ثمة كتاب يكتبون كي يرووا ما عاشوه. آخرون يكتبون لأن الحياة لا تدركهم، لأنها تبدو لهم ـ على سبيل المثال ـ متخلخلة ومنسلة زيادة عن اللازم وحينئذ يبتكرون القصص في محاولة منهم للخروج عن إطار الزمان والمكان وسط عناد كبير.وآخرون يعانون ـ كما قال توماس مان ـ من هَمٍّ ثقيل يتمثل في الانسحاب من الحياة من أجل الكتابة، وهناك آخرون، مثل انريكي فيلا ماتاس، الكتابة والحياة بالنسبة لهم هي الشيء المتناقض ظاهرياً .

مسارات كتبه، التي بلغت عشرين كتاباً حتى الآن، مزينة بقوتين أساسيتين. فمن الواضح ان الكتب بالنسبة لفيلا ماتاس ـ ورغم أطروحة بيتر سلو ترديجك الساخرة والحادة ـ هي، كما قال الشاعر الألماني جان بول، رسائل لأصدقاء بعيدين.

وروايات فيلا ماتاس الهجينة هي حوارات مع أفكار وعواطف وشخصيات في مدينة مثقفة ينتمي هو نفسه لها منذ زمن.وحيث الكتب بأبطالها ومؤلفيها (كافكا، ملفيل، روبرت راؤول اسكاري) ليست مجرد أشياء أو أسماء في العالم.بل إنها الأشياء والأسماء الرئيسية التي تجعل العالم الحقيقي حقيقة أكيدة.

من هذه الألفة تولد تجربة هذا الكاتب، المتميزة بجدارة استخدام فن خلط الواقع بالخيال وبركوب صهوة السيرة الذاتية والحكاية والقصة الخبرية الصحافية والبحث والبداهة والذكريات والتداعيات الحرة.

في «التاريخ المختصر للأدب الخفيف»، الكتاب الذي جعله معروفاً خارج إسبانيا عام 1985، يروي فيلا ماتاس تاريخ مجتمع سري تجري فيه أحداث مؤامرة شاندي الخاصة بالفنانين الخفيفين، يسافر أعضاؤها (دوستامب، سكوت فيتزجيرالد، سيزار فاييخو، غارسيا لوركا، من بين آخرين) عبر مدن أوروبية عدة حاملين على ظهورهم أعمالهم، التي يجب ان تكون قابلة للنقل وقصيرة الأجل بصورة لا مجال فيها للخطأ.

وفي كتابه «باريس لا تنتهي أبداً»، يروي الحكاية المضحكة الخاصة بسنوات شبابه في باريس، منتصف السبعينات، عندما كان يتطلع لأن يكون «كاتباً وسعيداً مثل همنغواي»، لكنه في المقابل عاش يائساً في عليَّة قذرة من الخشب كانت قد استأجرتها له مارغريت دوراس، راغباً بأن يكتب أول كتاب له دون ان يتمكن من ذلك، وهو يتذكر هذه الواقعة بعد سنوات، عندما يضطر للذهاب إلى باريس لإلقاء محاضرة هناك.

ويروي أشياء مثل هذه: «في اليوم الذي سبق يوم ولادتي، في مارس من عام 1948، وقع همنغواي، الذي كان يقترب من عيد ميلاده الخمسين وكان يمر بأزمة إبداعية تامة، في البندقية بحب فتاة لها من العمر 18 ربيعا وتدعى أدريانا ايفانسيتش.

لكن ذلك الحب لم يكن سوى حب متخيل، كما قالت لي عندما التقيتها العام الماضي في منزلها. وهذا التشابك يوضحه فيلا ماتاس نفسه، عندما استلم في عام 2001 جائزة رومولو غاييغوس عن روايته «الرحلة العمودية»، على النحو التالي: «يجب الذهاب باتجاه أدب مختلط، هجين، حيث تختلط الحدود والواقع يستطيع الرقص عند الحدود مع ما هو خيالي والإيقاع يشطب تلك الحدود» .

وأضاف: «اعتقد أن الأدب يتجاوز الحدود الوطنية بصورة متزايدة للقيام بإيضاحات معمقة حول شمولية الطبيعية البشرية».

لكن ذلك الحلم الإنساني الوارد في الكتاب كمبدع للجماعة لا يصل إلى فيلا ماتاس بسذاجة، بل على العكس تماماً، ففي مدينة الآداب تلك، يعاشر فيلا ماتاس بظرف وتهكم من الذات عائلة من الجيران المحترفين لكنهم عسيرون: الانتحاريون، أبطال في حالة بائسة يجدون في الأدب الملجأ الأخير لكراهيتهم، «البارتلييس»، «تلك الكائنات التي يسكنها رفض عميق للعالم الذين توقفوا عن الكتابة ذات يوم ولزموا الصمت، مثل سالنجر وخوان رولفو ورمباود.

هؤلاء هم عملياً أبطال كتابه الأكثر قراءة وترجمة «بارتليي ورفقة». مدينة فيلا ماتاس الأدبية مسكونة من قبل شخصيات مهزومة وليست مدهشة دائماً تتوق إلى «شيء» خارج كل تعبير: «وميض حياة تامة، ليست مخمدة من قبل السلطة». ذلك التوق، من زاوية نقدية لاذعة، هو القوة الأخرى التي تبلغ عنها نصوصه.

وفي ذلك الطريق، الذي يعد كذلك أسلوباً للتطلع إلى الخلط بين الفن والحياة، تسير الرواية الأخيرة التي كتبها فيلا ماتاس والتي تحمل عنوان «دكتور باسافنتو» وبطلها أندريه باسافنتو هو كاتب معروف يقرر، مستلهماً تجربة روبرت ويلسر، الاختفاء والانعزال أو بالأحرى تغيير الهوية.

كل الكتاب يرزح تحت ضغط التوتر المأساوي الهزلي، الذي يتأرجح بين الرغبة في التوقف عن الوجود بالنسبة للعالم (متلازمة بيرتليي، التي يعرفها المؤلف جيداً) وبين الرغبة في أن يكون معروفاً ومقدراً ومطلوباً من قبل الجميع. حركة ذهاب وإياب بين الزخم الأدبي كتأكيد للفرد والرغبة في الصمت وهي رغبة قد تمثل التأكيد الأعلى للأنا أو حتى حالة من الازدراء الجليل للهوية نفسها.

يتتبع مؤلف «دكتور باسافنتو» مصير الكاتب السويسري روبرت ويلسر، الذي يقدر فيه حماسه لفكرة ألا يراه أحد في حياة مفعمة ببؤس جميل أوصله إلى حالة من النفور الشديد الذي ولد فيه القوة والعظمة الأدبية هذا الرجل يريد الابتعاد وذات يوم يختفي ويعتقد بأنهم سيبحثون عنه، لكن أحداً لا يبحث عن باسافنتو، بطل الكتاب، ورويداً رويداً تبدأ الحقيقة البسيطة تفرض نفسها: لا أحد يفكر به.

«ما كان لعبة في البداية، يتشابك تدريجياً ويصبح معقداً وعلى هذا النحو يبدأ نوع من الهرب لا نهاية له»، على حد تأكيد فيلا ماتاس، وذلك في عمل يتعايش فيه الخيال والواقع في آن، بحيث يختلط المبتكرون مع آخرين واقعيين، مثل آيفيت سانشيز أو الكاتب برناندو أتكاجا كما تتعايش في الوقت نفسه أوضاع وهمية مع معايشات شخصية للمؤلف، علماً بأن الروائي نفسه أراد العيش بشحمه ولحمه ما يحس به عندما لا يعرف مصيره حتى أقرب المقربين، وهكذا سافر إلى قرطبة ونزل في فندق دون أن يبلغ أحداً بذلك.

كما زار المؤلف أماكن عدة تتطور فيها مجريات الأحداث في العمل الأدبي وطلب أن يحتجزوه أياماً عدة في مستشفى المجانين، الذي أمضى فيه روبرت ويلسر، الذي كان مريضاً بالفصام، السنوات الـ 23 الأخيرة من حياته، بعيداً عن الكتابة وعن الحياة تقريباً. بالنسبة لفيلا ماتاس، فإن «دكتور باسافنتو ليست أكثر من «رواية مغامرات إنسان بقي وحيداً»، يوجد عنه الكثير من القراءات والتفسيرات المحتملة. لكن رغم كل شيء، يؤكد الكاتب على أنه لم يرغب أبداً بأن يختفي «على وجه التحديد» وهو يقول بهذا الصدد إنه لو فعل ذلك لكان صامتاً الآن ولما ألف هذا الكتاب.

* طفولتي الأولى

لنحرر ما شكل دائماً ذكرى طفولتي الأولى ـ ثمة من ينوعها دائما، أنا لا ـ ولنبدأ أولا وقبل أي شيء بأني ولدت عام 1948 في برشلونة، في السنة نفسها التي أنهى فيها الرجال في نيويورك بناء مقر الأمم المتحدة، على طول نهر «إيست ريفر» ابتداء من القتلة المسحوبين في منطقة «تورتل بي» مثلما يحدث في مسابقة تحليق حلزوني للطائرات.

أنا ولدت في مارس من ذلك العام في برشلونة وبعد مرور خمسين عاماً، أثناء رحلتي الأولى إلى نيويورك، دخلت مساء يوم سبت إلى مبنى الأمم المتحدة وبرفقة تيلما أباسكال، موظفة الأمم المتحدة آنذاك، صعدت بغتة في المصعد البراق حتى مرحاض السيدات الأنيق والعملاق الذي يقع في الطابق الأخير من ناطحة السحاب تلك، التي كانت، عندما ولدت، أضخم مشروع مدني في العالم.

من هناك رأيت منظراً مدهشاً لأفق المدينة وتذكرت إعلان حقوق الإنسان المنتهك بصورة متزايدة في يومنا هذا وضحكت متضايقا حين أدركت كيف كان الوقت يمر سريعا منذ ذلك المساء البعيد في شهر ديسمبر من عام 1948 في برشلونة، الذي أخذوني فيه، عندما كان أقل من عام في الحياة، إلى بيت جدي، من أبي كي أقدم له الفرحة قبل ان يموت.

كان جدي ضعيفاً، لكنه كان مبتسماً في فراش موته. ألقيت عليه التحية ويبدو أني أدركت ما كان منتظراً مني، ذلك أني تلفظت بأول كلمة في حياتي، قلت: «الله» الأمر الذي هز مشاعر جدتي. وأنا لم أعد بعد ذلك لرؤية جدي. فبعد بضعة أيام مات، اختفى الى الأبد. كان رجلاً إيطالي المولد ويتمتع بشجاعة كبيرة، ولم أعرف عنه المزيد من الأشياء أبداً.

ذكراي الأولى المرتبطة بمشهد أول ظهور لي في العالم، باتت لصيقة إذن بفكرة الوداع والاختفاء. وربما كان ذلك السبب الذي جعلني أقول دائماً إن من يريد الذهاب أبعد، فسيتعين عليه الاختفاء.

* مقتطف من رواية «دكتور باسافنتو»

* الكتاب:دكتور باسافنتو

* الناشر: أناغراما ـ برشلونة 2006

* الصفحات: 393 صفحة من القطع المتوسط

doctor pasavento

enrique vila - matas

anagrama - barcelona 2006

p. 393