مؤلفة هذا الكتاب هي الصحافية والباحثة الانجليزية سارة سيرايت المتخصصة في شؤون اليمن خصوصا والخليج العربي عموما. وهي تقدم هنا لمحة تاريخية شاملة عن اليمن بكل جغرافيته وأرضه وشعبه. ومنذ البداية تقول في ما معناه: يقع اليمن في الجنوب الأقصى لشبه الجزيرة العربية، ولكنه ليس أرضا صحراوية على عكس هذه الأخيرة. وإنما هو بلاد مخضوضرة مليئة بالحياة والأعشاب والأشجار والأراضي الخصبة.
ولذلك لقبوه منذ القديم ببلاد العرب السعيدة. والواقع أن مناظره الطبيعية خلابة ومتنوعة وتختلف من منطقة لأخرى. إن أعلى جبل فيه يقع شرقي العاصمة صنعاء ويدعى جبل النبي شعيب. ويبلغ ارتفاعه 3666م.واليمن مشكل من مجموعة كبيرة من الأراضي العالية التي تحيط بصنعاء على مسافة دائرية تصل إلى مئة كيلومتر. ثم تنزل هذه الأراضي تدريجيا حتى تصل إلى البحر الأحمر غربا، وحتى المحيط الهندي والربع الخالي جنوبا، ثم نحو وادي حضرموت شرقا.
ويمكن القول بأن اليمن ينقسم إلى أربع مناطق متمايزة عن بعضها البعض من حيث المناخ والزراعة. المنطقة الأولى هي تهامة وهي تقع على الضفة الشرقية للبحر الأحمر وتمتد حتى حدود المملكة العربية السعودية شمالا وحتى مضيق باب المندب جنوبا. وتهامة هي عبارة عن سهول رملية ذات مناخ استوائي. إنها عبارة عن نوع من الصحراء الواقعة على ضفاف البحر، وتتخللها من وقت لآخر الواحات الخضراء.
ثم تردف المؤلفة قائلة: أما المنطقة الثانية في اليمن فمشكلة من الأراضي العالية والخصبة الموجودة شرق البلاد. وتتخللها وديان كثيرة، أي أنهار. وهذه المنطقة تحتوي على عدة مدن مهمة ليس أقلها تعز والعاصمة صنعاء.
والواقع أن هذه الأخيرة تقع على ارتفاع 2300 كيلومتر وتطل بالتالي على مناظر رائعة تجلّ عن الوصف. وهي محاطة بأراض خصبة. حقا إن صنعاء جميلة، وجمالها يخطف الأبصار. إنها مدينة معلقة بين السماء والأرض. وأما المنطقة الثالثة من اليمن فمشكلة من الهضاب العالية الصحراوية التي تحاذي الربع الخالي الذي يشكل القسم الأكبر من الأراضي السعودية. وبالتالي فيوجد فرق كبير بين هذه المنطقة وبين مناطق صنعاء وأعالي اليمن.
وأما المنطقة الرابعة والأخيرة فتخص وادي حضرموت. وهو يقع بين هذه الأراضي الصحراوية المذكورة آنفا وبين السهول الشاطئية للمحيط الهندي. هذا هو وادي حضرموت الهائل والذي يبهر الأصوات. إن وادي حضرموت هو مهد الحضارات العربية الجنوبية الأولى. ومعلوم أن الكثير من الرحالة القدماء اعتقدوا أنه يمثل جنة عدن المذكورة في الكتب المقدسة!
وأما في ما يخص تاريخ اليمن فهو عريق ويضرب بجذوره في أعماق التاريخ. وقد تعاقبت على البلاد حضارات عديدة قبل الإسلام وبعده. وأما فيما يخص التاريخ المعاصر فيمكن القول بأن اليمن كان عبارة عن إقليم من أقاليم الإمبراطورية العثمانية بين عامي (1849-1918): أي طيلة سبعين سنة تقريبا.
ولكن الشعب اليمني الأبيّ لم يقبل الاحتلال التركي بسهولة. فقد لجأ إلى المقاومة منذ البداية ولم يترك المحتل يرتاح يوما واحدا. ولكن نضال اليمنيين من أجل الاستقلال لم ينتظم فعلا إلا بدءاً من عام 1904. وقد تمحور حول البطل القومي الجديد لليمن: الأمير الزيدي يحيى حميد الدين. وقد أبدى بسالة وشجاعة نادرة في ساحة القتال. وانتشرت أخبار معاركه وانتصاراته في كل أنحاء البلاد حتى تحول إلى أسطورة. وقد اضطر الأتراك إلى توقيع معاهدة مع الأمير عام (1911). واعترفوا بموجبها بالاستقلال الذاتي لليمن في ظل حكم الإمام يحيى.
ومنذ تلك اللحظة أصبح هذا الرجل القائد الروحي والعسكري للقبائل الزيدية. ولكنه لم يكتف بذلك وإنما حاول أن يمد سلطته ونفوذه على باقي مناطق البلاد ما عدا المحمية البريطانية في عدن. فهناك كان يوجد خط أحمر لا يستطيع تجاوزه وإلا دخل في حرب مع القوة العظمى الأولى في ذلك الزمان: أي الإمبراطورية الانجليزية.
وفي عام 1918 هزمت الإمبراطورية العثمانية على إثر الحرب العالمية الأولى وراحت تنسحب من كل الأراضي التي استعمرتها سابقا ومن بينها اليمن. وعندئذ أصبح الإمام يحيى ملكا على اليمن. وظلت سلالة حميد الدين تسيطر على اليمن الشمالي حتى ثورة 1962.
وهكذا استمر حكم المملكة الأمامية لليمن ثلاثة وأربعين عاما: أي من عام 1919 إلى عام 1962. وعلى الرغم من المطامع الغربية والإقليمية في اليمن إلا أن الإمام يحيى نجح في المحافظة على استقلال وسيادة الأراضي التي كانت واقعة تحت سلطته.
ولكن الثمن المدفوع من قبل الشعب اليمني تلقاء ذلك كان باهظا: أي قبوله بالسلطة الاستبدادية المطلقة للإمام يحيى. وهذا ما عزل اليمن عن كل تأثير خارجي وجعله يغوص في الجمود والتخلف.
وحدهم المقربون من الملك والأعيان والتجار الأغنياء ما كانوا خاضعين لهذا الحصار الثقافي. فقد كان بإمكانهم أن يخرجوا من البلاد بسهولة ويروا العالم الخارجي. أما بقية الشعب فلا. ولذلك ظل الشعب اليمني جاهلا متخلفا لفترة طويلة في حين أنه كان من أذكى الشعوب العربية. إن هذا الموقف المتزمت والمتخلف هو الذي دفع بقادة الحركة السرية لليمنيين الأحرار إلى قتل الإمام يحيى عام 1948. ومعروف أن هذه الجماعة كان مقرها في عدن ومصر. وهي التي حضرت لثورة 1962 التي أطاحت بنظام الإمامة.
وقد خلفه ابنه الإمام أحمد بن يحيى على سدة الحكم. و لكنه حكم على طريقة والده من دون أن يغير شيئا يذكر في العادات الاستبدادية القديمة.
ثم تعود المؤلفة في الزمن قليلا إلى الوراء وتقول: في عام 1907 نصّب الشريف محمد الإدريسي نفسه إماما لإقليم عسير الواقع شمالي تهامة والذي أصبح الآن سعوديا. وكان الإدريسيون مدعومين من قبل إيطاليا أولا ثم بريطانيا ثانيا. وقد احتلوا تهامة عام 1919، والحديدة عام 1921. ولكن قوات الأمير يحيى استطاعت أن تنتصر عليهم عام 1925. ولكن السعودية استولت بعدئذ على إقليم عسير بعد حرب قصيرة ضد قوات الإمام يحيى.ثم تردف المؤلفة قائلة:
والواقع أنه بدءاً من عام 1930 ازدادت النقمة على هذا النظام القروسطي المغلق في أوساط سكان الأرياف: أي معظم سكان البلاد. فالمدارس كانت معدومة تقريبا في البلاد باستثناء المدن الكبرى، والسلع الاستهلاكية العادية كانت معدومة أيضا. وكان السكان يعيشون في حالة فقر مدقع. وأما نسبة موت الأطفال فكانت مرتفعة جدا بسبب عدم وجود مصحات أو مستشفيات أو أدوية.
باختصار فقد كان اليمن يعاني من تأخر مريع في التنمية. ولذلك تشكلت عام 1944 معارضة للنظام في عدن. وكانت مشكلة من قبل بعض المثقفين الذين تجمعوا في حركة اليمنيين الأحرار المذكورة آنفا. وقد انتشرت أفكارهم بسرعة داخل اليمن الشمالي وبالأخص في أوساط ضباط الجيش المتدربين في مصر والعراق. ولم يكن هدفهم إسقاط النظام وإنما فقط إنهاء احتكار عائلة واحدة للسلطة هي عائلة حميد الدين.
وفي بداية عام 1948 اغتال اليمنيون الأحرار الإمام يحيى ونصبوا محله عبدالله الوزير كإمام جديد. وعندئذ فرّ الإمام أحمد بن يحيى إلى منطقة تقع شمال غرب صنعاء وأعلن عن نفسه إماماً خلفاً لوالده القتيل. وتجمعت حوله القبائل الزيدية المشهورة بقوتها وجرأتها في ساح الوغى. وكانت سعيدة للانخراط في حرب ضد شوافعة الجنوب الذين يشكلون أغلبية حركة اليمنيين الأحرار.
ثم تتحدث المؤلفة عن التركيبة السكانية لليمن وتقول إن مسلمي اليمن ينقسمون إلى ثلاث طوائف: طائفة الزيديين، وطائفة الشوافعة، وطائفة الإسماعيليين القليلة جدا والساكنة في جبل حراز. والطائفتان الأوليان متساويتان من حيث العدد ومنتشرتان في كل أنحاء البلاد ومختلطتان.
ولكن يمكن القول بأن الجزء الأكبر من جنوب اليمن مسكون من قبل أغلبية شافعية، هذا في حين أن الشمال يسيطر عليه المذهب الزيدي. ولكن لا يوجد عداء بين كلا المذهبين في الواقع. فالشوافعة يمكن أن يصلّوا في مساجد الزيديين، والعكس صحيح أيضا. وبالتالي فليس الخلاف المذهبي هو سبب انقسام اليمن على عكس الفكرة الشائعة وإنما الانقسامات القبلية والسياسية هي السبب. فالنزعة القبلية عميقة ومتجذرة في نفوس الشعب.
* الكتاب: اليمن ..الأرض والشعب
* الناشر: بالاس اثين للنشر لندن 2005
* الصفحات: 160 صفحة من القطع الكبير
Yemen : land and people
Sarah Searight
Pallas Athene Pub-London 2005
p.160