يعمل فيليب سيبيل ـ لوبيز باحثاً في المعهد الفرنسي للجيوسياسة، كما انه مستشار في العلاقات الدولية، خاصة فيما يتعلق بالمخاطر.. وذلك في اطار مؤسسة «جيوبوليا» التي تهتم بتحليل رهانات العولمة وتوقعات المستقبل. الكل يعرف بأن أسعار البترول تشهد ارتفاعاً هائلاً منذ عام 2004

وما يؤكده مؤلف هذا الكتاب منذ البداية هو انه إذا كان هذا الارتفاع الكبير في الأسعار لم يترجم بعض نقاط الضعف في الأسواق النفطية في مواجهة تطور الطلب، فإنه يخفي في رهانات كبيرة ذات طابع سياسي واستراتيجي بالدرجة الأولى، لاسيما فيما يتعلق بتأمين التزود بالنفط بالنسبة للمستهلكين الكبار، أي الولايات المتحدة الأميركية والصين. ويرى المؤلف ان مثل المطلب يشوش العلاقات الدولية حيث يأتي في هذا السياق التهديد الذي يستهدف المنشآت النفطية نفسها في بلدان الانتاج كي يزيد من المخاطر على وضع هو نفسه يعاني من القلق.

ويقترح المؤلف على قارئه «جولة» حول العالم عبر «طرق البترول» التي تخلق في مختلف مناطق الانتاج الكبرى ضغوطاً وتوترات تهديدات ومساومات: بينما تخلق على صعيد العلاقات الدولية تحالفات جديدة سياسية في عمقها، وذلك على أساس ان البترول هو 10% اقتصاد، و90% سياسة حسب تعبير قاله «دانييل بيرجين»، الشخصية النافذة في الأوساط البترولية خلال سنوات الثلاثينات من القرن الماضي (العشرين) واليوم لا يزال يصر على القول، كما ينقل عنه المؤلف، انه «ليست هناك أية مادة دولية أخرى غير البترول لها مثل هذه العلاقات الوثيقة مع الجيوسياسة.. هذا ما شوهد في الشرق الأوسط وروسيا والصين وأميركا ال��اتينية.. وفي جميع مناطق العالم».

ويشير المؤلف بالاعتماد على عدد من الدراسات المختصة أن البترول يشكل 35% من استهلاك الطاقة في العالم مقابل 1. 21% للغاز الطبيعي و3. 23% للفحم و11% للطاقات القابلة للتجدد و9. 6% للطاقة النووية و2. 2% للطاقة الهيدروكهربائية و5. 0% بالنسبة للطاقات الأخرى. وكان البترول قد غدا مصدر الطاقة السائد بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وخاصة خلال «سنوات الثلاثينات المجيدة»، أي الخمسينات والستينات والسبعينات، من القرن الماضي مع ازدهار الاقتصادات الغربية، وهكذا احتل بامتياز «مكانة منتوج استراتيجي» لاسيما وانه غدا عنصراً لابد منه عملياً في الحياة اليومية للبشر،

ثم ازداد استهلاك البترول أربعة أضعاف اعتباراً من سنوات الخمسينات الماضية مع جعل السيارة «سلعة ديمقراطية» وازداد الضغط أكثر على استهلاك النفط خلال الربع الأخير من القرن الماضي مع بروز بلدان صناعية جديدة في آسيا اولاً، ثم في أميركا اللاتينية وفي الوقت نفسه التقت البلدان المصدرة الرئيسية في اطار منظمة «الاوبك» بغية احكام السيطرة أكثر على العرض وبالتالي على الأسعار في الأسواق العالمية وفي مواجهة الشركات البترولية الكبرى الانجلوسكسونية خاصة التي كانت تسيطر على تلك الأسواق.

في هذا السياق الجيوسياسي العالمي اتخذت بعض مناطق العالم مثل خليج غينيا ومنطقة بحر قزوين منذ انهيار الاتحاد السوفييتي موقعاً ذا أهمية استراتيجية متعاظمة على رقعة الشطرنج الجيوسياسي الدولي وذلك في ظل طلب عالمي متزايد على النفط بعد فترة من الاستقرار النسبي في أواسط عقد التسعينات الماضي.

يقول المؤلف: «اذا كانت هذه المناطق البترولية الجديدة لا تمتلك نفس امكانيات الشرق الأوسط، فإن هذا يعود جزئياً بالتحديد الى واقع عدم الاستقرار المتنامي في هذه المنطقة من العالم بحيث ان أي حوض بترولي، ولو كان ثانوياً، يصبح أكثر أهمية من الماضي». ولا يتردد المؤلف في ان يقول بهذا السياق بأن «الوضع في الشرق الأوسط لا يتوقف عن التدهور، كما ان المنظورات الديمقراطية المفترضة لا تغير شيئا، بل على العكس،

كما ان الحرب في العراق خلال شهر ابريل 2003 وحالة الفوضى التي تلتها تسد آفاق أية زيادة سريعة للانتاج وذلك على عكس ما كان ينتظره المحللون، ثم ان امكانية قيام فيدرالية في العراق سوف يطلق عاجلاً أو آجلاً مسائل اقتسام الريع النفطي بين الأكراد والشيعة والسنة وحتى لو انه كان قد تم مبدئياً اتفاق على الورق على أساس اقليمي وديموغرافي في اطار مشروع الدستور».

ويشير المؤلف في هذا السياق ايضاً إلى أن أزمة تلوح في الأفق بين ايران والولايات المتحدة بعد انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً لإيران في شهر يونيو الماضي، كما ان يرى المؤلف في تهديدات القاعدة حيال السعودية البلد المنتج والمصدّر الأول في العالم خطراً استراتيجياً لاسيما وان هذه البلاد تشكل قطباً يمكن الاعتماد عليه في حالة قيام أية أزمة. وتضاف في هذا السياق الأزمات الاجتماعية ـ السياسية التي تهدد بعض البلدان المصدرة الكبرى مثل فنزويلا والنيجر مما يزيد من حالة «عدم الاستقرار» في مجال الانتاج البترولي العالمي.

كذلك يدرس المؤلف التداخلات بين «البعد المالي» و«البعد الجيوسياسي» في السوق النفطي، فمن جهة يشكل النفط مادة دولية لابد منها وانما التي يعتمد استثمارها على رؤوس أموال هائلة وبالتالي يصبح اللجوء إلى الأسواق المالية امراً محتوماً والتي يتمثل منطقها الرئيسي في تحقيق الربح. ومن جهة أخرى يشكل النفط مصدراً استراتيجياً أكثر فأكثر وذلك بمقياس تزايد الطلب بالقياس الى العرض، ومما يؤدي إلى تعزيز سلطة البلدان المنتجة وشركاتها الوطنية في مواجهة الشركات الدولية والبلدان المستهلكة.

ويتوقف المؤلف طويلاً للبحث في هذه العلاقة بين الشركات البترولية الوطنية للدولة المنتجة والشركات الدولية الكبرى.. ويرى أن هذه الأخيرة ورغم الارباح الهائلة التي حققتها خلال عامي 2004 و2005 فإنها «تشهد كما يبدو ولأسباب مختلفة حالة انتظار غير مريحة كثيرا، لماذا؟

ذلك أن حوالي 80% من الـ 1188 مليار برميل التي تمثلها الاحتياطات العالمية المتبعة هي بحوزة الشركات البترولية للبلدان المنتجة الرئيسية بينما لا تسيطر الشركات الخاصة سوى على 20% في احسن الحالات مع 5% للشركات الخمس الأكبر في العالم، أي اكسون موبيل وبريتس بتروليوم وشل وشيفرون تكساكو وتوتال. وترى الشركات الكبرى في هذا السياق الى أن احد اسباب الازمة البترولية الحالية تكمن في عدم الانتاج الكافي في قطاع التنقيب والانتاج لدى بعض البلدان المنتجة الرئيسية وفي مقدمتها السعودية والكويت والمكسيك.

ويرى المؤلف أن مثل هذا الوضع خلق نوعا من الطريق المسدود امام الشركات الكبرى التي وبعد أن قامت باستثمار مليارات الدولارات في حقول صعبة وليست غزيرة الانتاج دائماً، وجدت نفسها مضطرة إلى التكيف وتنويع استراتيجياتها بين البترول والغاز من جهة، وبين التنقيب ـ الانتاج والتكرير ـ التوزيع من جهة اخرى وايضا بين هذا كله وبين الصناعات البتروكيميائية.

وذلك بانتظار امكانية تطوير نشاطاتها في مناطق تمتلك كميات وفيرة من منتوجات الطاقة وسهلة الوصول إليها في الوقت نفسه هذا الى جانب الكلفة القليلة.. وفي هذا الاطار يرى ان مستقبل «الموديل البترولي» يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط.

ومن هنا أيضا يتم التوجه نحو امكانية إقامة شركات بين الشركات الكبرى المعنية وبين الشركات الوطنية الكبرى خاصة في منطقة الخليج، يقول المؤلف: «هذه المشاريع ـ الشركات، التي تخص غالباً مناطق أخرى في العالم أيضا، تشكل وسيلة بالنسبة للشركات الكبرى الخاصة في محاولة اكتساب موقع جيد بأمل الوصول بعد أجل إلى موارد الطاقة المهمة في الشرق الأوسط.

إحدى المشكلات الأساسية التي يواجهها العالم في ميدان الطاقة اليوم يدل عليها واقع ان الاستهلاك العالمي للطاقة في أفق عام 2006 يصل إلى 86 مليون برميل في اليوم مقابل 84 مليون بالنسبة لعام 2005.. أي بزيادة سنوية ما بين 2 الى 3% وبنفس الوقت ينحسر الإنتاج في الحقول المستثمرة حالياً بنسبة 6 إلى 7% في السنة. الخلل واضح وهو «ناتج عن عدم الاستثمار الكافي في الماضي وحيث ان القدرات العالمية للتكرير عام 2004 هي نفس ما كانت عليه عام 1980، وهذا يعود جزئياً أيضا إلى تواضع المردودية في مثل هذا النشاط بالنسبة للشركات الكبرى.

لكن لا تزال العلاقة بين كمية الاحتياطات والانتاج البترولي مثيرة للتساؤل.. وهنا يشير المؤلف إلى دعاية لشركة «شيفرون تكساكو» ظهرت في صيف عام 2005 وجاء فيها: «من المعروف أنه ينبغي 125 سنة من اجل استهلاك التريليون الأول من براميل البترول الموجودة في الاحتياطي». لكن نفس الدعاية تشير إلى أنه سينبغي 30 سنة فقط من اجل استهلاك التريليون الثاني.

ويرى المؤلف انه «اذا كان البترول يشكل إحدى نقاط الضعف لدى القوة الأميركية العظمى، فإن الولايات المتحدة هي مع ذلك اليوم القوة العالمية الوحيدة التي تمتلك بنفس الوقت سياسة للطاقة وامكانيات اقتصادية وعسكرية لمثل هذه السياسة على الصعيد العالمي فيما يتعلق بالتزود وضمان أمن النقل».

* الكتاب:جيوسياسات البترول

* الناشر: أرمان كولان باريس 2006

* الصفحات: 480 صفحة من القطع المتوسط

Geopolitiques du petrole

Philippe sebille - lopez

Armand colin - Paris 2006

P. 480