مؤلف هذا الكتاب هو الكاتب والصحافي اللبناني، الفلسطيني الأصل، سمير قصير الذي اغتيل في بيروت في الثاني من شهر يونيو من العام الماضي. وكان يعمل في جريدة «النهار» البيروتية، كتب فيها افتتاحيات ومقالات عديدة، واهتم بالتأريخ للحرب الأهلية اللبنانية وبالقضية الفلسطينية. صدر له كتب عدة باللغة العربية واللغة الفرنسية، منها: «عسكر على مين؟ لبنان الجمهورية المفقودة، 2004»، و«ديمقراطية سوريا واستقلال لبنان، 2004».

ويبدو أن الغياب المأساوي لمؤلف الكتاب وهو في ريعان شبابه وعطائه الفكري قد أضفى على الكتاب طابع الوصية، بينما كان طموح سمير قصير هو أن يؤسس كتابة هذا لنوع من الكتابات النهضوية تجمع ما بين الكتابة الصحافية والكتابة العلمية النقدية، أملاً منه في كتابه أخرى، لا تزيف الواقع، ولا تغرق في جلد الذات، إنما ترصد الواقع كما هو، وترتقي به من أجل مستقبل أفضل.

وكما كان مقرراً لهذا الكتاب، فقد صدر في طبعتين فرنسية وعربية، بدعم من وزارة الخارجية الفرنسية والسفارة الفرنسية في لبنان في إطار برنامج جورج شحادة للمساعدة على النشر، وقدم للطبعة العربية الياس خوري.

ينضح «تأملات في شقاء العرب» برؤية نقدية، وبحس مثقف يعي تماماً دروس التاريخ، ويحذوه طموح التغيير، فتراه يبحث عن خيط التواصل في الفكر التنويري الذي صنعته النهضة العربية، لكن ثمة مفارقة ما في العلاقة بين كتابة التاريخ وصناعته، وربما قاده البحث عن تجاوز الشقاء العربي الذي تلمسه وحلله إلى نهايته التراجيدية.

ويرتكز الكتاب على دراسة أبعاد النهضة العربية وفق أسس الاستقلال والحرية والحداثة، والسعي إلى بناء الفكرة العربية على أسس علمانية ديمقراطية. وبالتالي إعادة الاعتبار لعروبة ثقافية تعددية وديمقراطية وعلمانية لا تلغي الآخر، ومناهضة كل أشكال الاستبداد ورفض الاستسلام لعقيدة الشقاء والموت، والتطلع إلى مستقبل أفضل يحقق الاستقلال والتنمية والحداثة.

وعليه تأتي قراءة النهضة العربية في قيمها الأساسية بدءاً من تحليل العجز العربي ورفض المقولات الجاهزة من نوع تحميل الآخر الغربي الكولونيالي المسؤولية بشكل مطلق أو القبول بالفرضيات الاستشراقية التي ترى الإسلام في شكله الجامد من دون التطلع إلى إسلام جديد متجذر أكثر في الثقافة العربية الإسلامية. والدعوة إلى ثقافة الحياة ورفض ثقافة الموت. ومقاومة الديكتاتورية التي استفحلت في بلداننا العربية بعد هزيمة الخامس من يونيو 1967، واستعادة دور المجتمع المدني القائم على أسس المواطنة والديمقراطية والقادر على تمتين الوحدة الوطنية ومواجهة التحديات والأخطار.

ويوجه سمير قصير توصيفه للشقاء العربي إلى الوعي الذاتي، إذ باتت الذات من الهشاشة بحيث تكفي أقل الأمور لتعكيرها. وهنا تكمن السمة الأكثر وحشية للشقاء العربي. إذ لم تعد الحاجة قائمة إلى معيار خارجي كي ينطلق منه عنانه. والإحساس الهائل بالعجز الذي يتولد عنه الشقاء، يتغذى من البكاء على أطلال الأمجاد، وقياس الذات بمرجع معياري تاريخي مأخوذ من زمن آخر. لذا يتجسد سبب شقاء العرب في عجزهم عن أن يكونوا بعدما كانوا.

ولم يكن العرب بحاجة إلى انتظار الاحتلال الأميركي للعراق كي يأكلهم العجز. فعند كل فصل من فصول قضية فلسطين، كان العجز ماثلاً وقادراً على الإرباك. وقد صنع التفوق الإسرائيلي، المكوّن الأساسي لنظرة العرب إلى أنفسهم والعالم، وتجسد نموذجَه في حصار بيروت صيف 1982. وتطاول تجليات العجز المقاومة أيضاً.

فلئن كانت الحركات الفلسطينية مسؤولة، في الستينات، عن منحنى «حرب العصابات الشاملة»، فإن صنّاع الرأي في الدول العربية هم الذين فرضوا منحى «الانتفاضة الشاملة» منذ التمرد الكبير من العام 1987 حتى العام 1989، إلى درجة أن الأمر انتهى إلى اعتبار الشعب الفلسطيني مكوّناً بأكمله من ثوريين محترفين.

وعليه لم يكن من شأن مقاومة اللبنانيين أو الفلسطينيين إلا إبراز حال العجز العامة، وهذا ما تؤكده يوماً بعد آخر الانتفاضة الثانية التي انطلقت شرارتها في سبتمبر 2000. خصوصاً وأن منحى الانتفاضة الشاملة يعني أن إجراء أي جردة حساب يستدعي الاتهام الفوري بالخيانة، ولاسيما أن تحويل الانتفاضة إلى وثن، بدءاً بالمبالغة في تعميم النموذج اللبناني الذي يحول دون البحث في الوسائل، ويقود إلى تفضيل الباهر على النجاح، كالعمليات الانتحارية.

ولم تستطع أسلحة النضال الفلسطيني، رغم نجاحها النسبي في تحريك مشاعر العزة المفقودة في أوساط الرأي العام، تبديد هذا الشعور بالعجز. بل على العكس من ذلك، كان من نتائج الخلط القائم بين فلسطين والعراق أنه أغرق الصورة التي كوّنها العرب عن أنفسهم، والصورة التي كوّنها العالم عنهم، في بحر هائل من الدم. وهناك أيضاً التوهم أن بإمكان الإسلام السياسي أن يوفر فرصة للخروج من الشقاء العربي، بينما يعتبره سمير قصير سبباً من الأسباب المؤسسة للشقاء العربي.

أما الكلام على الحداثة العربية في عالم اليوم، فقد يعتبر بالمعنى الفكري نوعاً من التجديف. لكن سمير قصير يرجح بأنه قد يكون في إنكار حقيقة هذه التجربة، حتى وإن تطلب الأمر، في أغلب الأحيان، تفحصها على ضوء الزمن الذي قامت فيه، استخفاف بالتاريخ الفعلي وبوقائعه وطرق النظر فيه. ويسلّم بالتعريف الأكثر حصرية الذي لا يفهم الحداثة إلا عبر النموذج الغربي الذي قدمته الثورة البورجوازية. فإذا لم يصدر أي اعتراض مبطل يناقض الواقع التاريخي وحقيقة الحداثة العربية باعتبارها حالة تكيف مع ازدهار العالم الغربي، فإن الترويج للتمايز يصبح عندها مجرد حجة واهية.

ولا شيء ينفي مشروعية هذه المحاولة إذ إن عملية التحديث في العالم العربي كانت فعلاً عملية تغريب. والدليل على ذلك إهمال دراسة القرن التاسع عشر العربي، كما فعل مثلاً برنارد لويس.

غير أن الإصلاحات السياسية التي قام بها محمد علي، والتي اقتبسها عنه وتوسع فيها القادة العثمانيون، وكذلك خير الدين في تونس، ومن ثم التبني التدريجي، والسريع، لمنجزات الحضارة التقنية تدريجياً. ويضاف إلى ذلك الفكرة الوطنية، كما تم التسليم بها من بعد روسو وجسدتها نموذجاً الثورة الفرنسية، أنتج القوميتين اليونانية والصربية، ثم القوميات التركية والأرمنية والعربية.

وقبل أن تبلغ فكرة الوطنية هذا الحد، أعطى رفاعة الطهطاوي كلمة «وطن» معنى حديثاً انكشف له في أوروبا، حين عاد الطهطاوي من باريس، وفي جعبته الكتاب المؤسس للنهضة، كتاب «تخليص الإبريز في تلخيص باريز»، وهو ليس نظيراً لكتاب «الرسائل الفارسية» لمونتسكيو وحسب، بل فعل إيمان تحديثي لا لبس فيه من جانب إصلاحي ذي تربية دينية. فالطهطاوي، وبعكس خلفائه من المتأخرين، لا يرى أي تعارض بين الحداثة والسنّة التي يعتنقها. وبعد ثلاثين عاماً قام بطرس البستاني، ليستعيد طرح الطهطاوي وليعبر عن نزعة وطنية عربية سورية لم تصل إلى حد نبذ المواطنية العثمانية.

* عمر كوش

* الكتاب: تأملات في شقاء العرب

* الناشر: دار النهار ـ بيروت 2005

* الصفحات:121 صفحة من القطع الصغير