يمثل هذا الكتاب نقطة تحول في مسار كتابات الدكتور يوسف جاد الحق.. فإذا كان القارئ لكتابات المؤلف قد اعتاد عليه كقاص وكاتب مسرحي قدم على مدى العقود الخمسة المنصرمة العديد من الأعمال القصصية والمسرحية منها مجموعة «أشرقت الشمس» القصصية ومسرحية «المصير» .
وغيرهما من أعمال على نفس الشاكلة، فإن الدكتور يوسف جاد الحق يخوض غمار مجال جديد للكتابة هو الكتابة الدينية من خلال عمل شبه موسوعي هو« القرآن ومحمد».
ويعالج الكتاب مسألتين هامتين هما الظاهرة القرآنية الفريدة التي تؤكد في فرادتها ومفارقتها لسائر كلام البشر بأن القرآن هو كلام الله. والمسألة الثانية هي: هل كان محمد باحثا عن دور قيادي لأمة العرب فانتحل صفة النبوة سبيلا إلى تحقيق ذلك كما زعم المرجفون والمشككون من أعداء الإسلام في مختلف العصور، أم أنه نبي تنزل عليه هذا القرآن؟
يستعرض المؤلف موضوعه من خلال ستة عشر فصلا يتناول من خلالها قبساً من السيرة النبوية، متطرقا بعد ذلك إلى مناقشة قضية التشكيك في مصدر القرآن، ويرد على جوانب هذا التشكيك بتناول التحدي المعجز بتفرد القرآن، والإعجاز والبلاغة والتأثير الروحي.
وفي تناوله التفصيلي للقضية الرئيسية التي تمثل محور الكتاب يقدم المؤلف الكثير من الرؤى والحجج التي تؤكد على الطبيعة الربانية للقرآن وأنه ليس كلام بشر.
وفي هذا يشير المؤلف إلى أنه إذا كان من خصائص النفس البشرية ألا يزهد الإنسان في مديح أو إطراء مثلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان استثناء على هذه القاعدة حيث لا نجد في سيرته شيئا من هذه السمات حتى بعد أن حقق ما لم يسبق إليه على صعيدي الدعوة والدولة حيث لم يصبه الغرور ولم تتغير سيرة حياته في مسلكه وتعامله مع الناس والأحداث.
ويضيف الدكتور يوسف جاد الحق أنه لو لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم نبيا لأصابه ما يصيب الناس عادة في مثل هذه الأحوال ولأضفى على نفسه ما شاء من أوصاف ومزايا ومناقب .
وما كان لأحد أن ينكرها عليه إذ هي حقائق لا مفتريات بيد أنه ما كان لينقل للناس إلا ما يتنزل به الوحي قرآنا ومن يلهم من ربه حديثاً ومسلكاً «»والنجم إذا هوى. ما ضل صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو الا وحي يوحى.(النجم الآيات 1 ـ 4).
وفي معرض الإشارة إلى ما يراه يؤكد الطبيعة الربانية للقرآن يشير المؤلف إلى أن القرآن نفسه لم يحدثنا عن سيرة الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم) في طفولته وصباه سوى ذكر يتمه في سورة الضحى كذكر أبويه أو تفاصيل عن حياته قبل البعثة.
بل إن ذكره بالاسم لم يرد في القرآن سوى خمس مرات في حين ذكر المسيح عيسى بن مريم خمسا وعشرين مرة، وأما موسى عليه السلام فقد جاء في ذكره أكثر من ذلك بكثير ليس من أجل التفضيل ولكن لاقتضاء المناسبة.
ويشير إلى أن هناك سورة لمريم ابنة عمران عليها السلام وليست هناك سورة لآمنة بنت وهب أم الرسول أو أخرى لابنته الأثيرة فاطمة الزهراء. متسائلا:
هل عرف الناس أحدا بينهم لا يرى في أمه خير النساء قاطبة أو أن امرأة كائنة من كانت تفضل أمه؟. فما بالنا إذا كانت المسألة تتعلق بطامح إلى الشهرة والظهور، ناهيك عن الزعامة والقيادة؟ ألا يدل هذا دلالة قاطعة على حقيقة مصدر الناس؟
وفيما يراه يعزز طرحه يشير المؤلف إلى أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كان يمكنه لو كان هو صاحب النص كما يزعمون أن يسهب في الحديث عن نفسه بما يزيد عما ورد عن الأنبياء والرسل الآخرين، وكيف يأتي بسورة عنوانها محمد ولا يتحدث فيها عن محمد بإسهاب واستفاضة؟
متسائلا: أليس هذا مما يخالف طبيعة الأشياء مما عرف عن نوازع النفس البشرية على مر العصور قديما وحديثا؟ ولماذ يهون إنسان من شأن نفسه في عيون من يسعى إلى تزعمهم؟ أليس خليقا به أن يعمل على ما يرفع من شأنه في أنظارهم لكي يتسنى له تحقيق مآربه.
مشيراً إلى الآية التي تقول: « وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم» آل عمران. الآية 144. فلماذا يعلن النبي (صلى الله عليه وسلم) هذا على ملأ من قومه وغيرهم إذا كان هو صاحب القول؟ ما النفع الذي قد يجنيه من وراء ذلك؟
ثم يشير المؤلف إلى التمايز بين الآيات والأحاديث متسائلا: كيف تسنى لمحمد أن يصطنع حدا يفصل بالقطع بين القرآن وحديثه هو، لو كانا كلاهما من عنده، بحيث لا تجد أبدا حديثا واحدا يشبه آية ولا يحدث التباس أبدا بينهما؟
وكيف وسعه أن يفرز نصا عن نص، ثم يسمى هذا قرآنا وهذا حديثا..؟ ولماذا؟ وما هي الضرورة الملجئة إلى ذلك؟ والأعجب من ذلك، حسبما يشير المؤلف، ألا يقع اختلاط أو اشتباه بين حديث وآية في المصحف كله؟
ثم كيف تسنى للنبي (صلى الله عليه وسلم) أن يأتي بهذه المواضيع التي تشمل كافة أوجه النشاط الإنساني في الحياة الدنيا وما ينتظر الإنسان في الحياة الآخرة، دون أن يقع في خطأ أو منزلق؟
بل وأن يأتي بنبوءات مستقبلية لا تخطئ وتثبت صحتها على مر الزمان؟ إلى جانب نبوءات علمية استطعنا اليوم فقط معرفتها في الحياة وأسرار الكون وخفاياه، فضلاً عن الإنسان نفسه جسدا ونفسا وروحا.. كيف أمكنه ذلك لو لم يكن من لدن الحكيم العليم وليس له فيه سوى نقله عنه؟
وإذا كان ذلك كله وهو غيض يسير من فيض كثير لا يحيط به وصف ولا عد ليس في وسعنا الإحاطة به قطعا قد جاء به أمي لم يقرأه في كتاب ولا درسه في جامعة فلا بد أن يكون ذلك الأمي رسولاً مبعوثا من عند الله إلينا نحن البشر.
بعد ذلك يستعرض المؤلف جوانب من إعجاز القرآن ويتساءل في هذا الخصوص: هل كانت للنبي هذه القدرة دون سائر العرب؟ وكيف تأتى له التدقيق في الحرف والكلمة والجملة، دونما خطأ ولا هفوة واحدة في سفر ضخم كالقرآن؟ ناهيك عن المضمون وعن سحر الأسلوب.
ومن أين له العلم باللغة وأسرارها وتراكيبها إلى هذا الحد المذهل غير المسبوق أو الملحوق فيما بعد؟ مضيفاً أن ما ورد في القرآن أعجز العصور كلها عربا وغير عرب..
ولو كان هذا الذي طلع به على الناس لإنسان ما على وجه هذه الأرض غيره لتاه به على الدنيا بأسرها، كأعظم أديب وفيلسوف وعالم وما شئت من الصفات، فلماذا إذن هو يتحاشى نسبته إليه بل ويعلن على الملأ أنه لو فعل فادعى ذلك لعوقب عقابا شديدا من قبل صاحب النص وهو يقول هذا في القرآن نفسه فها هو يعلن نصا خطابا موجها إليه مؤكدا للملأ المصدر الذي يتلقى عنه: «وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم» النمل.
الآية 6. ثم يشير المؤلف إلى أن الآيات لم تغفل معالجة قضايا أساسية في الحياة الإنسانية الاجتماعية منها والصحية والنفسية والجسدية في ذلك الزمن المغرق في البداوة.
وحين لم يكن الناس قد أوتوا حظاً من العلم أو نصيباً من الثقافة يؤهلهم لاجتراح النبوءات أو التكهن بما سيقع في المستقبل للأجيال القادمة لمئات من السنين. ويضيف: وها هي القرون تمضي ثم نشهد بأنفسنا نحن معاصري هذا الزمن أن سائر ما جاء به القرآن كان صوابا وكان الله بكل شيء محيطاً.
ومن الجوانب التي يتطرق لها المؤلف في سياق تناوله يستعرض قضية الخمر متسائلا: هل كان متاحا لمحمد عليه السلام أن يتبين مضار الخمر في أكثر من مضمار على النحو الذي أوردته الآيات في ذلك الزمان لو لم يكن من عند الله العليم بأحوال البشر في سائر الأمكنة والأزمنة؟
هل كان دارسا للطب ليعرف مضار الخمر من الناحية الصحية أم كان باحثا في علم الاجتماع ليدرك أضراره ومساوئه الاجتماعية ومثل ذلك يقال في الميسر كآفة اجتماعية يعرف عواقبها الناس مسلمين وغير مسلمين؟
مصطفى عبد الرازق
* الكتاب: القرآن ومحمد (صلى الله عليه وسلم)
* الناشر: دار المسبار ـ دمشق 2006
* الصفحات: 599 صفحة من القطع الكبير
