المطران يوحنا إبراهيم رجل دين وباحث في قضايا اللاهوت من سوريا يهتم بمسائل الحوار بين الأديان من أجل تحسين فهم الآخر والانفتاح عليه لاسيما بعد أن ظهرت طروحات تتحدث عن صراع الثقافات.
وكتابه قبول الآخر يعتبر مساهمة في البحث عن القيم المشتركة، التي تجمع بين أصحاب الديانات السماوية كرد على تلك الدعوات المغرضة التي تحاول تبرير السياسات العدوانية وفيه ينطلق من كون تعددية المذاهب والأديان لا تدعو بالضرورة إلى الصراع فيما بينها لأن الإرث المشترك في التعاليم الدينية يؤكد وحدانية الله.
وتعدد الشعوب وإن تنوعت طرق العبادة ولذلك فهو يرى أن كل ما يبعد الإنسان عن عبادة الخالق ويقربه من المادة يجعلنا نتمسك بتعاليم الدين السمحة ونتحد مع بعضنا البعض للدفاع عن كرامة الإنسان والعمل ضمن حوار القيم ليكون مفهوم قبول الآخر صادقا ومبنيا على ما تنادي به تعاليمنا المشتركة.
وقد وزع الباحث الكتاب على خمسة أبواب تناول في الأول منها مفهوم قبول الآخر من خلال الحديث عن مفهوم صدام الحضارات الذي طرحه المنظر الأميركي هنتنغتون بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة التي كانت قائمة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي .
والذي يقوم على أن الحضارات لا تتنافس بقدر ما هي تتصارع وهذا الصراع سوف يؤدي إلى إلغاء الآخر أو ذوبان الواحد في الآخر أو بروز حضارة جديدة تمتلك إمكانات الاستيلاء والسيطرة.
يعود الباحث في دراسته لبدايات رفض قبول الآخر في التاريخ الإنساني إلى الصراع الأول الذي جسدته قصة هابيل وقابيل عندما قام قابيل بقتل شقيقه هابيل و قصة عيسو الذي كره أخيه يعقوب بسبب محبة اسحاق المميزة ليعقوب وكذلك قصة يوسف وأخوته الذين كرهوه لأن أبوهم يعقوب أحب يوسف أكثر منهم فقاموا بإلقائه في البئر وادعوا بأن ذئبا أكله.
ولذلك جاءت الكتب السماوية والشرائع الدينية لكي تحث الإنسان على التسامح والإخاء والتآلف الذي يجب أن يسود المجتمعات لا أن تكون القوة والصراع على السلطة هما أسا س الصراع الذي يحكم علاقات هذه المجتمعات.
وفي دعوته لقبول الآخر يؤكد على ضرورة أن يكون الإنسان هو المحور في هذه الدعوة فقد اتفقت المسيحية والإسلام على استلهام تصور جوهر هوية الإنسان من الوحي الإلهي على خلاف الاستدلالات التي قدمتها العلوم الوضعية والإنسانية.
وما يواجهه العالم المعاصر من مشكلات وتحديات يستدعي من الناس التحلي بالتعاليم السمحة للدين والتوحد للدفاع عن كرامة الإنسان والعمل ضمن حوار القيم لكي يكون مفهوم قبول الآخر صادقا ومبنيا على أسس دينية حقيقية فالتعدد في الآراء والأفكار والنظريات لا يمنع من العمل المشترك إذا ما كان قبول الآخر موجودا.
وينتقل في الفصل الثاني إلى الحديث عن المدن المسيحية والدور التاريخي والحضاري الذي لعبته مدن حمص وحلب ورأس العين والرقة وأنطاكية في اغناء الثقافة من خلال ما قام به علماء هذه المدن من نقل لثقافة اليونان ونشر الآداب والعلوم حيث لعب السريان دورا مهما على هذا الصعيد، كذلك يتحدث عن الدور المهم الذي لعبته بعض المدن القديمة.
وفي مقدمتها مدينة الرها التي برز دورها الحضاري في إنشاء المكتبات التي اشتملت على سائر العلوم والآداب والتاريخ والفنون ثم يتطرق إلى مستقبل المسيحية في بلاد الإسلام باعتبار الحديث عن ذلك يعد من المواضيع الحساسة .
وقبل أن يحاول استشراف هذا المستقبل يشير إلى قضية أساسية تتمثل في تمايز المسيحية في المنطقة العربية عن المسيحية في المناطق الأخرى من العالم ولتوضيح ذلك يدرس أولا العلاقة بين المسيحية والإسلام كديانتين سماويتين ومن ثم يتناول العلاقة بينهما كشعوب تعيش مع بعضها البعض. لقد كانت المسيحية هي ابنة المنطقة .
و لذلك هي ليست غريبة عنها وقد انطلقت منها إلى العالم وعندما جاء الإسلام اتسمت العلاقة بينهما بالود والتعاون وفي مرحلة الصليبية التي كان فيها المسيحيون هدفا لتلك الحملات كغيرهم من المسلمين ظهر تعاون المسيحيين مع المسلمين ضد الفرنجة وما تؤكده المصادر التاريخية القديمة أن موقع المسيحية أصابه كثير من الضرر في تلك المرحلة حتى أن مناطق عديدة شهدت انحسارا للوجود المسيحي فيها.
وللجواب على السؤال الذي طرحه حول مستقبل المسيحية في المنطقة يرى الباحث أن حوار التعايش الإسلامي المسيحي في المجتمع واحد والتفاعل بينهما على صعيد الثقافة والحياة اليومية ما زال قائما ويذكر ما قاله عدد من المفكرين الإسلاميين بأن التعايش على أرض الإسلام.
حيث عاش المسيحيون وأثروا في المجتمع الإسلامي وتأثروا به ساهم في إنماء الحضارة والثقافة وتطورها كما إن العلاقات الحياتية تنمو وتتطور ويعد الدور الذي لعبه السريان من الأدوار المهمة في بناء الحضارة العربية وضد هذه المساهمة في مرحلتين المرحلة الأولى كانت قبل ظهور الإسلام والمرحلة الثانية كانت في العهد الأموي فالسريان في المرحلة الأولى أوجدوا عددا من المدارس الفكرية .
وكان لهم شأن كبير في المدرسة الرواقية التي كان لها أثر كبير في العالم الإسلامي يتجلى بصورة خاصة في كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي، أما المدرسة الثانية التي كان للسريان دور فيها فهي المدرسة الأفلاطونية الحديثة.
ومن المدن التي لعبت دورا مهماً في هذه المرحلة مدينة حران التي عاش فيها عدد كبير من الصابئة والسريان حتى العصر العباسي ويعتبر ثابت بن قرة وسنان بن ثابت وجابر بن حيان من أعلام هذه المدينة كذلك هناك مدرسة نصيبين.
ويتطرق إلى موضوع حروب الفرنجة في المصادر السريانية بعد أن تحدثت عنها المصادر العربية والبيزنطية حيث تبين المصادر الأخيرة أن هدف حروب الفرنجة لم تكن تحرير بيت المقدس من السيطرة الإسلامية أولا بل كانت تهدف إلى السيطرة على أهم المراكز المسيحية مثل القسطنطينية ونيقية وأنطاكية والرها.
ومرعش التي كانت تمثل مراكز مهمة للكنائس الشرقية لترسيخ نظامهم الإقطاعي فيها وفرض المذهب اللاتيني عليها ويرسم المؤرخون السريان صورة بشعة للأعمال البشعة التي قام بها الفرنجة خاصة بما يعلق بقتل الآلاف من الأبرياء في كل مدينة استولوا عليها وسلب الغنائم الكثيرة.
ويرى هؤلاء المؤرخون أن الهدف الحقيقي للغزو الأوروبي للمشرق كان يتجلى في تدمير أسس الوجود المسيحي الشرقي في المنطقة وقد أدى ذلك إلى تساوي المسيحيين والمسلمين في الأذى الذي طالهم من جراء هذا الغزو لكن الجانب الأخطر تمثل في وضع أسس للحقد والبغض بين العالم الإسلامي والعالم المسيحي مما أساء إلى مسيحيي الشرق.
ويعود الباحث للحديث عن الوجه الحقيقي للغزو الأوروبي للمشرق من الزاوية التاريخية كما يتحدث عن مدينة القدس والأبعاد التاريخية والدينية لها في الإسلام الذي يعتبرها ترمز إلى حقيقة الإيمان بالله ورسالاته ولذلك كانت هذه المدينة في عهد الدولة العربية مدينة مفتوحة في حين عمل اليهود بعد الاستيلاء عليها إلى تغيير معالمها من أجل إعادة بناء الهيكل اليهودي.
وتغيير المعالم الديموغرافية لها ومع مجيء الألفية الثالثة شهد الحوار الديني الإسلامي المسيحي تطورا ملحوظا على صعيد المسؤوليات المشتركة والاهتمامات التي تنطلق من القيم الدينية والأخلاقية .
وقد فرض ذلك ضرورة مواجهة التحديات المشتركة ويقدم الباحث نماذج تربوية في التعايش استندا إلى نصوص مستمدة من الديانتين وفي هذا الإطار يعرض لعدد من القضايا منها قضية المواطنة التي تستدعي من الجميع في مواجهة التحديات الالتفاف حول بعضهم البعض والعمل على تعميق فكرة التضامن وغرس مفهوم المواطنة الصالحة.
في فصل آخر موضوع الأديان والعيش المشترك والسلام الذي يعد من أهم المواضيع بالنسبة إلى الإنسان في هذه المنطقة وهنا يستعيد صفحات من التاريخ المشترك تؤكد على ارتباط المسيحية بالعروبة من خلال القبائل العربية التي كانت تدين بالمسيحية أمثال قبائل تنوخ وطي وبني تغلب وبني ربيعة.
وقد أيدت هذه القبائل الفتح الإسلامي بسبب اللغة المشتركة والتراث الواحد وصلة الدم الجامعة بينهم حيث انضمت معظم القبائل إلى الجيش العربي المسلم تحت إمرة المثنى ضد الفرس والبيزنطيين كما يتحدث عن العهدة العمرية ومساهمات الذميين ويشير هنا إلى كلمة الفاروق .
وهي كلمة سريانية تعني المنقذ والمخلص أطلقوها على الخليفة عمر بن الخطاب بسبب سياساته التي اتسمت بالتسامح وبالمقابل يتحدث عن العلاقة بين الفرنجة والمسيحيين الشرقيين التي شهدت في مرحلة الحروب الصليبية المعاملة السيئة والاضطهاد والسيطرة على الممتلكات أما بالنسبة إلى العلاقات المسيحية الإسلامية فقد عرفت التسامح واستطاع المسيحيون نيل حقوقهم وممارسة شعائرهم الدينية بحرية.
ومن الماضي ينتقل الباحث إلى الحاضر فيتحدث عن القمة الإسلامية المسيحية التي عقدت في روما بعد تدمير البرجين التجاريين في نيويورك من أجل العمل على تحقيق السلام ثم يتطرق إلى هذا الحوار في سوريا لاسيما على مستويي الحياة والعمل كذلك يتحدث عن الذكرى الثمانين لتأسيس جمعية العاديات في حلب.
والتي عملت على استحضار التراث وقيم العيش المشترك والثقافة الواحدة القائمة على التفاعل ويفرد لموضوع صوم رمضان وتحديات العصر بابا خاصا يؤكد فيه على القيم التي يقوم عليها باعتبار أن مائدة رمضان هي مائدة محبة وأن شهر رمضان هو شهر الرحمة وهو يرى فيه مناسبة لاجتماع الأخوة بين الدينين وسماع كلمة الله التي جاء بها القرآن الكريم.
أحلام سليمان
* الكتاب: قبول الآخر
* الناشر: دار قدمس ـ دمشق 2006
* الصفحات: 253 من القطع المتوسط
