يحدّد سليمان عبد المنعم، الكاتب الفلسطيني الذي يعيش في سوريا في باكورة انتاجه «عكا ـ مدينة التاريخ وبوابة الأحداث موقع مدينة عكا، فيجعلها في الجزء الشمالي من فلسطين على الرأس الشمالي للخليج الذي عرف باسمها «خليج عكا»، على خط عرض 55. 35 شمالاً، وعلى خط طول 04. 35، مساحتها 1583 دونماً، وترتفع عن سطح البحر 7. 18 متراً .

إن خليج عكا هو تجويف طبيعي، ويقع على بعد 20 كم جنوب رأس الناقورة، نقطة التقاء الحدود الفلسطينية - اللبنانية، ويتصل بمساحات منبسطة ومنخفضة من اليابسة، تشكل سهل عكا الممتد بين الساحل ونهاية مرتفعات الجليل، تقدر مساحته بـ 530 كم2، معظمها أرض صالحة للزراعة، ويروى بمياه الأمطار وينابيع الكرداني ونهر المقطع، ويلف مدينة عكا سور متميز منيع ومرتفع، فالمدينة تعرضت منذ فجر التاريخ لعدد كبير من الغزوات والحروب، وموقعها الجغرافي هذا جعلها مطمعاً للمعتدين .

يدرس سليمان عبد المنعم سهل مدينة عكا وحدودها وقضاء عكا ومقاطعته، وأنهاره ومياهه وأوديته ومروجه وسهوله الصغيرة وقراه، فيحدد اسم القرية وموقعها وعدد سكانها وأهم مزروعاتها، وبلاءها ضد الإنكليز وصراعها مع اليهود، وسقوطها وتشرد سكانها والتطورات التي طرأت عليها في ظل الاحتلال الإسرائيلي ثم يدرس المستعمرات اليهودية التي أنشأت في قضاء عكا أثناء الانتداب البريطاني.

فيأخذ مستعمرة نهاريا كنموذج لدراسته في الفصل الثاني يدرس الكاتب عكا من زاوية تاريخية فقد وصفها الحريري في مقاماته بقوله: «هي موضع حيث تلتقي السفن بالجمال، والسفايات البرية بسمك البحر وسائق الجمل والبحار، حيث يروي صياد السمك لزارع الأرض قصص البحر ... » . فالمدينة تشكل محوراً للاهتمام على نحو متواصل منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وكل حزء فيها يرتبط بتاريخ حقبة معينة .

من أين أتيت إلى عكا، من الشمال أو الجنوب، من البحر أو على ظهر مركب يدخل ميناءها، فتجدها بهية وفي منتهى الروعة، الأسوار العالية وأبراجها المربعة ومنارتها وفي وسطها تعلو مئذنة جامع الجزار، تحيط بها مآذن عكا وأبراج كنائسها، وتلف المدينة الأسوار العالية وترى بقربها القلعة الحصينة وخارج عكا تنمو عكا الجديدة، وراء عكا بقعة بيضاء وسط هلال يتصل بالكرمل، وتتماوج غابات الزيتون كسجادة رمادية خضراء، وكل غابة تحتضن في وسطها قرية من قرى عكا الصامدة، مما يعطيها منظراً متمازجاً بين الأخضر والأزرق بلون السماء.

يبحث الكاتب في اسم عكا في القواميس وفي التاريخ القديم، فقد عرفت المدينة أيام الفراعنة، كذلك اشتهرت أيام الإغريق ومع الفتح الإسلامي استعادت المدينة اسمها السامي القديم «عكا» .

يبحث سليمان عبد المنعم في تاريخ مدينة عكا، فيبدأ منذ وجودها، عندما بناها الكنعانيون وجعلوا منها مركزاً تجارياً هاماً، وقد شيدوها في موقع تل الفخار، وجذبت السكان والاستقرار دعاها بناتها عكو في أوائل عصر البرونز حتى العصر الحديدي، ثم جاءت الموجه السامية الثانية 2500 ق.م. وحملت معها الفينيقيين، فتمركزوا في جنوبها، وأقاموا حضارة على شواطئ سوريا كلها فكانت منها : عكا، حيفا، أوغاريت، بيروت، صيدا، وفي هذه المنطقة انتشرت صناعة الأرجوان وصناعة الزجاج، ويتابع الباحث في تاريخ المدينة المصري واليوناني إلى الفتح الإسلامي، حيث دخلت فلسطين في دولة الخلافة الإسلامية مع بلاد الشام بعد معركة اليرموك سنة 13 ه، 634 م.

بعد ذلك يتابع الباحث في التقسيم الإداري الذي يبدو أن عمر بن الخطاب وضعه في الجابية، والذي قسمت بموجبه فلسطين إلى جند فلسطين وجند الأردن، وانضمت عكا إلى جند الأردن، ثم يدرس تطوراتها عقب الحقبات التالية، في زمن الأمويين وفي زمن العباسيين وفي العهد السلجوقي إلى الغزو الصليبي، فتشكل مملكة صليبية في عكا، إلى أن يتم تحريرها ويدخلها بعد ذلك العثمانيون وتصبح عاصمة ظاهر العمر الزيداني وبعد مقتله تجري فيها أحداث أحمد باشا الجزار فيرسخ ولايته في عكا، إلى الحملة الفرنسية وحصار المدينة ويصبح عبدالله الخزندار والياً على عكا ثم تبدأ الحملة المصرية على المدينة إلى مجيء القوات الصهيونية والانتداب، وينهيها بسقوط عكا 1948، ويفصّل في سقوطها وحربها مع الصهاينة، فيورد أحداثاً أو وقعت وقرأها أو سمعها من ناس كانوا يقاتلون قتالاً فردياً .

في الفصل الثالث يتعرض الكاتب للحياة الاقتصادية والصناعية في عكا، فقد استوعبت سوق العمل الأيدي العاملة الماهرة وشبه الماهرة، خلال الحرب العالمية الثانية، والفترة التي تلتها حتى نشوب النزاع بين العرب واليهود عام 1948 وتهجير السكان، ويدرس الحياة الصناعية في عكا، فيقسم الصناعات في المدينة إلى قسمين :

أ ـ الصناعة القديمة التقليدية، كصناعة الفخار والنحاس والصياغة وشباك الصيد والحلويات وأثاث البيوت الخشبية ومهنة الخياطة والحصر وكل ما يحتاجه الريف من صناعة تخدم العمل الزراعي .

ب ـ الصناعة والمعامل الحديثة، كصناعة الكبريت ومعامل المياه الغازية والنسيج والألبان والعمل في مصفاة النفط الشهيرة التابعة لشركة نفط العراق (L. P.C ).

يحمل الفصل الرابع عنواناً هو الحياة الاجتماعية والثقافية في عكا، والكاتب يقسمها إلى الحياة المنزلية وتضم أهم ما يجري في الخصوصيات الاحتفالية لهذه المدينة، عند المسلمين والمسيحيين، وفي الختام هناك بحث يضاف باسم معلم أثري كبير، يبحث فيه الكاتب أسوار المدينة وأبراجها والقلعة، ومما تتألف، كما يدرس مساجد وجوامع عكا.

كذلك يدرس الكنائس في عكا ويعرج على الحمامات العمومية والشعبية فيها، ويلقي ضوءاً من بحثه على العلاقات مع اليهود خلال التاريخ فيصفها بالتسامح والمعايشة، ثم يتطرق إلى الخانات والأسواق وحارات المدينة القديمة وحاراتها الجديدة، والمدارس والنوادي الرياضية والأدبية ودور عرض السينما والمتنزهات في عكا، ويختم بحثه في شخصيات من عكا فيعدد عدداً من الشخصيات منها أحمد الشقيري الأمين العام لجامعة الدول العربية، وأسمى الطوبي الأديبة والكاتبة، وسميرة عزام، وغسان كنفاني ومحمود درويش .

وينهي الكاتب الفصل السادس بالأمثال الشعبية في عكا وقضائها، وفي الفصل السابع يدرس الزي واللباس وأهم المأكولات الشعبية، حفل الكتاب بصور نادرة لمدينة عكا وشخصياتها.

* فيصل خرتش

* الكتاب: عكا «مدينة التاريخ وبوابة الأحداث»

* الناشر:دار عبد المنعم

ناشرون ـ حلب 2006

* الصفحات: 307 صفحات من القطع المتوسط