مؤلف كتاب «تشنيف السمع في انسكاب الدمع» هو «صلاح الدين أبو الصفا خليل بن أيبك الصفدي الدمشقي» الذي ولد في «صفد» سنة ست وتسعين وستمائة للهجرة، فنشأ في أسرة ثرية نشأة مرفهة، فحفظ القرآن الكريم في صغره، ثم طلب العلم، وبرع في النحو واللغة والأدب والإنشاء، وكتب الخط المنسوب، وقرأ الحديث وكتبه.

وتعاطى صناعة الرسم على القماش، ثم حُبب إليه الأدب، فولع به، وذكر عن نفسه أن أباه لم يمكنه من الاشتغال حتى استوفى عشرين سنة، فطلب بنفسه، وقال الشعر الحسن، ثم أكثر من النظم وقد تتلمذ «الصفدي» على العديد من العلماء في دمشق ـ القاهرة ـ حلب وكان محظوظا بالاستماع إلى أولئك العلماء وقراءة كتبهم، والذين أجازوه، ما جعله قادراً على الإفادة بالجامع الأموي، والتحدث بدمشق وحلب وغيرها.

تولى «الصفدي» الكثير من الوظائف الإدارية والمالية في: القاهرة ـ دمشق ـ صفد ـ حلب، ومن هذه الوظائف: كتابة الدرج بصفد، وهي تتمثل بقراءة المكاتبات على الناس، وكتابة الأجوبة، وما يجري مجرى ذلك، كتابة السر بحلب والرحبة. وتتمثل بقراءة الكتب الواردة على السلطان وتابة أجوبتها، وأخذ خط السلطان عليها، والجلوس لقراءة القصص بدار العدل والتوقيع عليها، وكالة بيت المالية بدمشق، وتتمثل بالتحدث فيما يتعلق بمبيعات بيت المال ومشترياته من أراض ودور.

كان الصفدي محبباً إلى الناس، حسن المعاشرة، جميل المودة، وكان كما يقال: إليه المنتهى في مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وكانت له همة عالية في التحصيل، فما صنف إلا وسأل علماء عصره عما يلزمه فيه من لغة أو نحو أو بلاغة أو فقه أو حديث، وبذلك فقد صنف ما يزيد على خمسين مؤلفاً. وفي سنة 764هـ انتشر الطاعون في البلاد المصرية، وامتد إلى الساحل الشرقي للبحر المتوسط، ما أصاب البلاد الشامية بهذا الوباء، وكان من ضحيته عدد من العلماء، وكان من أبرزهم صلاح الدين الصفدي حيث توفي بدمشق في تلك السنة، ودفن بمقابر الشهداء المعروفة بالصوفية.

كتاب «تشنيف السمع» هو كتاب فريد في موضوعه، فهو الكتاب الوحيد الذي يفصل القول في الدمع من ناحية لغوية، ونقلية وعقلية وأدبية، ويربط بينها بصيغة منطقية، تقوم على تمهيد ومقدمتين ونتيجة. أما التمهيد: فيضم خطبة الكتاب، والحاجة التي دفعت المؤلف إلى التصنيف، ثم ينتقل ليتحدث عن الاستخدام المجازي للدموع في الشعر العربي بجميع عصوره، فيرتبه من حيث المبالغة والاستحالة، من الممكن إلى مستحيل الوقوع، ويقسم الشعر باعتماده على هذا المحور إلى سبع عشرة مرتبة.

أما المقدمة الأولى: فيتحدث عما يتعلق بالدمع من اللغة وذكر ما يرادفه، وبيان أسماء العين، وما تشتمل عليه من الجزئيات. وأما المقدمة الثانية: فهي تتشعب في محورين: المحور الأول: وهو محور نقلي، حيث يبحث في الأحاديث النبوية الشريفة، وفي الآيات القرآنية الكريمة، التي يتصل موضوعها بالبكاء، فيسلمه ذلك إلى البحث في عمى «يعقوب» عليه السلام، وما يتصل بذلك من الآثار.

المحور الثاني: وهو محور عقلي، يبحث من خلاله في سبب البكاء، وأصل مادته وكيفية ظهوره. أما النتيجة، فتشتمل على سبعة وثلاثين باباً، وكل باب منها يتعلق بمعنى جزئي من الدمع أو البكاء، ويعرض فيه ما قاله الشعراء مما يتعلق بهذا المعنى، ويختمه في معظم الأحيان بشعره في ذلك المعنى وأما الشعر الذي يورده المؤلف. فهو في نظره أفضل ما قيل في بابه، ونراه يجمع بين شعر المتقدمين والمتحدثين والمولودين، وإن كان يركز على شعراء المئة السادسة والسابعة.

ويشكل هذا الكتاب حلقة وصل بين دواوين مفقودة لكثير من الشعراء، بل هو يضيف بعض الشعر إلى دواوين مطبوعة ولذلك فقد اعتمد بعض المحققين وجامعو الدواوين الضائعة، على ما قدمه الصفدي في كتابه هذا