بوردو، أو نانت، أو مرسيليا، لكي تتأكد من ذلك. ولا ينبغي أن ننسى الطبيعة الخضراء في كل مكان. فالغابات تغطي أجزاء كبيرة من هذه البلاد الساحرة. فالريف الفرنسي مخضوضر حيثما ذهبت وتجولت. إنه لا يقل جمالا عن الريف الإنجليزي أو الألماني بل يتفوق عليهما نظرا لأنه مشمس أكثر.
وتاريخ فرنسا ينقسم إلى ثلاثة أجزاء: العصور الوسطى، فعصر النهضة، فعصر التنوير والحداثة الناتجة عنه. وفي العصور الوسطى كانت فرنسا مسيحية جدا وتابعة لبابا روما. وكانوا يلقبونها بالبنت الكبرى للكنيسة. وكان الشعب متدينا جدا في تلك الأزمان القديمة. أما الآن فقد أصبح علمانيا في معظمه وبعيدا عن المسيحية.
ولكن فرنسا انقسمت على نفسها إلى قسمين في القرن السادس عشر بعد ظهور حركة الإصلاح الديني البروتستانتي في ألمانيا عام 1520 على يد مارتن لوثر. فقسم من الفرنسيين اعتنق الأفكار الإصلاحية الجديدة وأصبح بروتستانتيا. ولكن القسم الأكبر ظل مخلصا للكنيسة الكاثوليكية. وعندئذ شهدت فرنسا حربا مذهبية طويلة الأمد. وكانت مريرة وقاسية ودموية. فقد حصلت مجازر كثيرة وبخاصة ضد الأقلية البروتستانتية. ومن أشهرها مجزرة سانت بارتيليمي التي أصبحت رمزا على التعصب الديني.
فقد هاجت الأغلبية الكاثوليكية في باريس على الأقلية البروتستانتية ومزقتها إربا إربا. وذهب ضحيتها ما لا يقل عن خمسة آلاف شخص خلال ثلاثة أيام فقط. ثم انتقلت عدوى التعصب إلى مدن الأقاليم وحصلت مجازر في بوردو، ولاروشيل، وليون، الخ. وهذه هي أكبر خطيئة تؤخذ على عهد الملك لويس الرابع عشر. فقد أمر بسحق البروتستانتيين إلا إذا تخلوا عن مذهبهم واعتنقوا مذهب الأغلبية. وطرح عندئذ الشعار الشهير: إله واحد، قانون واحد، ملك واحد!
وعندئذ اضطر مئات الآلاف من البروتستانتيين إلى الهرب والذهاب إلى الدول الأوروبية المجاورة ذات المذهب البروتستانتي أيضا: كهولندا، وانجلترا، وألمانيا، بل وعبر بعضهم المحيط الأطلسي حتى وصل إلى كندا. ثم يردف المؤلف قائلاً: ومن أشهر ملوك فرنسا في القرن السادس عشر الملك هنري الرابع. فهو لا يقل أهمية بالنسبة للفرنسيين عن لويس الرابع عشر الذي تلاه بقرن واحد، وقد حاول توحيد الشعب والقضاء على التعصب الطائفي الذي كان يمزقه.
وكان بروتستانتي المذهب، ولكنه تخلى عن مذهبه بعد أن دخل باريس وأصبح ملكاً على كل الفرنسيين. فقد كان من الطبيعي أن يعتنق مذهب الأغلبية لكي يقبل به الشعب. وعندئذ لفظ العبارة التالية التي ذهبت مثلا: باريس تستحق قداساً كاثوليكيا! بمعنى أن من يحكم باريس ينبغي عليه أن يعتنق مذهبها. فباريس لا تعطي نفسها لأي شخص. حكم باريس يعني حكم فرنسا كلها.
ثم يثني المؤلف على هنري الرابع ويقول: لقد استطاع هذا الملك الشجاع أن يوحد الشعب الفرنسي الذي مزقته الحرب الأهلية على مدار السنوات. وعقد اتفاقية بين كلا الطرفين البروتستانتي والكاثوليكي ووضع حدا لنزيف الدم. وهذا الاتفاق هو الذي اشتهر لاحقا باسم: مرسوم نانت، أي المرسوم الذي تم التوقيع عليه في مدينة «نانت» الفرنسية الواقعة على المحيط الأطلسي.
وطبقا لهذا المرسوم أصبح من حق الأقلية البروتستانتية أن تمارس طقوسها وشعائرها ضمن حدود معينة. وهدأت رحى الحرب الأهلية وتم إيقاف نزيف الدم. وكان هنري الرابع قد حقق بذلك المصالحة بين الفرنسيين. وقد حسب له ذلك الفضل على مدار العصور. ولكن أحد المتطرفين الكاثوليكيين لم يصدق أنه تخلى عن مذهبه واعتنق الكاثوليكية. وظل يشتبه به ويعتبره منافقا ومخلصا في أعماقه لمذهبه القديم البروتستانتي. وهو مذهب كان يعتبر من قبل الأغلبية الكاثوليكية بمثابة هرطقة أو زندقة أو كفر.
ولذلك فإن هذا الشخص المتعصب جدا والمدعو «رافياك» فكر باغتياله. وقد جاء من الأقاليم البعيدة إلى باريس لتحقيق هذا الغرض. وحظي مشروعه برضى بعض رجال الدين المتزمتين ونال منهم فتوى شرعية مسيحية تبيح قتل هذا الملك الطيب. وبعد عدة محاولات فاشلة للتقرب منه استطاع أخيرا تنفيذ غرضه وطعنه بخنجر مسموم عدة طعنات كانت قاتلة.
وهكذا دفع هذا الملك الكبير ثمن مواقفه المتسامحة من القضية الدينية ومحاولته للتوفيق بين المذاهب المختلفة داخل المسيحية.
والواقع أن لويس الرابع عشر هو الذي ألغى «مرسوم نانت» المذكور آنفا وأحل محله سياسة التعصب والتشدد ضد الأقلية البروتستانتية. وقد فعل كل ذلك من أجل إرضاء الرأي العام الكاثوليكي الذي كان متعصبا جدا آنذاك ولا يقبل بأي تعددية مذهبية أو عقائدية داخل المسيحية في فرنسا.ثم يردف المؤلف قائلا ما معناه:
وقد ظلت فرنسا تعاني من التعصب الديني أو الطائفي طيلة سنوات عديدة حتى استطاع التنوير أن ينجح وينتصر في بلاد فولتير. وكان ذلك في القرن الثامن عشر حيث خاض الفلاسفة حربا ضروسا ضد التعصب والمتعصبين وضد الكهنة والمطارنة والخوارنة.
ثم تكلّلت حركة التنوير هذه بالثورة الفرنسية عام 1789. وعندئذ انتصرت العقلية الحديثة على العقلية القديمة واستنارت فرنسا من الناحية الدينية وحل التدين الليبرالي الحديث محل التدين القروسطي العتيق. وعلى هذا النحو تشكلت فرنسا الحديثة التي أصبحت ديمقراطية وعلمانية وإنسانية طيلة القرن التاسع عشر. ولكن ذلك لم يحصل دون معارك طاحنة بين حزب التنويريين وحزب الأصوليين المسيحيين.
ثم يتوقف المؤلف عند لحظات عديدة من تاريخ فرنسا المعاصرة كلحظة الماريشال بيتان الذي تعاون مع هتلر والألمان أثناء الحرب العالمية الثانية، وكلحظة الجنرال ديغول الذي قاوم ذلك بكل قوة. ويكشف لنا المؤلف عن ملابسات هذا الصراع بين رجلين من أشهر شخصيات فرنسا في القرن العشرين. ولحسن حظ الفرنسيين فإن خط ديغول هو الذي انتصر وأنقذ شرف فرنسا أمام العالم كله. فالتعاون مع العدو يعتبر عارا وخيانة لدى كل الشعوب. ولكن المقاومة لم تكن سهلة في تلك الأيام السوداء التي عاشها الشعب الفرنسي بكل جوارحه وأعصابه.
ثم يتوقف المؤلف عند شخصيات ثقافية كبرى كأندريه مالرو، وجان بول سارتر، وألبير كامو، الخ. والواقع أن فرنسا كانت غنية بالشخصيات الثقافية المبدعة في كافة المجالات. وهذا ما خلع نوعا من الهالة الأسطورية على باريس بصفتها مركزا للثقافة العالمية. ولكن إذا كان مالرو قد قبل التعاون مع السلطة بل وأصبح وزيرا للثقافة في عهد ديغول، فإن جان بول سارتر رفض ذلك رفضا قاطعا. والواقع أنه كان يقف في المعسكر المضاد لليمين الفرنسي سواء أكان ديغوليا أم غير ديغولي.
كان ينتمي إلى معسكر اليسار ويعتبر نفسه رفيق درب للحزب الشيوعي الفرنسي. ولهذا السبب صالح بين الفلسفة الوجودية والفلسفة الماركسية وهاجم البورجوازية الفرنسية بكل قوة.
* الكتاب:فرنسا الجميلة تاريخ مختصر
* الناشر: ألفريد ا. نوف لندن نيويورك2005
* الصفحات : 512 صفحة من القطع الكبير
La belle France:
a short history Alistair Horne
Alfred a. Knoph
London, New York 2005
p. 512
