مؤلف هذا الكتاب هو المستشار طارق البشري، وهو مفكر مصري يحظى بمكانة مرموقة وقد عرف عن المؤلف اهتمامه الكبير بالجماعة الوطنية ووجهتها، وإذا كان المستشار طارق البشري يبدي بعض ملاحظاته على مواقف الكنيسة المصرية إلا أنه سبق له وانتقد العديد من مواقف الأزهر، فقد اهتم بدراسة كلتا المؤسستين الدينيتين وقد صدر له من قبل في الإطار ذاته كتاب «المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية».
بداية يوضح لنا المؤلف أنه إن كانت هناك قاعدة يمكن استخلاصها من وقائع تاريخ مصر المعاصر فيما يختص بتشكل الجماعة الوطنية واندراج مكوناتها المتعددة والمتنوعة في هذا الشكل أن الجماعة الوطنية تتضام عناصرها وتتماسك قواعدها بقدر نهوضها الجماعي للدفاع عن مخاطر الخارج عليها والذود عن أرضها وثوابتها الفكرية ومصالحها السياسية والاقتصادية بعيدة المدى.
ويشير المؤلف إلى أن مخاطر الخارج تعمل فيما تعمل على تفكيك هذا التماسك، فشعب كالشعب المصري قامت جماعته الوطنية (النسيج الضام لكل من أقباط الأمة ومسلميها) وتماسكت في معارك الدفاع عن النفس والتراث الجماعي في مواجهة مخاطر الخارج، ويوضح أن تيار العزلة ينمو مع زيادة النفوذ الخارجي وعلى العكس ينمو تيار الاندماج مع قوة المواجهة الوطنية لهذا النفوذ.
ويوضح لنا طارق البشري بأنه ما أشبه اليوم «نهايات القرن العشرين» بالبارحة «نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين» من حيث أن النفوذ الاستعماري الأميركي في المرحلة الأخيرة يشابه إلى حدا كبير النفوذ الاستعماري الانجليزي في المراحل السابقة، حيث أنه مع استعادة هذا النفوذ الاستعماري يمكن أن نلاحظ عودة ونمو تيار العزلة الذي من شأنه أن يضعف قوى التماسك الوطني ويلهيها عن أخطر ما يجب أن يشغلها ومما يتعين عليها مواجهته.
ويعود بنا البشري إلى تاريخ التيار الانعزالي فيقول إن تيار الانعزال ليس بالشيء الجديد وأن المتتبع لوقائع التاريخ وتفاصيله يلقاه على الدوام ويلحظه بين وضوح وخفوت وبين قوة وضعف حسب ظرف الحال التاريخي، كما أنه ليس جديدا أيضا أن ينمو هذا التيار ويقوى متلمسا العون من قوى الضغط الخارجي، أو على الأقل أن يضع في حساباته طلب المزيد من القوة والنفوذ وأن ثمة قوى للضغط الخارجي يمكن أن تؤازره وثمة ضعف للإرادة الوطنية يمكن أن يستغله.
وهو ما أشار إليه البشري بالأمثلة من أحداث حدثت في بداية القرن العشرين وقادها هذا التيار الانعزالي، غير أن أسلوب رد الجماعة الوطنية في هذه الأثناء كان على قدر مناسب من الحزم والزجر وفرض هيمنة الجماعة الوطنية على هذا التيار الانعزالي.
غير أن التيار الانعزالي اليوم يختلف في قوته عن التيار نفسه في بدايات القرن العشرين وذلك لسببين أولهما أنه وجد الآن من القبط التابعين للكنيسة الأرثوذكسية مهاجرون استوطنوا استراليا وكندا والولايات المتحدة، وصاروا ذوي تأثير مهم على سياسات الكنيسة المصرية ومواقفها وصار لهم نشاط سياسي يتعلق بما أسموه «المسألة القبطية في مصر»، ويشكلون رأياً عاماً في مواطنهم يحاولون من خلاله الضغط على مصر.
والسبب الثاني أن الإدارة الكنسية في مصر صارت ذات سياسات معينة تأثرت إلى حد كبير بأقباط المهجر من جهة، ومن جهة أخرى أصبحت الكنيسة تستبد بالشأن القبطي في مصر وتقبض على ولاء رعاياها وتتخذ من السياسات والمواقف ما من شأنه أن ينمى ويقوي التيار الانعزالي.
وذلك على خلاف ما كان عليه الأمر في مطلع القرن العشرين وما قبله وما بعده، إذ كانت تتخذ موقفا محايدا بين الاتجاه الانعزالي والاتجاه المتوحد في الجماعة الوطنية وتعتبر الكل أبناءها، كما أنها لم تكن تستبد بالشأن القبطي، إنما تترك للأقباط أنشطتهم غير الدينية بشأنها في التيارات والهيئات المختلفة.
غير أننا اليوم لا نجد على رأس الإدارة الكنسية من يبقي نشاطها مركزا في الأداء الديني وحده مثل البطريرك السابق «الأنبا كيرلس السادس» ومن سبقه ولا نجد من وجوه مفكري الرهبان من يؤكد على مذهب الكنيسة القبطية التقليدي البعيد عن السياسات الجارية مثل الراهب «متى المسكين» بفكره بالغ العمق.
ويطلعنا الأستاذ طارق البشري على بعض الأسباب التي كانت وراء تحول اتجاه الإدارة الكنسية إلى محاولة بسط هيمنتها على الشأن القبطي كله وقد كان من أهم هذه الأسباب ـ كما يخبرنا المؤلف ـ أنه في عام 1963 أصدر المؤلف الأميركي «إدوارد ووكن» كتابا عن الأقباط في الوطن العربي أسماه «الأقلية الوحيدة» وكان هذا الكتاب قد صدر في مرحلة تصاعد حركة القومية العربية المناوئة للنفوذ الأميركي والنفوذ الغربي بصفة عامة، وهو يؤكد فيه أن حركة القومية العربية لا تختلف عن الحركة الإسلامية وفيها روح الأخوان المسلمين.
وقد انتقد مؤلف هذا الكتاب آنذاك سياسة الكنيسة المصرية وقتها التي تبتعد عن السياسة رغم أن السياسة ـ على حد قول إدوارد ووكن ـ يجب أن تكون جزءا من وظيفة البطريرك، وأن ما يحفز التحول إليها هو المخاطر المحدقة بالديانة القبطية وقلة عدد الوظائف الكبرى التي يشغلها الأقباط وأن ذلك من الممكن أن يصوغ راهبا في هالة بطولية فيتحدى الأغلبية المسلمة.
وقد أضاف المؤلف ووكن على حد ما ينقل عنه البشري، قوله، إن القبط بإقامتهم الروابط مع التيار الأساسي للمسيحية في العالم وتنمية انتماءاتهم الدولية سيجعلون من الصعب على أي نظام مصري أن يهاجم كنيستهم بغير أن يتعرض لردود فعل قوية.
وفيما يبدو تأصيلاً لتعزيز محاولة سعى الكنيسة إلى لعب دور سياسي أشار ووكن إلى أن الأقباط ليسوا سوى أقلية ليس لها امتداد بشري خارج مصر وأن هذه الظاهرة يتعين معالجتها لأن الامتداد البشري خارج مصر من شأنه أن يقوى العنصر الداخلي للأقباط وتوجهاتهم.
وقد كان هذا ما حدث بالفعل منذ السبعينات بتشجيع هجرات الأقباط إلى كل من الولايات المتحدة وكندا واستراليا، حيث بدأ يكشف أثر هذه الظاهرة السيئ العديد من وجوه القبط في مصر منذ السبعينات ومنهم الصحافي الكبير «موسى صبري» الذي راح يكتب في الأخبار مهاجما هذه الظاهرة مشيرا إلى تهويل بعض أقباط المهجر من بعض الأمور بما يقودهم إلى التعصب.
كما كان من بين الرموز القبطية التي انتبهت إلى تلك الظاهرة الدكتور ميلاد حنا سنة 1979 عندما وصف اتجاها بين الأقباط يرى أن الارتباط مع الغرب فيه مصلحة مصر لأن الدول الغربية تدافع عما أسماه ـ هذا التيار المقصود ـ الحضارة المسيحية.
وعن الهدف الأساسي لهذا التيار الانعزالي يوضح لنا الأستاذ طارق البشري أن هذا الاتجاه يعمل دائما على أن يكون على رأس قوائم الاهتمام لدى الرأي العام للجماعة الوطنية موضوع يتعلق بالوضع القبطي.
لأن ذلك هو الكفيل بأن يقيم «الانتماء القبطي» على رأس الانتماءات الجماعية، فلا يستوعب المواطن بين المواطنين بحيث يستدعي حقوق المواطنة إذا ما مسه ظلم أو جحود لحقا له، ولا يستوعب الطبيب بين الأطباء وهكذا بالنسبة للمهن الأخرى فلا ينظر كل منهم للشأن المشترك لجماعته ولكن يتعين عليه أن يقيم وضعه القبطي بحسبانه هو سبب كل شيء ومصدر كل أمر، حيث تشكل هذه المسألة واحدة من أهم آليات بلورة جماعة قبطية بوصفها جماعة سياسية.
وبالنظر إلى الأمر من ناحية أخرى فإنه في ظل التطور الذي يشير إلى أن التيار الانعزالي أصبح هو التيار القيادي لدى الأقباط في وقتنا الحالي، فإن الأقباط يشكلون أعدادا أقل بكثير من أعداد المسلمين، وإذا قام التركيز على الوصف القبطي وحده أوعليه أساسا لدى القبطي فمن المحتم بسبب القلة العددية ألا يجد الظهور القبطي الكثير في الحركة السياسية الاجتماعية الفكرية.
ويتبلور الشعور بالشوق إلى المزيد واللهفة إلى الأكثر ثم يتبلور الشعور بنوع من النقص سببه كثرة الأكثرية ـ فالأكثرية هنا محنة ـ لأنه لا يجدها تعبر عن «الوضع» الذي يعتبره الأولى وأنه رأس قواعد الانتماء، ومن هنا تبدأ الكراهية وفقدان الأمن.
ثم يحدثنا المستشار «طارق البشري» عما تعلمه من كتابات واحد من أعظم مفكري الكنيسة المصرية وهو الراهب «متى المسكين» فيقول إنه تعلم من كتابات هذا المفكر أن التعصب سببه دائما الشعور بفقدان الأمن، ولذلك فإن الإشاعة الدائمة والمتواصلة لفكرة الاضطهاد والتركيز المستمر على قلة ما يتاح للأقباط من حظوظ تولى الوظائف العامة وموضوع بناء الكنائس على الطريقة التي أشار إليها كتاب «الأقلية الوحيدة ».
يؤدي ذلك كله إلى تجريد الإنسان من الشعور بالأمان وهنا ينتقد المؤلف هؤلاء الذين يثيرون مثل هذه الأمور بطريقة مجهلة مع الحرص على استبقائها كذلك، فمثلا عن نقص الحظوظ في تولي القبط بعض المناصب لم نجد من يذكر لنا حالات عينية جرى فيها استبعاد أقباط لصالح مسلمين، حتى إننا لا نجد من مثيري هذه الأمور من استوعب أنه ثمة حاجة لبحث الحالات العينية ولا نجد إلا الصمت بغير سعي عملي حقيقي لإظهار الواقع.
وكذلك الأمر بالنسبة لموضوع بناء الكنائس فلا نجد من يحاول أن يقدم بيانات تتعلق بالكثافة السكانية للأقباط في أي مكان يستدعي هذا الأمر، وهنا يتدارك طارق البشري قائلاً إنه لا ينكر أن هناك ثمة مشكلة تتعلق بمثل هذه الأمور ولكن ما يجب أن يعرفه الجميع أن القانون المصري يقر بالمساواة الكاملة وليس به نص واحد عن تمييز أساسه الدين في الأوضاع والمراكز القانونية وكذلك الأمر بالنسبة للفكر السياسي والاجتماعي السائد لدى جماهير الرأي العام ذوي النفوذ المؤثر في حركة الواقع السياسي والاجتماعي.
* ألفت عبدالله
* الكتاب:الجماعة الوطنية..العزلة والاندماج
* الناشر: دار الهلال ـ القاهرة 2005
* الصفحات: 285 صفحة من القطع الصغير