بعبارته الشهيرة «كلما سمعت كلمة ثقافة وضعت يدي على مسدسي» دخل الدكتور بول جوزيف غوبلز من بوابة عريضة تاريخ الإرهاب الفكري. غوبلز (29 أكتوبر 1897 ـ 1 مايو 1945) تطوع في الجيش الألماني خلال الحرب العالمية الأولى ثم انضم عام 1922 إلى الحزب النازي، وكان معارضاً في البداية انضمام أدولف هتلر للحزب وطيلة وجوده في الحزب لعب دوراً خطيراً في ترويج الفكر النازي، ثم أصبح مستشار ألمانيا قبيل انتحار هتلر، وكان الأكثر شهرة في كره الثقافة والمثقفين رغم قدراته الخطابية التي قامت على مبدأ «كلما كبرت الكذبة كلما سهل تصديقها» وهي من أبرز أقواله.

ألمانيا التي أنجبت عمالقة الفكر والفلسفة في العالم أنجبت أيضاً غوبلز وزير الدعاية والإعلان في الرايخ الثالث، ومحسّن صورة هتلر، وأقرب مقربيه وأكثر معاونيه إخلاصاً، حيث فضل الموت مع زوجته وأطفاله الستة على أن يعتقله الروس. وبقلب قد من حجر قدم لأطفاله حبة السيانيد القاتلة بمساعدة زوجته منهياً حياة جميع أفراد العائلة حسب أوامر هتلر.

ما أراده غوبلز ذات يوم أن يرى أوروبا بصورتها النازية المطلقة، مشتركاً في هذا الحلم مع هتلر، وطبعاً كانت الحروب وسيلة لتحقيق الحلم.الحرب التي حصدت 40 مليون إنسان وأعادت البشر إلى البربرية الأولى. هذه الشخصية تناولتها السينما بإسهاب خلال الستين سنة الماضية، ولكنها تعود اليوم مرة أخرى إلى الواجهة عبر يوميات كتبها بين عام (1943 ـ 1945) تضمنت ما رصده من حركات هتلر لحظة بلحظة وعبر آلاف النصوص قال كاتم الأسرار الأمين ما لم يقله أحد عن هتلر.

في ألمانيا يتذكرون غوبلز ويشعرون بالحرية، فقد عانوا من غيابها طويلاً وتحولت يومياته التي انتشرت بشكل واسع من ميونيخ إلى واشنطن وطيلة عقدين من الزمن إلى نار في الهشيم واليوم تعاد طباعة تلك اليوميات في باريس ليعود الحديث مجدداً عن هذا الشخص الذي قال «لا» لهتلر ذات يوم، ولكنه أصبح من أخلص تابعيه بعدها.

ولأن الغرب مولع بقراءة تفاصيل أخطاء الزعماء، فإنه يستفيد من تلك الكتب حتى لا يعود إلى واقعها ذات يوم. وفي المقابل نجد ان معظم السياسيين العرب لا يكتبون سطراً في دفتر أخطائهم ومعهم تصبح الثقافة في وضع أخطر مما كانت عليه أيام غوبلز ويده على مسدسه. لكن لا أحد يعرف تلك الأخطاء ولا يكشفها كتاب أو «كاتم أسرار» وإذا نظرنا إلى العدد الهائل من مقربي السياسيين والعارفين بخفاياهم لأدركنا كم هناك ظلم للناس في غياب الحقيقة، فلا هم يقرأون، ولا «غوبلزيو» العرب يكتبون، وبين هذا وذاك تبقى اليد على الزناد ضد المثقف.