في هذا الحوار، الذي أجرته صحيفة «كلارين» الأرجنتينية مع الكاتب الأسباني انريكي فيلا ماتاس مؤخراً، يتناول الروائي عدة موضوعات، ويتحدث بالدرجة الأولى عن روايته الأخيرة «دكتور باسافنتو» وعن رؤيته الخاصة بكتابة هذا العمل الأدبي على اعتبار انه يشكل حيزاً خطراً يعبر فيه عن الحاجة إلى توسيع هوامش الحرية، كما يتطرق إلى استيائه المعلن حيال مسألة الشهرة.

* الكثير من شخصياتك تقف على شفير الهاوية، راغبة بالذهاب نحو الصمت، نحو اللاشيء، هل تشعر أو شعرت، ذات مرة بتلك الجاذبية نحو اللاشيء، طبعاً ليس ارتباطاً بالأدب، فلقد كتبت الكثير في هذا الميدان، ولكن ارتباطاً بالحياة الفعلية؟

ـ لا أذكر أني انسحبت من الحياة من أجل الكتابة. لا بل إن الأمر يتعدى ذلك، ففي أعقاب التمتمات البدائية المنطقية، باتت الكتابة بالنسبة لي مصدراً مهماً جداً للحياة. قد يساء فهم الموضوعات التي أتناولها في كتبي «الانتحار، رفض الكتابة في برتليبيس، فن الاختفاء في دكتور باسافنتو»، لكن تلك الموضوعات، في الواقع، ليست أكثر من ذلك: موضوعات وذرائع لتفسير العالم. لأنه حتى لو كتبت كما لو أني خارجه، إلا أنني أحس بأنني داخل هذا العالم في كل مرة أكثر من سابقاتها.

من بين أكثر ما يثير الفضول مما حصل معي أخيراً هو واقع أنني عزلت نفسي بصورة قاسية من أجل كتابة باسافنتو، وربما مرد ذلك الى ضرورة التكيف بصورة أفضل مع المغامرة المنعزلة لشخصيتي، فلقد كنت بحاجة لأن أكون وحيداً ولقد تمكنت من ذلك، لكن بطريقة لم تكن منتظرة، وحصل معي ما يلي: كلما زادت عزلتي، كان يزيد إحساسي وأنا أكتب بأنني أتوغل بشكل حقيقي في حالة من العزلة، لكن ذلك الإحساس أصبح أقوى عندما لم أعد وحيداً، وتحديداً عندما بدأت أشعر بصلتي مع الآخرين.

* في قصص «أبناء من دون أبناء» الابطال هم «كائنات تبعدها طبيعتها الخاصة عن المجتمع، ما الذي يستهويك في تلك الشخصيات؟

ـ يروق لي امتلاك فكرة ما لحظة جلوسي لكتابة رواية. لكن ما يحدث هو ان الفكرة عادة ما تكون مجموعة متماسكة من الأساليب التي تسمح بفهم العالم أو التصرف فيه.

وتلك المجموعة المتماسكة أنا لا أملكها، فضلاً عن أني لا أفهم لا العالم ولا أي مجموعة متماسكة من الأساليب. بينما كنت تكلمني عن تلك الشخصيات التي تبعدها طبيعتها عن المجتمع، رحت ألاحظ تلك الذبابة التافهة الوحيدة التي دخلت الغرفة والتي حملتني مباشرة إلى التفكير في كافكا، حين قال في الحكاية إن إبنه الخامس كان عديم الشأن إلى درجة ان المرء يشعر في رفقته وبشكل حرفي بأنه وحيد.

* كتبت في «دكتور باسافنتو» وفي «برتليبيس» أن الشهرة والزهو أمران مثيران للسخرية. كيف تتصرف من أجل الحرب إلى استحالة شهرتك الخاصة؟

ـ أتوق إلى شخصية مثل شخصية سالنجر أو شخصية بينشون. ولذلك ربما كتبت «دكتور باسافنتو»،روايتي التي تدور حول فن الاختفاء، حيث يسافر الراوي سعياً وراء الذوبان، يريد ان يصبح كاتباً سرياً، أي إلى كاتب من دون وجه. لقد تعبت من الكتابة كي تلتقط لي الصور، وأنا ألجأ في الكتاب إلى أمر لم أقرر فعله في الحياة الحقيقية بعد وهو وضع قناع كاتب واع لمسألة ان العمل المكتوب ينتج كاتباً ويظهره ويجعله مرئياً.

لكن بمجرد أن ينتهي هذا العمل، فإنه لا يعطي شهادة أكثر من شهادة ذوبان المؤلف، اختفائه، تلاشيه، ارتداده وإذا أردنا قول ذلك بصورة قاسية، فإن ذلك يعطي شهادة على موته، الذي لا يبقى منه، من الجانب الآخر، أي يقين نهائي أبداً.

* في ««برتليبيس» تتحدث عن «أخلاق الشكل». ما هي طبيعة ما هو «غير صحيح» أخلاقياً في الكتابة؟

ـ أنا أعتقد أن الكتابة هي نشاط خطر، وهذا يجعلني أشعر بأني قريب إلى كتاب يرون الأدب بالطريقة تلك. بولانيو على سبيل المثال، وبالفعل، فلقد أمسكت ماهيات كثيرة وخطرة ورأيت الكثير من الأشياء التي تجعلني على مسافة قريبة من الحقيقة، وأعتقد أن كل الأعمال المكتوبة قائمة على اللاشيء، بحيث لابد لأي نص ذي قيمة ان يفتح دروباً جديدة ويتعين عليه أيضاً ان يحاول قول ما لم يقل بعد. ففي أي وصف مصاغ جيداً، وحتى لو كان بذيئاً، ثمة شيء أخلاقي يتجسد في إرادة قول الحقيقة.

فكر، على سبيل المثال، في أدب الخطورة عند كافكا، الذي لم يأبه أبداً بالواقع وانما بالعثور على الحقيقة. أنا أعتقد بأنه عندما تستخدم اللغة من أجل إحداث تأثير ما أو من أجل الذهاب إلى ما هو أبعد مما هو مسموح فقط، فإن الكاتب هنا يقع في عمل غير أخلاقي. فهناك بحث أخلاقي في عملية النضال في سبيل إيجاد أشكال جديدة.

* عادة ما يقول روبرتو كالاسو ان الأدب هو فرع من علم اللاهوت (بورخس قال شيئاً مماثلاً)، وثمة آخرون يعتقدون بأن الأدب هو شكل من أشكال المعرفة، وآخرون يرونه تجربة حيوية، تحول. كيف تعيش الأدب؟

ـ إذا تتبعنا ما تكلمنا به حتى الآن، نجد ان الكاتب الذي يحاول قول الحقيقة ويريد توسيع حدود ما هو إنساني يمكن ان يفشل، وفي المقابل، فإن المؤلف، الذي تتصدر كتبه قوائم مبيعات الكتب في العالم، لا يفشل ولا يتعرض للخطر ويكفيه تطبيق المعادلة نفسها المعتدة من قبله دائماً، معادلة الإخفاء، وأنا أفكر الآن في بازوليني، على سبيل المثال.

الشهر الماضي كنت في روما وذهبت لرؤية المكان الذي قتل فيه. إنه مكان يهز المشاعر، ولابد من القول ان بازوليني لم يخاطر بحياته في كتاباته فقط، بل إنه انتهى إلى دفع حياته ثمناً لشغفه بمغامرة الرغبة في الذهاب إلى ما هو أبعد من الكتابة.

* هل هناك كتب ما كنت لترغب بقراءتها؟ هل هناك كتب مؤذية للكاتب والقاريء؟

ـ ثمة كتب ـ الغالبية العظمى ـ فظيعة ولا تطاق. لكن لا أحد مجبر على قراءتها، ولقد وصل بي الأمر حتى إلى رمي بعضها عبر نافذة منزلي.

* أكدت حول كتابك «داء مونتانو» أنه يمثل «دعوة شعرية للمقاومة». ما الذي تريد مقاومته؟

ـ النصر التأليهي لأعداد الأدب. لكن دعنا لا نتكلم عنهم، فالأفضل ان تتكلم عن عزيزي مونتانو. اسمح لي ان أقول لك، مثلاً ان الصفحات الأخيرة من «داء مونتانو» فيها نبرة شعرية رفيعة، حتى لو كانت كذلك لأن المسكين مونتانو يصل إلى قمة الجبل حيث يرى سفناً ويستهل حديثاً مع روبرت موزل تحول الخاتمة الحادة للرواية دون سماعه.

تلك النهاية تفرحني كثيراً ربما لأني أحب صعود الجبال والتسكع على الشعب عندما يوجهون إلى أسئلة محددة ولأني قاريء شغوف بالشعر أيضاً. فقراءة الشعر تدخل السكينة إلى قلبي، لأني لا أصادف هناك لا منافسين ولا زملاء.

** فيلا ماتاس في سطور

وُلد فيلا ماتاس في مدينة برشلونة عام 1948، لكنه عاش في باريس بضع سنوات «في محاولة ليعيش حياة كاتب على طريقة همنغواي»، كما يروي في كتابه «باريس عيد متنقل».

وكما يؤكد بعد مضي سنوات في روايته الرائعة «باريس لا تنتهي أبداً» أحد العناصر الميثولوجية في سيرته الذاتية يتجسّد في أن مارغريت دوراس استأجرت له في تلك المدينة عام 1974 عليَّة صغيرة من الخشب. وأعطته حينئذٍ وريقة فيها ثلاثة تعليمات قد تكون نافعة من أجل كتابة رواية.

وأضافت نصيحة كان قد مررها لها بدوره ريمون كوينوا وتقول: «اكتب ولا تفعل شيئاً آخر».

ومنذ ذلك الحين، أنتج فيلا ماتاس أحد الأعمال الروائية الأكثر شخصية وصلابة وتجديداً خلال العقود الأخيرة، حيث تلقى هواجس عدة: الأدب كمشروع حيوي، الخلط بين الواقع والخيال، والتهكم من الذات ، والأسلوب المرهق في تأكيد الأنا.

ألف أكثر من 15 كتاباً، من «التاريخ المختصر للأدب الخفيف»، «انتحاريون نموذجيون»، «الرحلة العمودية» (جائزة رومولو غاييغوس 2001)، «ذكريات مبتكرة»، «بارتليبي ورفقة» والآن «دكتور باسافنتو»